هل العودة إلى المدرسة حتمية؟

ما زالت المدرسة مُحاصَرة ضمن مفهوم "حدود الوطن"، في حين ينعتق التلاميذ والتلميذات إلى عالم فسيح يأخذ بألبابهم دون أن يجدوا مرشداً في الغالب.

الأربعاء، 10-09-2014 الساعة 16:57


يحقّ لشعار "العودة إلى المدارس" أن يحمل دلالات عدّة. لكنّ ما يثيره هذا الشعار من معانٍ شتى يقتضي الإشارة إلى وظيفة المدارس بأن تتقدّم بالمجتمعات لا أن تتخلّف بالأجيال.

تغيّرت الحياة في مجالات عدّة وبقيت المدرسة بطيئة الحراك وضعيفة المواكبة وباهتة الحضور. ونشأت في حقول بعينها فجوة معرفيّة عكسيّة بين الأجيال، أصبح معها الآباء والأمّهات، والمعلِّمون والمربّون، مجرّد مستمعين جيِّدين لمضامين التلقين من أبنائهم وتلاميذهم في حقول كهذه.

حرّرت نُظُم التعليم المدرسية شهادات عجزها عن التهيئة للمستقبل، فلم تقدِّم وصفة إرشادية لأجيال صاعدة ومجتمعات منشغلة بتحوّلات التقانة والاتصالات والإعلام والثقافة والاقتصاد وأوضاع العالم. فالناشئة دخلت عصراً جديداً دون دليل إرشادي يعينها على استجابة رشيدة لتحدِّياته، وتكيّف سليم مع استحقاقاته.

إن لم يدرك القائمون على نظم التعليم المدرسية منطق التغيّر الجارف في العالم، فماذا بوسع الأجيال أن تخرج به من الانتظام سنين طويلة في صفوف الدراسة؟ أهو الانجراف تحت عجلة التحوّلات؛ أم استدراج مستقبل الأجيال إلى حاضر مشكوك في صلاحيته؟

لا يمكن الانطلاق بالتعليم المدرسي نحو مستقبل مشرق، دون تحطيم الأغلال الذهنية، والانعتاق من أقفاص التعليم المدرسي المنشغل بحشو الرؤوس بمقولات بالية وخطاب أحاديّ اللوْن، والتحرّر من طقوس انقياد الأطفال والناشئة كلّ صباح في طوابير تنتهي بتصنيع الشهادات والألقاب للمنضبطين.

ما زالت المدرسة مُحاصَرة ضمن مفهوم "حدود الوطن"، في حين ينعتق التلاميذ والتلميذات إلى عالم فسيح يأخذ بألبابهم دون أن يجدوا مرشداً في الغالب. وما زالت المناهج في عجزها المزمن، الذي يبدأ مع اللغة العربية ولا ينتهي عندها، وتواجه القراءة تحدِّي التسمّر في مواجهة الشاشات والقنوات المتزاحمة.

إنّ الاستجابة لتحدِّي العصر لا يكون بحلول تقنية صرفة، كتشبيك الفصول المدرسية بالإنترنت، وتزويد التلاميذ بالأجهزة اللوحية. فرغم أهمية هذه الخيارات إلاّ أنها لا تغني عن تمليك الطموح، وتحفيز الإبداع، والإشعار بالثقة بالقدرات الذاتية والجماعية؛ فهذه من حقوق الأجيال على نظم التعليم المدرسية وعلى الحكومات من ورائها. فهل لدى فرق التدريس ما تقدمه من شحنات الأمل وهي تعيش إحباطات مجتمعاتها وارتباكات شاملة تجتاح الواقع من حولها؟

ينبغي دعم الأجيال للخروج من مفهوم الاستهلاك إلى روح المنافسة والإنجاز، وتمكينها من الإبحار بطموحها الإنساني إلى عمق الخيال الذي يهيِّئ أذهانها لاستعمال حقّ المشاركة في الرِّيادة، بدل انتظار الآخرين وتلقّف ابتكاراتهم.

هناك ما ينبغي عمله في مجال ترميم الشخصية الحضارية للمجتمعات من خلال دعم الأجيال الصاعدة، ولكنّها مهمّة لا يمكن الوثوق بأن تنجزها نخب حائرة وسياسات متناقضة.

من جديد تعلو شعارات رائعة من قبيل: "أطفالنا وشبابنا هم ثروتنا الحقيقية وغدنا المشرق"، وفي تنزيلها تنتظم المشاهد المألوفة لطوابير منهمكة في طقوس "العودة إلى المدارس" .. فهل من حاجة للمراجعة؟ ومتى تكون؟

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة