هل تتحول القارة السمراء إلى مستوطنة إسرائيلية؟

القارة السوداء كانت وما زالت تمتلك الكثير من الإمكانات الهائلة وهو ما أوحى لبن غوريون بصورة اليهودي الأسود.

الخميس، 04-02-2016 الساعة 13:44


منذ الإعلان عن قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 على أنقاض الشعب الفلسطيني، لم تكتف هذه الدولة بما اقترفته أياديها الملوثه بالدماء من قتل وتشريد لشعب فلسطين، وتزييف الحقائق، وطمس للمعالم، وأعمال القتل والعربدة والتهجير ضد المواطنين الفلسطينيين، والاستيلاء على الأرض وما بها من خيرات طبيعية، بل تعدت تطلعاتها إلى محاولة الهيمنة والسيطرة على خيرات الوطن العربي، بل والتمدد نحو القارة الأفريقية التي شغلت حيزاً هاماً في اهتمامات الكيان الصهيوني منذ السنوات المبكرة لعقد الخمسينات، وقد انعكس هذا الاهتمام على الدبلوماسية الإسرائيلية التي أخذت تضع القارة في إطار نشاطها وتحركها حيث احتلت أفريقيا مكانة الصدارة بعد الولايات المتحدة وأوروبا.

فبعد إعلان قيام الدولة الصهيونية أوْلى صانع القرار الإسرائيلي اهتماماً كبيراً بتأسيس علاقات قوية وراسخة مع القوى الكبرى الأساسية في العالم بداية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفييتي. يعني ذلك أن إسرائيل في بحثها عن مدغوريون صاحب نظرية تطويق الشرق الأوسط بإقامة تحالفات مع الدول غير العربية، وتبدو أفريقيا هي السوق البديلة ليس فقط لاستهلاك السلع الإسرائيلية ما دامت الأسواق العربية مقفلة في وجهها، وإنما أيضاً لامتصاص العبقرية اليهودية والتمثل بها.

ورغم أن الاستعمار قد بدد الثروة الأفريقية وأحدث إيقاعاً فوضوياً في اقتصادياتها، لكن القارة السوداء كانت وما زالت تمتلك الكثير من الإمكانات الهائلة وهو ما أوحى لبن غوريون بصورة اليهودي الأسود.

شرعية الوجود على الساحة الدولية وتأمين وجودها العضوي انصب جل اهتمامها على القوى الاستعمارية الأوروبية، بدليل أن إسرائيل لم يكن لديها بنهاية عام 1957 سوى سبع سفارات فقط في العالم بأسره ستة منها في القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية.

كان بن ترجم هذا الاهتمام بالقارة الأفريقية في إطار السياسة الخارجية الإسرائيلية على نحو ملموس من خلال إنشاء شبكة من العلاقات الديبلوماسية والسياسية، ومن خلال التعاون الاقتصادي والعسكري منذ أواخر الخمسينات.

يمكن القول إن بداية الاختراق الإسرائيلي لأفريقيا قد بدأ في العام 1957 حيث كانت إسرائيل أول دولة أجنبية تفتح سفارة لها في أكرا بعد أقل من شهر من حصول غانا على استقلالها. وقد لعبت السفارة الإسرائيلية في أكرا دوراً كبيراً في تدعيم العلاقات بين البلدين، وهو ما دفع إلى افتتاح سفارتين أخريين في كل من منروفيا وكوناكري، وذلك تحت تأثير إمكانية الحصول على مساعدات تنموية وتقنية من إسرائيل. ومن جهة أخرى فقد عكست زيارة جولدا مائير، وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك، عام 1958 إلى بعض الدول الأفريقية لأول مرة، إصرار إسرائيل في قيام علاقات قوية مع القارة السمراء حيث اجتمعت بقادة كل من ليبيريا وغانا والسنغال ونيجيريا وكوت ديفوار.

وقد مرت أكثر من عشر سنوات 1957-1967 أن يحقق مكاسب ديبلوماسية واقتصادية هامة لم يحرزها في أي قارة، ونتج عن هذا النشاط المتشعب والمبرمج خلق وجود إسرائيلي في أكثر من 30 بلداً أفريقياً.

ثمة مجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية أسهمت في تكثيف التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا أبرزها حصول عدد من الدول الأفريقية على استقلالها في الستينيات، أدى إلى زيادة الكتلة التصويتية لأفريقيا في الأمم المتحدة حيث كان الصراع العربي الإسرائيلي من أبرز القضايا التي تطرح للتصويت.

وكذلك إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963م وضع تحدياً أمام إسرائيل؛ حيث إنها لا تتمتع بالعضوية في هذا التجمع الأفروعربي.

ثم عضوية مصر المزدوجة في كل من جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية أعطاها فرصة إقامة تحالفات مع بعض القادة الأفارقة الراديكاليين من أمثال نكروما وسيكوتوري.

وبحلول عام 1966م كانت إسرائيل تحظى بتمثيل دبلوماسي في كافة الدول الأفريقية جنوب الصحراء باستثناء كل من الصومال وموريتانيا. ومع ذلك فإن أفريقيا كانت بمثابة ساحة للتنافس العربي الإسرائيلي.

بعد العدوان الاسرائيلي عام 1967 بدأت الأقطار الأفريقية تعيد النظر بهذه العلاقات في ضوء العديد من المستجدات أهمها: أن العدوان الذي شنته إسرائيل على ثلاث دول عربية نبه إلى خطورة هذا الكيان وما يمثله من مصدر تهديد وتوسع، ثم افتضاح طبيعة الدور الإسرائيلي الخطير في أفريقيا خاصة في أنغولا وموزامبيق والكونغو، حيث تعمقت هذه الشكوك حيال نوايا إسرائيل بعد التعاون الإسرائيلي مع الحكومة العنصرية السابقة في جنوب أفريقيا من أجل محاربة حركات التحرر الأفريقية الأمر الذي كشف أن هذا التحالف موجه أساساً ضد الأمة العربية والشعوب الأفريقية، ونتيجة لذلك فقد تبلور الموقف الأفريقي بقطع العلاقات مع إسرائيل خلال ثلاث مراحل: بعد عام 1967 وأثناء حرب عام 1973 والفترة التي أعقبتها.

فقبل حرب 1973 كان لإسرائيل علاقات دبلوماسية مع خمس وعشرين دولة أفريقية. بيد أنه في بداية العام 1974 تقلص هذا العدد ليصل إلى خمس دول فقط هي: جنوب أفريقيا، وليسوتو، ومالاوي، وسوازيلاند، وموريشيوس.

وقد أقدمت الدول الأفريقية التي قامت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل على هذه الخطوة بظني تأييداً للموقف المصري، باعتبار مصر دولة أفريقية تسعى إلى استعادة أراضيها من الاحتلال الإسرائيلي، لكن لا يخفى أن هناك أسباباً أخرى في مقدمتها مساعي الدول الأفريقية في الحصول على المساعدات العربية ولا سيما من الدول النفطية.

الصفعة الأولى لإسرائيل جاءت من غينيا التي قطعت علاقاتها مع إسرائيل في أول أيام العدوان عام 1967 ممّا شجع العديد من البلدان الأفريقية الأخرى على حسم أمرها، إذ أقدمت كل من أوغندا وتشاد والكونغو بقطع العلاقات عام 1972. وفي العام 1973 قبل الحرب قامت النيجر ومالي وبوروندي وتوجو وزائير بنفس الخطوة، وبعد حرب تشرين من نفس العام قامت بقية الدول الأفريقية بقطع علاقاتها مع إسرائيل وهي داهمي، رواندا، فولتا العليا، الكاميرون، تنزانيا، مدغشقر، أفريقيا الوسطى، إثيوبيا، نيجيريا، جامبيا، زامبيا، غانا، السنغال، سيراليون، ليبيريا، ساحل العاج، بوتسوانا.

والدول التي لم تقطع علاقاتها مع إسرائيل هي جنوب أفريقيا والدول القريبة منها وهي ملاوي، موريشسيوس، ليسوتو، سوازيلاند، وهي دول غير متفاعلة مع النظام الإقليمي العربي.

ولكن هل سلمت الدوائر الإسرائيلية بهزيمتها وارتضت بإيصاد الأبواب في وجهها؟ الجواب قطعاً لا، لذلك عكفت مختلف الدوائر السياسية والاقتصادية والعسكرية الإسرائيلية على إعداد الدراسات التي أكدت وجوب العودة إلى القارة السوداء من خلال قنوات عديدة.

إن الموقف الأفريقي وإن كانت له دلالات سياسية ودبلوماسية واضحة من زاوية الصراع العربي الإسرائيلي، إلا أن إسرائيل ظلت على علاقة وثيقة، ولو بشكل غير رسمي، مع معظم الدول الأفريقية التي قامت بقطع العلاقات معها. وليس أدل على ذلك من أن التجارة الإسرائيلية مع أفريقيا خلال الفترة من عام 1973 وحتى عام 1978 قد تضاعفت من 54.8 مليون دولار إلى 104.3 مليون دولار. وتركزت هذه التجارة بالأساس في الزراعة والتكنولوجيا.

وحتى العام 1975 لم يحقق التحرك الإسرائيلي نتائج كبيرة خاصة على صعيد العلاقات الديبلوماسية، ولعل السبب في ذلك يعود أساساً إلى موقف الكثير من الدول الأفريقية لم تكن راغبة في إحداث أزمة في العلاقات العربية-الإفريقية؛ خوفاً من أن تحجب عنها المساعدات المالية العربية التي بلغ مجموعها في الفترة ما بين (1973-1982) ما مجموعه 7.5 مليار دولار، لكن الصحيح أيضاً أن تلك المواقف لم تكن مبدئية وثابتة، بدليل أن عدداً من الدول الأفريقية أبقت على النشاط الاقتصادي الإسرائيلي فيها ولم تمسه.

بعد تولي حزب الليكود مقاليد السلطة في إسرائيل عام 1977 رفعت الحكومة شعار "عائدون إليك يا أفريقيا"، فقد عهد إلى دايفد كمحي الذي يحمل شهادة دكتوراه عن حركات التحرر في آسيا وأفريقيا والذي يرتبط بالكثير من الزعماء الأفارقة بصلة وثيقة ومباشرة، عهد إليه مهمة إجراء اتصالات مع الدول الأفريقية بهدف إفساح الفرصة أمام استئناف العلاقات لإعادة إسرائيل إلى القارة السوداء من الأبواب الرئيسية وليس من الأبواب الخلفية، وتصاعدت وتيرة الجهود الإسرائيلية وبلغت ذروتها خلال عام 1985-1986 بعد زيارة شمعون بيريز إلى بعض الدول الأفريقية، لتبدأ مسيرة الخطوات العكسية في إعادة العلاقات بين إسرائيل ودول القارة.

الثغرة الأولى في جدار المقاطعة كانت زائير التي أعادت علاقاتها مع إسرائيل في أيار 1982، ونجحت إسرائيل فضلاً عن ذلك في ربط زائير بمعاهدة عسكرية تنص على قيام إسرائيل بإعادة بناء الجيش الزائيري وإيفاد مستشارين عسكريين إلى زائير لتدريب سلاح البحرية. الثغرة الثانية في ليبيريا عام 1983 عندما أعلنت عن إعادة علاقاتها مع إسرائيل، وبرر وزير خارجيتها هذه الخطوة بأن ليبيريا مقتنعة أن استمرار عزل إسرائيل يشكل عقبة أمام السلام في الشرق الاوسط، وأن أسباب قطع هذه العلاقات خلال حرب 1973 لم تعد قائمة، لحقت بهما ساحل العاج والكاميرون وتوغو ثم كينيا بنهاية عام 1988 بعد اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بالقرارين 242- 338، لينفرط عقد السبحة وتثبت إسرائيل أقدامها في القارة خاصة بعد التطورات السياسية التي عصفت بالمنطقة والعالم فيما بعد، أهمها حرب الخليج ومؤتمر مدريد واتفاقيات السلام الإسرائيلية العربية، إضافة إلى تدهور وانهيار المعسكر الاشتراكي سابقاً.

وقد تسارعت عودة العلاقات الإسرائيلية الأفريقية؛ حتى إنه في عام 1992م وحده قامت ثماني دول أفريقية بإعادة تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. وسعت إسرائيل إلى تعزيز سياساتها الأفريقية بدرجة تفوق طموحاتها خلال عقد الستينيات وأوائل السبعينيات. وطبقاً للبيانات الإسرائيلية فإن عدد الدول الأفريقية التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية أو أسستها مع إسرائيل بعد مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر 1991 قد بلغ ثلاثين دولة. وفي عام 1997 بلغ عدد الدول الأفريقية التي تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل 48 دولة. وحاولت إسرائيل جاهدة الاستفادة من دروس الماضي بما يرسخ أقدامها في القارة الأفريقية؛ وذلك من خلال أشكال وطرق متعددة أهمها:

أولاً: المساعـدات الاستخبارية والتدريبات العسكرية، فقد ركزت إسرائيل في تفاعلاتها الأفريقية منذ البداية، وحتى في ظل سنوات القطيعة الدبلوماسية بينها وبين أفريقيا، خلال الفترة من 1973-1983، على المساعدات العسكرية في مجال تدريب قوات الشرطة وقوات الحرس الرئاسي لعدد من الدول الأفريقية مثل زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً) والكاميرون.

وبدهي أن الدول الأفريقية التي تعاني من الصراعات والانقسامات الاجتماعية والانشقاقات داخل صفوف النخب السياسية الحاكمة، تهتم اهتماماً بالغاً بقضايا المساعدات الأمنية والاستخبارية، وهو ما دأبت السياسة الإسرائيلية في أفريقيا على التركيز عليه في جميع مراحل علاقاتها الأفريقية منذ أعوام الستينيات.

ومع دخول القرن الأفريقي أتون الصراعات الإثنية والسياسية أصبح المجال مفتوحاً أمام التركيز مرة أخرى على أداة المساعدة العسكرية والاستخبارية التي تمارسها إسرائيل في هذه المنطقة المهمة لها استراتيجياً بسبب ارتباطها بأمن البحر الأحمر، وكذلك ارتباطها بأمن بعض الدول العربية المؤثرة مثل السودان ومصر.

ثانياً : المساعدات الفنية التي اشتملت منذ البداية على ثلاث مجالات أساسية وهي: نقل المهارات التقنية وغيرها من خلال برامج تدريبية معينة، وتزويد الدول الأفريقية بخبراء إسرائيليين وإنشاء شركات مشتركة أو على الأقل نقل الخبرات والمهارات الإدارية للشركات الأفريقية. وتشير الإحصاءات التي نشرها مركز التعاون الدولي التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية أن عدد الأفارقة الذين تلقوا تدريبهم في إسرائيل عام 1997 وصل إلى نحو 7420 متدرباً، إضافة إلى نحو 42636 أفريقياً تلقوا تدريبهم من قبل في مراكز التدريب الإسرائيلية خلال عقدين من الزمن .

ثالثاً : من خلال تجارة السلاح والألماس، فمن المعلوم أن إسرائيل توفر السلاح للدول الأفريقية بالإضافة إلى التدريب العسكري، وتفيد الخبرة التاريخية أن إسرائيل تتعامل مع الأشخاص الأفارقة وذوي النفوذ أو الذين لهم مستقبل سياسي فاعل في بلدانهم. وطبقاً لتقارير الأمم المتحدة وبعض التقارير الأخرى فإن هناك تورطاً لشركات إسرائيلية ولتجار إسرائيليين في التجارة غير المشروعة للألماس. فمن المعروف أن مافيا هذا الحجر الثمين تقوم بتهريبه من دول مثل الكونغو وسيراليون وأنجولا عبر دول الجوار ليصل إلى هولندا، ثم بعد ذلك إلى مراكز تصنيع الألماس في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة بالإضافة إلى إسرائيل والهند. على أن هذه التجارة غير المشروعة يوازيها تجارة أخرى غير مشروعة في السلاح؛ حيث يتم عقد صفقات لشراء الأسلحة وهو ما يسهم في استمرار واقع الصراعات والحروب الأهلية في الدول الأفريقية الغنية بالألماس.

إن الجهود المتواصلة التي بذلتها الدوائر الإسرائيلية خلال ربع قرن لا بد أن تثير تساؤلات حول النتائج التي أحرزها التحرك الإسرائيلي على كافة الأصعدة، والرد عليها يقتضي الإقرار بأن هذا التحرك تم في ظروف دولية ومناخ إقليمي مناسبين وعوامل مساعدة أهمها:

أولاً- لم تبدأ التحركات الإسرائيلية نحو القارة الأفريقية من العدم، وإنما استثمرت ركائزها في القارة سواء كانت على شكل نشاط اقتصادي في بعض الأقطار، أو الاستعانة بالدول الحليفة كالولايات المتحدة، أو ببعض الحكام الأفارقة الذين لم يقطعوا الاتصال نهائياً مع الكيان الصهيوني، ولعل في مقدمة هذه الركائز وجود شبكة متشعبة من الأنصار نجحت الدوائر الإسرائيلية في ربطهم معها، إذ جاء على لسان الدكتور يهودا باز، مدير المعهد الآسيوي الأفريقي التابع للهستدروت، أن هناك 3 رؤساء حكومة و40 وزيراً و150 من أعضاء البرلمانات و100 محاضر في الجامعات و400 من مدراء التعاونيات و350 من رؤساء النقابات العمالية و37 من أمناء الاتحادات النقابية في القارة السوداء ممّن درسوا في إسرائيل وأصبحوا من أكثر المؤيدين لها.

ثانياً- نجاح إسرائيل في اختراق القارة السوداء اقترن بتوقف التحرك والنشاط العربي فيها، والذي بدأ عام 1973 إثر قمة الجزائر التي أقرت برنامج عمل للتعاون العربي–الأفريقي، وقيام الدول العربية البترولية بدعم اقتصاديات الدول الأفريقية التي تأثرت بارتفاع أسعار النفط، إضافة إلى إنشاء صناديق ومصارف اقتصادية وفنية لدعم التعاون بين الجانبين، ولكن الخلافات ظهرت بين الطرفين حول رؤية كل منهما لأبعاد هذا التعاون أدت إلى توقف هذا الحوار عام 1977، منذ أن شعر العرب بأن بعض الدول الأفريقية تنظر إلى الحوار كوسيلة للحصول على مقابل مالي للدعم الذي تقدمه للعرب في صراعهم مع إسرائيل، التي سارعت لاستغلال هذه التطورات لمصلحتها معتمدة على وسائلها التقليدية للتغلغل في أفريقيا أهمها التلويح بالمساعدات الفنية والعسكرية.

ثالثاً- المتغيرات الهيكلية التي شهدها النظام الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وبروز عصر العولمة الأمريكية، وما صاحب ذلك من تغيرات في النظم الإقليمية ومن بينها منطقة الشرق الأوسط، قد جاء بتأثيرات ملموسة على تطور العلاقات الإسرائيلية الأفريقية. فدخول أطراف الصراع العربي الإسرائيلي مسار العملية التفاوضية قد أدى إلى إضفاء المشروعية المطلوبة على الكيان الصهيوني، وتأمين وجوده العضوي، وأثر بشكل مباشر وقوي على مواقف الدول الأفريقية من إسرائيل بحيث سقطت آخر مبررات المقاطعة، ومن ثم فإن إسرائيل سعت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلى تحقيق أهدافها التوسعية باعتبارها قوة إقليمية وذلك على حساب النظام الإقليمي العربي.

رابعاً- الدور الأمريكي الداعم للجهود الإسرائيلية بلا حدود، واتخذ هذا الدعم عدة أشكال بدءاً من تغطية تكاليف التحرك الإسرائيلي من الخزينة الأمريكية ذاتها، وصولاً إلى ممارسة كافة أنواع الضغوط على الدول الأفريقية لاستئناف علاقاتها مع إسرائيل، وربط تقديم المساعدات الاقتصادية بشرط الانفتاح والتجاوب مع المبادرات الإسرائيلية، فضلاً عن الاستخدام الذكي من قبل إسرائيل لنغمة حقوق الإنسان التي أطلقتها الولايات المتحدة، فالأنظمة الديكتاتورية في أفريقيا والتي لم يكن في وسع الأمريكيين دعمها لأسباب يصفونها بأنها أخلاقية، كانت تتولى إسرائيل دعمها بالوكالة وشكل هذا بالنسبة لها فرصة ترسيخ مخالبها في أفريقيا.

حصدت إسرائيل إثر ذلك ثمار نشاطها فعلى الصعيد الاقتصادي تضاعف حجم التبادل التجاري مع الدول الأفريقية عدة مرات، فطبقاً لتقارير وزارة التجارة والصناعة الإسرائيلية وصل حجم الصادرات الإسرائيلية إلى بعض الدول الأفريقية 3.5 مليار دولار في العام 2002، مقابل فقط 59.3 مليون دولار في العام 1983، وهذه الصادرات لا تشمل كل القارة بل تقتصر على بعض الدول منها نيجيريا وكينيا وساحل العاج وأفريقيا الوسطى، أما بالنسبة إلى الواردات الإسرائيلية من بعض الدول الأفريقية فقد بلغت نحو 500 مليون دولار من نفس العام، أما المعطيات الخاصة بالصادرات إلى الدول الأخرى وخاصة زائير وجنوب أفريقيا وتوغو، وكذلك حجم الصفقات العسكرية فإنها لا تظهر في التقارير الإسرائيلية وخاصة الصحفية.

واستحوذت الشركات الإسرائيلية على تعاقدات قيمتها أكثر من 4 مليارات دولار لإقامة المباني الحكومية، ومد شبكات الطرق والجسر وحفر الأنفاق وإنشاء الموانئ، وتوافد في إطار هذا النشاط آلاف الخبراء والمستشارين الصهاينة على الدول الأفريقية، وكان نصيب أفريقيا من صادرات الأسلحة الإسرائيلية كبيراً؛ حيث جاءت في المرتبة الثانية بعد أمريكا اللاتينية. وتصدر إسرائيل إلى القارة السوداء طائرات النقل والتدريب والطائرات المقاتلة، وكذلك الدبابات وأجهزة الاتصال والصواريخ.

وتعد جنوب أفريقيا وزائير وليبيريا ونيجيريا وكينيا من أهم زبائن الكيان الصهيوني في القارة الأفريقية. وقدمت إسرائيل المستشارين العسكريين لمساعدة الجيوش الأفريقية على استخدام تلك الأسلحة، وتقديم المشورة في مجال التدريب والتنظيم، وتمكنت إسرائيل عبر هذه القنوات من التغلغل في جيوش بعض الدول الأفريقية وأجهزة الأمن فيها.

اليوم وبعد أكثر من عشرة سنين على إقناع رئيس جنوب إفريقيا الراحل نلسون مانديلا العالم الغني بإعفاء أفريقيا من ديونها الهائلة، عاودت الديون ارتفاعها في كثير من الدول، ما قد يهدد النمو الاقتصادي من جديد. فقد حذر الاقتصاديون من خطورة الإقدام المتزايد من قبل دول أفريقية للانضمام إلى قائمة الدول المصدرة للسندات الدولارية التي تشوه الاقتصاد. وقد ذكر أحد المحللين أن "السندات أصبحت مثل بورصات الأسهم والطائرات الخاصة والقصور الرئاسية، كل زعيم أفريقي يريد أن يملك واحدة".

إن القارة الأفريقية لم تتخلص بعد من أسوأ مراحل تاريخها المعاصر عبر ما شهدته من صراعات داخلية وانقسامات سياسية، وحروب أهلية، ومشاكل حدودية وأنظمة حكم فاسدة، فمن أصل 40 دولة الأكثر فقراً في العالم هناك 32 دولة في أفريقيا. ويعتبر اقتصاد أفريقيا من أسوأ اقتصاديات العالم، فهي تساهم في إنتاج 3.9 في المائة من دورة الإنتاج العالمي، وما زالت القارة تحمل على كاهلها ديوناً تصل إلى مئات المليارات من الدولارات تستنزف مقدراتها، وحجم هذه الديون ما زال مرتفعاً قياساً بالقيمة الإجمالية للناتج المحلي الوطني.

أن مشكلة الديون الخارجية كانت وستظل أخطر معوقات التنمية والتقدم في أفريقيا، وفي الحقيقة فإن القارة السوداء ما زالت مرهونة تماماً لرأس المال العالمي وللبنوك الكبرى وللشركات عابرة القارات، وشهر العسل بين أفريقيا والصين ليس هناك ما يشير إلى تواصله، وتجربة اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لم ينتج عنها سوى المزيد من الخراب والتدهور الاقنصادي وتراكم الديون والانسحاق تحت مقصلة التضخم المالي الذي يقفز قفزاً متصلاً بلا توقف.

هذا الوضع الذي تعيشه القارة الأفريقية استثمرته إسرائيل إلى أقصى درجة ممكنة في عودتها إلى القارة بأوجه متعددة، وستظل إسرائيل تعمل بلا شك على إنشاء مرتكزات يصعب استئصالها بقرار سياسي أو موقف آني، وستحاول إسرائيل تطوير شبكة علاقاتها إلى مستوى التحالف الاستراتيجي مع بعض الدول الأفريقية.

بعد مرور أكثر من سبع وستين عاماً على قيام دولة الكيان الصهيوني فإن نجمة داود ترفع في العواصم الأفريقية، هذه القارة التي كانت تعتبر إلى وقت قريب منطقة نفوذ عربية بامتياز، تنازلت الأنظمة العربية عن دورها التاريخي فيها فاسحة المجال لإسرائيل لتسرح وتمرح كيفما أرادت مقدمة خبراتها العسكرية والأمنية وغيرها، وقد تكون قد بنت في بعض دولها مثل إثيوبيا وإريتريا قواعد عسكرية سرية، على غرار قواعدها في جمهورية جورجيا في القوقاز، كي تستخدمها إسرائيل متى شاءت وكيفما أرادت كرأس حربة مسمومة تغرسها في خاصرة الدول العربية وخاصة مصر والسودان.

بالتأكيد أن مثل هذه التطورات ليست في مصلحة الدول العربية، بل أنها تنطوي على تهديد للأمن القومي خاصة بعد نجاح إسرائيل في احتواء إريتريا حيث بات لها موطئ قدم على البحر الأحمر، وهذا يفرض على الأمة العربية ضرورة التحرك لمواجهة الغزو الإسرائيلي للقارة الإفريقية بشتى الوسائل، فالدول العربية بحاجة إلى مراجعة واعية وأمينة بكل علاقاتها بالقارة، والواقع أن مواجهة إسرائيل في أفريقيا لا تتطلب استنفاراً في الإمكانيات فحسب وإنما في العقل العربي أيضاً الذي غاب عنه وضع تصور استراتيجي لبناء علاقة مميزة مع أفريقيا بالمعنى الشامل، فالدعم العربي لم يرتبط بمشروعات وبرامج محددة وإنما أخذ شكل إعانات للخزينة، دون أن يترك أثراً اقتصادياً أو سياسياً ثابتاً.

إن أمام العرب فرصة تاريخية لتدارك التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا وتحجيمه، وذلك

من خلال تحرك سياسي ودعم اقتصادي...التحرك السياسي ينطوي على تفعيل دور البعثات الدبلوماسية العربية في الدول الأفريقية، فلم يعد كافياً أن يظل السفراء وأعضاء البعثات داخل القصور والمنتجعات، دون أن يشاركوا في الحياة العامة من خلال التعاطي مع منظمات المجتمع المدني وتوسيع دوائر الحوار معها، ومن خلال المنتديات والمناسبات القومية، بمعنى أن يتحرك العرب إيجابياً لكسب ثقة الأفارقة، وأن يكون للعرب دور في حل النزاعات العرقية والطائفية من خلال وساطات بين القوى المتنازعة، وهذا لن يكون بدون الشق الآخر وهو الدعم والمساندة الاقتصادية، أخذاً في الاعتبار المصالح المشتركة بين العرب الأفارقة والتي تتغذى في جانب كبير منها على وحدة العقيدة خاصة في البلدان التي يمثل المسلمون فيها غالبية السكان .

وكذلك زيادة حجم المعونات والهبات والمنح إلى الدول الأفريقية كمساهمة عربية في إقامة البنية التحتية في هذه الدول، فضلاً عن المساهمة في مكافحة الأمراض المتوطنة وإنشاء المستشفيات والمدارس.

تخصيص مبالغ لإقراض هذه الدول بسعر فائدة مميز ضئيل ويسدد على آجال طويلة. والعمل على إقامة استثمارات مشتركة في مجالات الزراعة والتصنيع وهذا يعمل على تحقيق فائدة للجانبين.

فتح أبواب الجامعات والمعاهد أمام الأفارقة، وهذا التوجه بالذات يخلق ترابطاً عضوياً وثقافياً بين الخريجين والدول التي درسوا وعاشوا فيها.

زيادة حجم التبادل التجاري بين الدول العربية والأفريقية وتعظيم الوجود العربي فيها من خلال إقامة المعارض الدولية والبعثات الترويجية.

لقد قامت إسرائيل بإنشاء "المؤسسة الدولية للتعاون" منذ عدة سنوات، وتتبع مباشرة لوزارة الخارجية الإسرائيلية، وأوكل إليها مهمة الربط بين مؤسسات الدولة وشركات القطاع الخاص الإسرائيلية بهدف إحداث وتعميق اختراقات محكمة للقارة الأفريقية، وعلينا أن نعلم أن الوجود الإسرائيلي في أفريقيا ليس هدفاً إسرائيلياً فقط، بل هو تعبير عن مصالح أمريكية وغربية وإسرائيلية متشابكة تشابكاً عضوياً، واسرائيل تعمل على رسم وتنفيذ هذه المصالح عبر استرتيجية تعتمد بشكل رئيسي على تقديم المساعدات العسكرية لتثبيت أركان حكم معظم القادة الأفارقة، لعلمها الحاجة الملحة لهذا النوع من الخدمات من قبل هؤلاء القادة، خاصة خلال السنوات القليلة المنصرمة، والتي شهدت تحولات كبيرة وعميقة في العالم العربي، وانتشار الأفكار المتشددة لدى قطاعات غير قليلة من الشباب العربي الذي يعتقد بمشروعية ممارسة العنف لتحقيق أهداف عحزت الأجيال السابقة عن تحقيق ولو جزءاً منها لأسباب متعلقة بالظلم والتعسف الذي تمارسة معظم الأنظمة العربية بحق مواطنيها، هذا الخطر بدأت القارة السمراء تتلمس سهولة انتقاله إلى دولها ممّا يشكل خطراً مصيرياً يتربص بها، وهنا يظهر دور إسرائيل باعتبارها الطرف الذي يقدم الخدمات المهمة للقضاء على هذا التهديد.

على العالم العربي تقع مسؤولية مراجعة شاملة ودقيقة لعلاقته مع دول القارة السمراء بما يحقق المصالح الاستراتيجية المشتركة، ويضمن عدم تحول أفريقيا إلى مستوطنة إسرائيلية.

المراجع :

1-فلادمير جابوتنسكى وقارى بلايك، زعماء صهيون

2-تقارير معهد القدس للدراسات الإسرائيلية

3-تقارير البنك الدولي

4- تقارير مركز دراسات الجزيرة

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة