هل بات التدخل التركي العسكري مسألة وقت؟

روسيا متأكدة أن موضوع العملية العسكرية البرية في سوريا بات مسألة وقت وأرادت استباق ذلك بقرار دولي.

السبت، 20-02-2016 الساعة 17:14


انعقد مجلس الأمن أمس في جلسة مغلقة لإجراء مشاورات حول سوريا، بناء على طلب روسيا التي دعت لعقد جلسة طارئة لمطالبة تركيا بوقف قصفها لقوات يطلق عليها "قوات سوريا الديمقراطية"، في شمال سوريا، وكي تتخلى تركيا عن مشروع عملية عسكرية برية في سوريا.

تجدر الإشارة إلى أن ما يعرف بقوات سوريا الديمقراطية، يشكل غالبيتها قوات YPG وهي الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني التركي، المصنف إرهابياً في تركيا والناتو.

ويمكن النظر الى جلسة مجلس الأمن أمس، كسابقة في تاريخ الأزمات، أن يجتمع مجلس الأمن لبحث خطط تتعلق بعملية عسكرية متوقعة، واللافت أن الجلسة تمت بطلب روسيا، التي تراها كثير من الدول محتلة لسوريا.

طلب روسيا عقد جلسة لمجلس الأمن لمناقشة مشروع عملية عسكرية تركية برية في سوريا، يعني أنها متأكدة أن موضوع العملية العسكرية البرية بات مسألة وقت لا أكثر، وأرادت استباق ذلك بقرار دولي، يكبل تركيا، ويعقد موقفها، أكثر مما هو معقد حالياً.

وبحسب دبلوماسيين، فإن فرنسا و4 دول أخرى (الولايات المتحدة وبريطانيا ونيوزيلاندا وإسبانيا) رفضت نص مشروع القرار الروسي، وبسبب امتلاك 3 من هذه الدول حق النقض الفيتو، لم يكن هناك أي أمل في تبني مشروع القرار، كما اتهم السفير الفرنسي فرنسوا ديلاتر، روسيا بالتسبب في تصعيد خطر، من خلال دعمها نظام الأسد في حملته العسكرية لاستعادة حلب.

وعولت موسكو، بدعوتها لاجتماع مجلس الأمن، بتمرير قرار يكبح جماح تركيا، على التردد الأمريكي المستمر منذ بداية الثورة السورية، بالإضافة للتصريحات المتناقضة في الآونة الأخيرة حيال الموقف الأمريكي من الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني التركي، والتي تأخذ طابعاً تصعيدياً مع تركيا، ما دفع أنقرة للتلويح بإغلاقها قاعدة "إنجرليك" بوجه الأمريكيين.

ولجوء موسكو إلى مجلس الأمن يظهر عجز روسيا عن ايقاف أي تحرك تركي عسكري مرتقب نحو الأراضي السورية، فهي غير راغبة وربما غير مستعدة لدخول أي نزاع مسلح وبشكل مباشر، ليس فقط لأن تركيا عضو في الناتو، وإنما لأن ذلك يعني أنها ستواجه طرفاً قادراً على رد القصف بقصف مماثل، وأي تحرش عسكري سيقابل برد، على عكس ما تقوم به روسيا اليوم، إن كان في سوريا أو شرق أوكرانيا، وهو ما شبهه البعض بالألعاب العسكرية.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الفيتو الذي تعرض له المطلب الروسي ضد تركيا، فإن نتيجته جاءت عكسية، وأعطت ضوءاً أخضر غير معلن لأنقرة وأتاح لها مزيداً من الوقت لمتابعة ما تقوم به لحماية حدودها وأمنها القومي ليس فقط داخل أراضيها.

وفي حين أعلنت مجموعة صقور حرية كردستان، تبنيها تفجير أنقرة، الأربعاء، والذي أوقع 28 قتيلاً باعتداء بسيارة مفخخة وسط العاصة التركية، وسّعت تركيا على الأرض قصفها إلى عدة مناطق في محافظة حلب تقع تحت سيطرة مليشيات كردية سورية، معتبرة ذلك رداً على اعتداء تفجير أنقرة.

وأفاد بيان نشرته المجموعة على موقعها مساء 17 فبراير/شباط بتنفيذ مقاتل هجوماً انتحارياً عند الساعة 18.30 في شوارع أنقرة ضد قافلة لجنود الجمهورية التركية، وكانت المجموعة نفسها أعلنت مسؤوليتها في ديسمبر/كانون الأول عن هجوم بقذائف الهاون ضد مطار في إسطنبول.

ويسيطر الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني التركي، حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) أبرز القوى الكردية السورية ومليشياته (YPG)، القوتان اللتان تصفهما أنقرة بـالإرهابيتين، على ثلاثة أرباع الحدود السورية مع تركيا ويتابع استفزازه لها، بالتقدم إلى مناطق كان النظام السوري في السابق، تعهد بمنع أي تحرك مسلح كردي فيها، أو السماح للجيش التركي بالتوغل داخل الأراضي السورية لملاحقة المسلحين الأكراد فيها كما حدث في أوقات سابقة، ولو بشكل غير معلن كما يحظى التنظيمان الكرديان حالياً بدعم أمريكي-روسي، بسبب تصديهما لمسلحي تنظيم "الدولة الإسلامية".

وفي تحرك اعتبره المراقبون استفزازياً ليس فقط لأنقرة، وإنما للعرب السوريين المكون الأساسي لسكان سوريا، حيث عمدت ميليشات "YPG" الكردية، إلى تغيير أسماء مناطق وبلدات من العربية إلى الكردية في المناطق التي تسيطر عليها في سوريا، استكمالاً لمشروعها.

وأطلقت اسم "سيروك أبو" على مطار منغ العسكري والذي يعني "القائد الأب"، نسبة إلى عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، وبات اسم "أرباد" يطلق حالياً على بلدة تل رفعت السورية، بالإضافة إلى إطلاق أسماء جديدة على 20 منطقة.

يدرك العالم أن لتركيا وضعاً خاصاً، طوال سنوات الثورة السورية، بسبب عدم رغبتها في مهاجمة دول مجاورة، فربما يحدث رد فعل انتقامي، كما أنها لا تريد المخاطرة بأي تحرك خارج الحدود، في الوقت الذي تخوض فيه الدولة التركية حرباً داخل أراضيها، ضد من تسميهم إرهابيي حزب العمال الكردستاني.

وفي ظل هذه التطورات عاد موضوع المنطقة الآمنة إلى التداول، بعد أن أوضحت الخارجية الفرنسية، في بيان، أمس الجمعة، أن بلادها ستبحث مع ألمانيا مقترحاً تركياً لإقامة منطقة حظر طيران شمالي سوريا، وأكد البيان أن وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك إيرولت، سيلتقي نظيره الألماني في وقت قريب لبحث مسألة منطقة حظر الطيران.

وكانت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل جددت، الأربعاء، تأييد بلادها إقامة منطقة حظر جوي في سوريا، مشيرة إلى أن المنطقة ستحول دون مقتل ونزوح المزيد من المدنيين في حلب شمالي سوريا.

مطالبة أنقرة إقامة منطقة آمنة منذ وقت مبكر من عمر الثورة السورية، لم تكن مبادرة تركية ذاتية، فقد طالب بها الثوار السوريون خلال "جمعة الحظر الجوي"، في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، ويناير كانون/الثاني 2012 في "جمعة المنطقة العازلة".

و تحول موضوع المنطقة الآمنة إلى موضوع إقليمي في الشمال من الجانب التركي، وفي الجنوب من الجانب الأردني، بعد تدفق مئات الآلاف من اللاجئين السوريين الفارين من قصف طيران الأسد، إلى حدود الدولتين الجارتين.

ووضعت أنقرة موضوع المنطقة الآمنة عام 2014، ضمن شروطها للمشاركة في الحرب ضد تنظيم "الدولة الاسلامية"، وهدفت من ذلك، توفير مكان آمن للاجئين السوريين الهاربين من القصف الهمجي، وبراميل الأسد المتفجرة، حتى عودتهم إلى أراضيهم، الأمر الذي من شأنه أن يخفف من تدفق المزيد من اللاجئين إلى تركيا، ويقلص من ثقلهم عن كاهل دول الجوار التي باتت إمكاناتها عاجزة عن استيعاب مئات آلاف اللاجئين.

لكن روسيا تعارض إقامة المنطقة الآمنة بعد تدخلها العسكري المباشر في سوريا، وتعمل على جعل الموضوع غير قابل للتنفيذ على الأرض، من خلال فرضها واقعاً جديداً بالقصف العشوائي، واتباع سياسة الأرض المحروقة، وتهجير أكبر عدد ممكن من السكان، في محاولة واضحة لتغيير الخارطة الديموغرافية.

ولجأت موسكو إلى دعم حزب صالح مسلم، الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني، المصنف "إرهابياً" في تركيا والـ"ناتو"، وذلك لإضعاف الدور التركي في سوريا، ولإثارة الاضطرابات داخل تركيا كنوع من أنواع "الانتقام".

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة