هل تخلّص بشار الأسد من صهره آصف شوكت؟

آصف شوكت ظل يصنع الجدل في مختلف المواقع التي يتردّد فيها اسمه، حتى ما نقل عن مقتله مع الخلية الأمنية.

الأحد، 07-09-2014 الساعة 09:32


بلا شك أن العماد آصف شوكت ظل يصنع الجدل في مختلف المواقع التي يتردّد فيها اسمه، حتى ما نقل عن مقتله مع الخلية الأمنية في 18/ 07/ 2012 لا يزال غامضاً ومثيراً لحدّ الآن. يرجع ذلك إلى علاقة المصاهرة التي تربطه مع عائلة الأسد الحاكمة في سوريا، إلى جانب المناصب الحسّاسة التي يتولاها، فهو رئيس المخابرات العسكرية منذ فبراير/ شباط 2005، ثم نائب رئيس أركان الجيش منذ 2009.

علاقة المصاهرة هذه بدورها عرفت منحنيات مختلفة، حيث تزوّج فعلياً من شقيقة بشار عام 1995، وتشير معلومات متوفرة أن عائلة الأسد رفضت علاقة ابنتهم المدللة مع آصف شوكت التي بدأت منتصف الثمانينات، وكان أبرز من عارض العلاقة باسل الأسد، وهو شقيق بشرى الأكبر، حيث اعتبر أن الرجل يطمع في الجاه والنفوذ بتقرّبه منها.

بعض المتابعين للشأن السوري لا يستبعدون دوراً ما لآصف شوكت في تدبير تصفية نجل الرئيس الذي كان مرشحاً لوراثة الحكم، وذلك عن طريق حادث مرور عام 1994، لأنه وقف غصّة في حلقه ولم يتمكّن في تلك الفترة من بلوغ مراكز صناعة القرار مع آل الأسد التي تسيطر على مقاليد الدولة الحسّاسة وفق هرم أسري وطائفي، ولم يعترف حافظ الأسد بالزواج السرّي لابنته الكبرى والمدلّلة إلا بعد رحيل باسل وضغط الإشاعات.

مع آصف شوكت في حمص

كان أوّل لقاء جمعني بالعماد آصف شوكت مساء يوم الخميس 29 ديسمبر/كانون الأول 2011، وذلك في فندق السفير بوسط مدينة حمص، وقد كان يرافق وزير الداخلية اللواء محمد الشعار. لقد دار الحديث بيننا مرّات متعدّدة كمراقب في إطار بعثة جامعة الدول العربية التي أرسلت إلى سوريا لتنفيذ بروتوكول وقّع بين الجامعة والحكومة بالقاهرة في 19 ديسمبر/كانون الأول 2011.

في اللقاء الأول ببهو الفندق لم أتعرّف على آصف شوكت بداية الأمر، غير أن ملامحه لم تكن غريبة عنّي، وقد تأكدت من شخصه لاحقاً في اليوم نفسه. الرجل لم يتحدّث حينها إلا بكلمات عابرة، أما النقاش فكان قائماً بيني وبين وزير الداخلية عن عمل المراقبين وحيّ بابا عمرو، حيث كان يودّ إقناعنا بأطروحة "القاعدة" و"الإرهاب" التي تنشط في سوريا.

لقاء آخر حدث مساء يوم الجمعة 30 ديسمبر/كانون الأول 2011، وذلك بعد وجبة العشاء بمطعم الفندق، وقد نجحنا ذلك اليوم في سحب حاجز عسكري كان متمركزاً في المؤسسة الاستهلاكية بحيّ بابا عمرو، بالرغم من أنه خارج إطار مهمتنا المتمثلة أساساً في مراقبة التزام الحكومة بوقف إطلاق النار، وسحب الآليات العسكرية، وإطلاق سراح المعتقلين، والسماح لوسائل الإعلام بالتحرك الحرّ عبر كامل التراب السوري. قضية الوساطة والمعونات الإنسانية كنا نقوم بها بأمر من الجنرال مصطفى الدابي، رئيس بعثة المراقبين، وخارج إطار المهمة المنوطة بنا، وكنت برفقة مراقبين آخرين نرى ذلك ورطة يريد النظام السوري الزجّ بنا فيها، وفي حال حدوث أي تجاوز أو مكروه سنتحمّل مسؤوليته، وسنتّهم بخرق بنود البروتوكول، الذي تمّ تحريره في قاعات مكيّفة ولم يراع أصلاً البعد الإنساني والأمني الموجود على أرض الواقع، مما جعله مجرّد بروتوكول ميّت لا يمكن تطبيقه حسب ما لمسناه ميدانياً.

نقل لنا وزير الداخلية محمد الشعار في ذلك المساء شكر الحكومة على ما قمنا به من عمل لما سمّاه تحرير الحاجز من قبضة "الجماعات المسلحة"، وإن كنّا نراه غير ذلك؛ فهو بالفعل لا يمكنه الانسحاب إلا بمواجهة مع عناصر الجيش الحر المتمركزين في بابا عمرو وكلهم من العسكريين المنشقّين، مما سيسقط ضحايا من الطرفين. إلا أن بقاءه في وسط الحيّ ومع المظاهر المسلحة التي بحوزته وظاهرة للعيان سيسبب إحراجاً للحكومة حين يتناقل الناشطون تلك الصور وبوجود البعثة الدولية.

المسارعة بذلك العمل سيستفيد منها أهالي بابا عمرو لأنهم كانوا محاصرين بسبب قناصة الحاجز الذي بحوزته دبابة وعربات نقل جنود وأسلحة مختلفة، فضلاً عن أن انسحابهم يدخل في إطار بند سحب الآليات والمظاهر العسكرية من المدن. طبعاً تسهيل سحب الحاجز كان مقابل الإفراج عن سيدتين تمّ اعتقالهما من قبل الأمن السياسي بتهم تتعلق بالأحداث الجارية في البلاد، وذلك بطلب من أهالي حيّ بابا عمرو الشهير شفقة على أولادهما الصغار.

أذكر في هذا السياق أنني سألت وزير الداخلية محمد الشعار عن العسكريين في المؤسسة الاستهلاكية: "كيف لم يتمّ سحبهم من قبل؟"، أجابني: "لا يمكن سحبهم فهم يحرسون مؤسسة ستتعرّض للتخريب لو تركوها".

قلت له: "ولماذا تم سحبهم الآن ألا يهمّكم أمر المؤسسة الغذائية؟".

أجاب: "نحن نلتزم بالبروتوكول ويجب سحب كل الآليات العسكرية، وبأنفسكم سترون كيف يخرّبون مؤسسات الدولة عندما يتركها الجيش".

أما العماد آصف شوكت فعلّق على ذلك بقوله: "سحبناهم حتى نثبت التزامنا، كما أنهم هناك دائماً يصوّرون عربات نقل الجنود ويبثّونها عبر القنوات المغرضة على أساس أنها دبابات تريد مهاجمة المواطنين".

فقلت له: "وجدنا دبابة معطلة يعني أنها كانت تقوم بعملها".

فرد: "هذا صحيح ولكن لم تفعل ما يروّجونه من كذب وافتراءات، وقد أمرنا بإخفائها تفادياً للصور التي تنقلها الفضائيات".

ليضيف الوزير: "الدولة يجب أن تفرض على الجميع منطق القانون ويجب أن تحمي مؤسساتها".

تأسّفت لجثث عسكريين أعدموا في ظروف غامضة، والتي بدأت في التعفّن وهي ملقاة في غرفة بالمؤسسة الغذائية وبظروف سيئة وغير لائقة، وأيضاً يوجد جرحى بينهم من هم في حاجة لعلاج سريع، وقد وقفنا على ذلك برفقة الجنرال الدابي أثناء زيارتنا الأولى لبابا عمرو في 27 ديسمبر/كانون الأول 2011. وقد حمد الله الوزير الشعار وأيضاً العماد شوكت على ذلك.

أما عن عجزهم في سحب الحاجز فبرّر ذلك العماد آصف شوكت بأن المشكلة ليست في سحبه الذي لا يكلّفهم شيئاً، وإنما في شيء آخر، حيث قال بالحرف الواحد:

"نعرف أنه توجد جماعات مسلحة إرهابية يهرب لها السلاح من لبنان، تسيطر على بابا عمرو ونحن نحسب للمؤامرة التي تحاك ضد سوريا، لدينا كل الإمكانيات للتدخل والقضاء على مسلحين يتحصّنون بين السكان، أو لسحب الحاجز أو تأمينه بالدعم اللوجستي، لكن نخاف من شيء خطير ومهم؟"، ليؤكد: "بإمكاننا نسف ومسح حي بابا عمرو في 15 دقيقة…".

كنت أتوقع أن الشيء الذي يقصده يتعلق بالمدنيين، إلا أنه فاجأني بردّه:

"أنتم رأيتم مسلّحين كما يقومون بتصويركم، لديهم أجهزة متطورة تبثّ مباشرة مع قناتي الجزيرة والعربية، ولو تدخّل الجيش في إطار مهامه القانونية أو حتى لتأمين الأغذية للجيش الموجود هناك لبثّت الصور مباشرة وقالوا إن الحكومة تبيد الشعب".

فسألته متعجباً: "المدنيون من أطفال ونساء وشيوخ وعجزة لا يهمّ أمرهم؟".

فقال بتعجرف لا نظير له: "هم رفضوا كل النداءات التي وجهت لهم، بل يقومون بإيواء المسلحين والإرهابيين وحمايتهم".

هكذا حمّلهم مسؤولية ما قد يتعرّضون له من إبادة، وكنت سمعت من قبل أن النداءات التي يعنيها العماد آصف شوكت تتعلّق بتسليم المسلحين والقبض عليهم أو مقاومتهم من قبل المواطنين، فقلت له: "والله سيادة العماد لا يمكن أن نحمّل مدنياً مسؤولية عسكري مسلّح ولو دخل معه للبيت".

فقال: "ليست لديكم المعلومات الكافية فهم يحمونهم ويدافعون عنهم ويتظاهرون معهم وأشياء كثيرة لا يمكن التحدّث عنها".

آصف شوكت وتجربة الجزائر

كان كل مسؤول نتحدّث معه في سوريا يضرب الأمثلة بالبلاد التي ينحدر منها المراقب الذي يكون أمامهم، وفي الحوارات التي جمعتني سواء مع وزير الداخلية الشعار أو العماد شوكت أو محافظ حمص اللواء غسان عبد العال، أو حتى ضباط المخابرات الذين كانوا يرافقوننا، دوماً يحاولون تشبيه وضع سوريا بما حدث في الجزائر خلال التسعينات.

ولهذا قال آصف شوكت معلّقاً على ما يجري حينها في بابا عمرو:

"أنتم في الجزائر عشتم مثل هذه المرحلة واضطر الجيش الجزائري إلى التدخل في حالات تشبه حيّ بابا عمرو وسقط ضحايا كثيرون في بن طلحة وأماكن أخرى".

فقلت له: "أنا ضابط سابق وأعرف ما تحدّثت عنه سيادة العماد، أما بالنسبة لحيّ بن طلحة فيختلف عن بابا عمرو، والجيش الجزائري اتّهم بالتواطؤ لأنه لم يتدخّل".

فرد: "ليس كذلك هناك مناطق تدخّل فيها الجيش وقتل المدنيين لأجل القبض على الجماعات الإرهابية، وبن طلحة مجرّد مثال ولو كان صحيحاً ما ترويه فأنا سمعت من مسؤولين أمنيين جزائريين يؤكّدون لي أن الجيش تدخّل في مناطق وقتل الكثيرين من المدنيين والإرهابيين".

قلت: "أعطني مثالاً واحداً يشبه بابا عمرو في الجزائر".

ردّ شوكت: "لا تحضرني الأسماء الآن لكن أؤكّد أنني سمعت من مسؤولين كبار أمثلة تشبه كثيراً وضع بابا عمرو".

وفي نهاية الحديث، قال: "… الجماعات الإرهابية واحدة وعقيدتها واحدة ومنهجها واحد، والدولة يجب أن تحافظ على هيبتها مهما كان الثمن".

تجدّدت عدة لقاءات أخرى مع العماد آصف شوكت ودار الحديث بيننا في أمور كثيرة ومختلفة نشرت تفاصيلها في كتابي "ثورة أمة" الصادر عن العبيكان في المملكة العربية السعودية، وقد طلبت منه ومن وزير الداخلية الإفراج عن المخرجة السينمائية ريم الغزي التي اعتقلت بسبب نشاطها على الفيسبوك ودعمها للثورة، بعدما اتصلت بي والدتها هاتفياً وطلبت المساعدة. غير أنه بعد يومين ردّ الجواب وأخبرني بأنها متّهمة ومعتقلة في سجن النساء بدمشق وسوف تتمّ محاكمتها، ثم كتب لي ورقة بخطّ يده، فيها التّهم التي تلاحق بها ريم، من بينها إنشاء جمعية بقصد تغيير كيان الدولة والنيل من هيبتها وإذاعة أنباء كاذبة والتحريض على التظاهر. وأن توقيفها تمّ بموجب مذكرة تحمل رقم 1752/2011.

هكذا هي حماية صهر بشار الأسد

الإجراءات الأمنية مشدّدة على الفندق، إلى جانب الحراسة الشخصية التي ترافق آصف شوكت كظله، أما الطعام فهو خاص جداً وتحت إشراف طبي مباشر في المطبخ وعلى طاولة العماد شوكت. وقبل دخوله برفقة الشعار إلى المطعم تقوم أربع دوريات متتالية بالتفتيش وبأجهزة متطورة لكشف المتفجرات، وكل دورية تتكوّن على الأقل من أربعة ضباط مخابرات يجري تغييرهم يومياً، ولهذا لا يمكن اختراق محيطه إلا بتجنيد عدة ضباط في وقت لا يتجاوز اليوم الواحد، وهذا من الصعب جدّاً إن لم يكن من المستحيل استخباراتياً.

الطابق الخامس من فندق السفير الذي يوجد به الجناح الخاص لا يقيم فيه أحد سواه برفقة وزير الداخلية، والحراسة تتكوّن من أكثر من ثلاثين عنصراً يتمركزون في كل الطوابق، حتى خادمات الغرف يأتون بهن من دمشق مباشرة ويومياً.

بالنسبة للحراسة الشخصية الملتصقة به مباشرة فهي تتكوّن من أشخاص سمعتهم عدة مرات يتحدّثون فيما بينهم باللغة الفارسية وملامحهم ليست من ملامح السوريين، بل هي لملامح الإيرانيين أقرب، وهذا ما أكّده لي مراقب عراقي يدعى حسن الموسوي.

آصف شوكت تغيّرت ملامحه عن الصورة التي يتم تداولها في الإنترنت، حيث غزاه الشيب ويبدو نحيفاً بعض الشيء، وغالباً ما يلبس سروال "جينز" و"جاكيت" جلدية، ولا تراه بالبذلة وربطة العنق إلا نادراً، وقد أقام معنا بفندق السفير كل المدة التي قضيتها هناك من 29 ديسمبر/كانون الأول 2011 إلى أن غادرت حمص يوم الاثنين 09 يناير/كانون الثاني 2012.

لقد كان آصف شوكت صاحب القرار الأول والأخير، وأوحت لي الأيام التي قضيتها معه والأحاديث التي جمعتنا أن الرجل يريد أن ينهي الأحداث، التي يراها مجرّد أعمال إرهابية، وفق مقاربة موجودة في ذهنه وحده، بل يعمل على النجاح فيها بعيداً عن تأثيرات أي طرف.

لغز اغتيال آصف شوكت !

إن مقتل آصف شوكت سيبقى لغزاً حقيقياً في عقر دار نظام الأسد، فمن خلال ما رأيت من المستحيل أن يكون الاختراق الأمني قد حدث إلا بتسهيل من حراسته الشخصية المباشرة غير السورية، وهذا يعني أن أمر تصفيته جاء من إيران بالاتفاق مع بشار الأسد، ودون ذلك من المستحيل حدوثها.

الرواية التي يتمّ تداولها عن اغتيال الخلية الأمنية لا يمكن هضمهما مطلقاً، فقد شاهدت بنفسي الإجراءات الأمنية المشدّدة المحيطة بآصف شوكت في نهاية 2011 ومطلع 2012، فكيف حالها بعد تطورات عرفتها الثورة من حيث السلاح والمواجهة العسكرية مع قوات النظام؟

أوحت اللقاءات التي جمعتني مع العماد آصف أن الرجل يريد أن يستأثر بقرار مواجهة الثورة السورية المتصاعدة وفق رؤية خاصة به لم يكشف عن فحواها. كما أوحت الأحاديث أنه لا يعود لأيّ أحد في المبادرات التي يتّخذها، حتى وزير الداخلية محمد الشعار الذي كان معه في فندق السفير بحمص، هو مجرد ظل يتبعه ولا يملك من الأمر شيئاً. فقد ظهر لي بما يشبه اليقين أن آصف شوكت يريد أن يستغلّ ما يحدث لصالحه، حتى اللقاءات التي كانت تجمعه مع بعض "أعيان" حمص، يظهر فيها بأنه السيّد الذي بين يديه اتخاذ أيّ قرار يتفق فيه معهم.

تصفية آصف شوكت والخلية الأمنية ليست كما روت بعض أطراف المعارضة من أنها نجحت في الوصول إلى قاعة الاجتماع، وليست كما سرّبت عبر وسائل إعلام مقربة من نظام بشار الأسد. فالرجل ليس بالسهل اختراق محيطه الأمني كما شاهدت بنفسي، ولا هو لقمة سائغة إلى هذه الدرجة، ولذلك ستبقى القصة من الألغاز التي هي في جعبة جهاز مخابرات بشار الأسد. والأمر الآخر أن الرجل كان في مواجهة عاصفة من الانتقادات واسمه وارد في الكثير من الملفات، لذلك غيابه سيخدم أطرافاً كثيرة في النظام وغيره، خصوصاً مع ما عرفه مسار الثورة من محطات كلها يرتبط بعضها ببعض ولا يمكن فهم المحطة الموالية إلا بتفكيك المحطة التي سبقتها، وهذا ما ينطبق على الخلية الأمنية التي تمّت تصفيتها وسقطت فيها ورقة آصف شوكت الذي كان يريد مساراً آخر للثورة السورية وهو بلا شك شوكة في عنق أطراف رأت من مصلحتها إخراجه من المشهد على تلك الطريقة.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة