هل تدعم إيران دولة كردية في سوريا

بالرغم من التفاهمات على ضبط العلاقات البينية بين إيران وتركيا إلا أنهما اليوم أمام تحدّ جديد في سوريا.

الخميس، 02-07-2015 الساعة 10:48


ترتبط إيران مع تركيا بعلاقات وثيقة، ليس في المجالات الاقتصادية فقط، على أهميتها في ظل عقوبات وحصار دولي وصعوبات بالغة قد تؤجل الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب إلى أمد غير معروف، وكذلك حاجة إيران إلى سوق لتصدير النفط والغاز إلى تركيا، ولكن وبلا شك فإنها ترتبط مع تركيا في مصالح سياسية عديدة، من أهمها عدم تشكيل أي دولة تهديداً سياسياً أو أمنياً للدولة الأخرى، فإيران حريصة على استرضاء الصداقة التركية وعدم الدخول معها في خلافات مهما كانت أسبابها، ولعل موقف كلتا الدولتين من الصراع في سوريا ووقوف كل واحدة منهما على طرف نقيض من الموقف الآخر يعتبر دليلاً مُهمّاً على أن المصالح التي تربط إيران بتركيا أكبر من أن تهزها المشاكل البينية مهما كانت، ولكن بشرط أن تكون خارج حدود كلتا الدولتين، ولا تؤثر على الأمن القومي لكلتا الدولتين؛ إيران وتركيا.

فقبل زيارة الرئيس التركي أردوغان إلى إيران في الأول من شهر أبريل/ نيسان الماضي تلبية لدعوة رسمية من الرئيس الإيراني روحاني، وقعت عاصفة الحزم في اليمن بتاريخ 26 مارس/آذار 2015، أي قبل الزيارة بأربعة أيام فقط، ومع ذلك قامت الحكومة التركية ورئيس الجمهورية شخصياً بدعم عاصفة الحزم أولاً، والتعهد بتقديم الدعم المخابراتي واللوجستي ثانياً، وانتقاد السياسة الإيرانية في المنطقة واتهاماتها بالطائفية والمذهبية وضد الاستقرار في المنطقة ثالثاً، وبالرغم من اعتراض عدد من النواب الإيرانيين المتشددين ضد الموقف التركي الناقد للسياسة الإيرانية إلا أن الزيارة بقيت على موعدها، وتم استقبال الرئيس التركي من مرشد إيران خامنئي ورئيس الجمهورية روحاني، وتم توقيع عدد كبير من الاتفاقيات الاقتصادية بين البلدين، وفي ذلك دلالة على أن العلاقات التركية الإيرانية قوية جداً مهما واجهها من تحديات.

وبالرغم من كل هذه التفاهمات على ضبط العلاقات البينية بينهما إلا أنهما اليوم أمام تحدّ جديد في سوريا؛ فتركيا تعلن أنها ستدخل جيشها إلى الأراضي السورية، وهذه مسألة سبق أن رفضتها إيران في بداية عام 2012، بل وجهت تهديداً شديداً للدولة التركية بضرب القواعد العسكرية للناتو على الأراضي التركي إذا شاركت تركيا بأي عملية عسكرية غربية ضد النظام السوري، وهذا التهديد صدر عن المرشد خامنئي نفسه في ذلك الوقت، وكان له أثره في ضبط مستوى التدخل العسكري في الصراع الداخلي في سوريا، واليوم تعلن تركيا على الملأ بأنها تدرس وتحضر للتدخل العسكري في سوريا، فهل سوف تسمح إيران بهذا التدخل العسكري التركي في سوريا؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال دون معرفة الموقف الإيراني من إقامة دولة أو كيان كردي في سوريا، ومعرفة هذا الموقف لا تتم من خلال التصريحات الإيرانية العلنية مثل تصريح السفير الإيراني في تركيا "علي رضا بيكدالي" الذي قال فيه: "إنّ على تركيا وإيران التعاون والتنسيق فيما بينهما من أجل منع إقامة دولة كردية في الشمال السوري"، وأعلن بيكدالي: "أنّ ما يتم من توسع لعناصر تنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بدعم ومساندة من قوات التحالف الدّولية، في المناطق الشمالية يعتبر مؤامرة ضدّ الدّولة التركية"، دون أن ينسى مطالبة جميع الأطراف وهو يقصد الحكومة التركية: "تكثيف الجهود من أجل إحلال الأمن والاستقرار في سوريا والحفاظ على وحدة أراضيها"، ومعلناً: "أنّ تركيا وإيران متفقتان على مبدأ الحفاظ على وحدة الأراضي السورية".

فهذا الموقف الرسمي قد يتواجه بمصالح إيرانية تتفق مع مشروع كيان كردي شمال سوريا، بدليل أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على صلة وثيقة وتعاون كامل مع بشار الأسد، الذي لا يقدم على مثل هذا التعاون مع الأكراد دون موافقة من إيران، إن لم يكن رجال إيران في سوريا هم الذين يقومون بدعم هذا التوجه الكردي لإقامة هذا الكيان الكردي، فمصالح إيران ستكون مع إقامة كيان كردي في سوريا من الناحية السياسية، وفي هذا الاتجاه ذهب زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي صالح مسلم في زيارة رسمية وعلنية إلى العراق، والتقى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وطلب منه مباشرة دعم إقامة كيان كردي في سوريا ووضع أسس علاقات سياسية وأمنية على الحدود العراقية السورية، متعهداً للحكومة العراقية بفتح هذه الحدود إلى مواصلة الدعم إلى حليفهم في سوريا بشار الأسد، وهذا العرض من مسلم ليس موجهاً إلى العبادي والعراق فقط، وإنما هي رسالة موجهة إلى إيران أيضاً، لأن حيدر العبادي لن يوافق على هذا العرض الكردي إلا بموافقة إيران أيضاً، أي إن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي يسعى لإقناع إيران بأهمية هذا الكيان الكردي في خدمة المصالح الإيرانية، وربما كان صالح مسلم ينوي أن يعرض هذه الخدعة على الحكومة التركية بعد زيارته للعراق، ولكن تركيا رفضت استقباله في الأسبوع الماضي، لأنه يسوق لمشروع تم الاتفاق فيه بين أمريكا وحزب الاتحاد الديمقراطي، بعد أن تم توثيق الاتصالات بينهما بحجة تحرير عين العرب (كوباني) والقرى الكردية من تنظيم الدولة الإسلامية داعش.

فالسياسة الإيرانية من الممكن أن تدعم إقامة كيان كردي صديق لها في حال سارت سوريا إلى التقسيم، سواء جاء التقسيم بمشروع دولي تتبناه أمريكا والتحالف الدولي، أو بفعل الانهيار الفعلي لنظام الأسد عسكرياً أمام جيوش الثورة السورية، وهذا المشروع التقسيمي لسوريا سوف يخدم الخطة الإيرانية الأخيرة في سوريا في حال عدم قدرتها على الإبقاء على بشار الأسد رئيساً للنظام السوري من الناحية الدولية، فإذا كانت مساعي أمريكا من خلال دعمها لكيان كردي في سوريا سيؤدي إلى تقسيم سوريا فإن الموقف الإيراني سوف يبحث عن مصالح له في هذا التقسيم، ومنها أن يكون هذا الكيان الكردي صديقاً لها ومتحالفاً مع الكيان العلوي الطائفي على الساحل الغربي لسوريا المحاذي للحدود اللبنانية، وأن يكون هذا الكيان الكردي صديقاً للدولة العراقية وصديقاً لمحور إيران في لبنان والمنطقة، للحفاظ على الهلال الشيعي متواصلاً جغرافياً وسياسياً، بالرغم مما يحمله هذا الكيان من تحديات للأطماع الكردية في إيران نفسها.

ومما يؤكد هذا التوجه أن صالح مسلم، زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي، وقواته العسكرية وحدات حماية الشعب، لم يذهب إلى زيارة إقليم كردستان العراق وذهب إلى الحكومة العراقية والعاصمة بغداد، لتقديره بأن مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان له مصالح كثيرة مع الدولة التركية وعلاقات قوية معها، وبالتالي فلا يرجح أن يأتيه الدعم من إخوانه الأكراد في العراق، بل يخشى أن يكون إقليم كردستان العراق من أوائل الرافضين لدولة كردية في شمال سوريا، بدليل أن إقليم كردستان العراق يفضل علاقات الصداقة مع تركيا أكثر من توثيقها مع إيران، وهذا ما جعل صالح مسلم يطرق الباب الإيراني ويبتعد عن الباب الكردي العراقي، أي إن تركيا أمام تحد جديد في العلاقات الإيرانية التركية، تحمل رسالة السفير الإيراني في تركيا أولى بوادر الطمأنة للحكومة التركية، ولكن الواقع هو من يصدق ذلك أو يكذبه.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة