هل تفرض الأزمة السورية المصالحة بين روسيا وتركيا؟

خروج روسيا من مآزقها يستوجب منها أن تلتفت إلى السياسة التركية التي كانت أكثر اتزاناً من غيرها إقليمياً.

السبت، 18-06-2016 الساعة 19:11


من الواضح تزايد الهوة بين الرؤيتين الأمريكية والروسية في حل الأزمة السورية، وكذلك تزايد الهوة بين الرؤيتين الأمريكية والتركية أيضاً، فأمريكا تركز ثقلها السياسي والعسكري على تقوية نفوذ مليشيات الأحزاب الكردية شمال سوريا لدرجة تؤثر على الأمن القومي التركي، وفي نفس الوقت تخرج أصوات خمسين مسؤولاً بوزارة الخارجية الأمريكية تطالب الرئيس الأمريكي بشن ضربات جوية لإسقاط حكم بشار الأسد، وهو الأمر الذي عارضته موسكو بشدة، معتبرة أن إسقاط الأسد بالقوة سوف يدخل سوريا والمنطقة بالفوضى الكاملة، وعندما ادعى الرئيس الروسي بوتين بموافقته على أن تشارك جهات من المعارضة السورية في حكومة يرأسها الأسد، سارعت أمريكا بنفي هذا الادعاء الروسي الصادر عن الرئيس الروسي شخصياً، ونفت أن تكون اتفقت مع روسيا على ذلك.

كل ذلك يشير إلى اضطراب الموقف الدولي في سوريا أولاً، ويشير إلى اضطراب الموقف الإقليمي ثانياً، بل إن الأخبار التي نشرت يوم 17/6/2016 تشير إلى اضطراب داخل محور إيران الطائفي نفسه، فالأخبار تتحدث عن اشتباكات متواصلة بين قوات الأسد ومليشيات حزب الله اللبناني، وذكرت تلك الأخبار أعداد القتلى وأسماءهم، مما اضطر حزب الله اللبناني إلى إصدار بيان ينفي ذلك، مما يؤكد على تأثير هذه الأخبار على معنوياته وتواجده في سوريا ولبنان أيضاً، ولا يخرج عن هذا السياق ما يقال عن خلاف في وجهات النظر الإيرانية والروسية حول مستقبل الأسد، واستياء الروس من تراجع التواجد الإيراني العالي المستوى في سوريا، واستبدالهم بمتطوعين غير إيرانيين وغير مدربين عسكريا جيداً، في محاولة من القيادة الإيرانية تخفيف خسائرها الكبيرة في سوريا دون جدوى.

هذه الإشكاليات في التحالفات القائمة في سوريا تظهر مدى الأزمة التي وصلت إليها الأطراف المشاركة في الصراع السوري، فكل الدول التي تدخلت في سوريا عسكرياً وقعت في أخطاء كثيرة وكبيرة، وبالأخص الدول التي أرسلت جيوشها أو حرسها الثوري أو مليشياتها المسلحة أو متطوعيها الطائفيين إلى سوريا، فهذه الدول تفاجئت بكذب القراءة التي قدمها بشار الأسد لهم، بأنه يواجه عصابات إرهابية أو مخربين تكفيريين، فوجدوا أنفسهم في مواجهة شعب لا يستسلم أمام المحتلين المعتدين الأجانب، ما ورطهم في حروب ومعارك واشتباكات خاطئة ومدمرة لهم وللشعب السوري معاً، فقد أخطؤوا في رؤيتهم لاحتمالات المعارك التي خاضوها، سواء كانت إيران أو حزب الله اللبناني أو روسيا نفسها، وكذلك أظهرت النهايات المأساوية للثورة السورية خطأ تقديرات المعارضة السورية بأن ثورتهم ستكون شعبية وداخلية ضد استبداد وظلم أسرة الأسد فقط، وظنهم أن ثورتهم يمكن أن تترك على حالها دون تدخل خارجي مدمر، ولكنهم تفاجؤوا بأن كل الأشرار الطائفيين والأيديولوجيين جاؤوا لتخريب سوريا وقتل شعبها.

هذه الاضطرابات تفرض على السياسة الروسية والتركية التقارب مع بعضهما، فالخيار الإيراني الطائفي كان اختياراً خاطئاً لروسيا وبوتين، ومحاولة استئجار بندقية الأحزاب الارهابية ذات القومية التركية أو الكردية بهدف الإساءة للاستقرار الأمني في تركيا هي محاولة فاشلة خاطئة من المخابرات الروسية؛ لأن أمريكا أكثر مكراً في شراء هذه البندقية، إضافة إلى أن هذه الأحزاب الإرهابية تدرك أن أمريكا أقدر من روسيا في سوريا لتحقيق أطماعها فيها، وهذا ما حصل فعلاً، فهذه الأحزاب الإرهابية سواء حزب العمال الكردستاني أو فرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي أو مليشياته العسكرية وحدات حماية الشعب، وبالرغم من كونها فصائل يسارية وشيوعية واشتراكية وليبرالية وعلمانية وإرهابية فإنها لا تتبع عقائدها الأيديولوجية التي تتشارك مع العقائد الروسية، وإنما تتبع مصالحها البراغماتية التي تجدها مع أمريكا، ولذلك سوف تنخرط هذه الأحزاب اليسارية الكردية ضد روسيا في حال اصطدمت السياسة الأمريكية مع الروس في سوريا، أي أن روسيا أخطأت في اعتمادها على الرؤية الإيرانية الطائفية للدفاع عن الأسد، وأخطأت في اعتمادها على الأحزاب اليسارية الكردية في الإساءة إلى الأمن والشعب التركي في الأشهر الماضية، دون أن تحقق نجاحاً ملموساً، بل تورطت في سوريا وأساءت لنفسها وشعبها وجيشها أمام الشعب العربي والعالم الإسلامي كله.

إن خروج روسيا من هذه المآزق يستوجب منها أن تلتفت إلى السياسة التركية التي كانت أكثر اتزاناً من غيرها إقليمياً، وكانت أكثر من غيرها إنسانية بمساعدة الشعب السوري، دون أن يكون لديها أي الحكومة التركية أطماع خاصة في سوريا، فهي تريد لسوريا الأمن والاستقرار والازدهار، ولم تكن مسألة تغيير نظام الحكم في سوريا يشغل الحكومة التركية عندما عقدت الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية والسياسية والسياحية مع حكومة بشار الأسد عام 2009، ولكن تحول هذا الرئيس إلى قاتل للشعب السوري الذي خرج بنفسه مطالباً بحقوقه هو الذي غير موقف الحكومة التركية منه، وهو ما كان ينبغي أن يغير موقف الحكومة الروسية منه أيضاً، فالمراهنة على الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية والقاتلة لشعوبها هي مراهنة خاسرة مهما طالت، وبعد خمس سنوات فإن الحكومة الروسية أمام نتائج واضحة من صحة هذه القاعدة، فبشار الأسد رئيس قاتل لشعبه، ولن يستطيع حكم سوريا مرة أخرى إطلاقاً، وإذا كانت روسيا راهنت على سرعة الحسم العسكري بنفسها فقد ثبت لها خطأ ذلك، أي ان سياسة روسيا اتجاه سوريا هي سياسة خاطئة، وقد أدت بها إلى التورط بقتل الشعب السوري من أجل رئيس قاتل، ومن أجل رؤية إيرانية طائفية حاقدة، مما يتطلب من السياسة الروسية الخروج من هذه السياسة الخاطئة، وها هو الأسد يعترض على السياسة الروسية التي تسعى للحل السياسي في سوريا، لأن الأسد يريد من القوات الروسية أن تخدم تسلطه ودكتاتوريته واستبداده فقط، وهذا ليس في مصلحة السياسة الروسية إطلاقاً.

إن السياسة الروسية مطالبة أن تتحول إلى التعاون مع الشعب السوري ومن يمثله من قوى سياسية وفصائل معارضة سياسية وعسكرية، وهذا فضلاً عن أنه يصحح مسار السياسة الروسية في سوريا والمنطقة، فإنه كفيل أن يحسن العلاقات الروسية التركية، فتركيا لا تهدف إلى تخريب هذه العلاقة، بل على العكس تماماً، وروسيا تدرك مدى خسارتها من تدهور العلاقات الروسية التركية، بل إن حادثة إسقاط الطائرة الروسية لانتهاكها الأجواء بتاريخ 24/11/2015 هو نتيجة أخطاء السياسة الروسية اتجاه سوريا أيضاً، وتعديل سياسة روسيا في سوريا سوف يطوي حادثة إسقاط الطائرة، ويعيد العلاقات التركية الروسية إلى سابق عهدها.

إن التهاني الأخيرة التي تقدم بها الرئيس التركي أردوغان ورئيس وزرائه يلدرم إلى نظرائهم الروس بالعيد الوطني لروسيا الاتحادية قبل أيام، هي دليل رغبة في إصلاح ما فسد في الأشهر الماضية، وقد سبق ذلك تصريح لنائب رئيس الوزراء التركي، نعمان كورتولموش، يؤكد أن هناك مفاوضات بين الأتراك والروس لطوي صفحة الخلاف بينهما، فقال كورتولموش:" إنّ الخلاف التركي الروسي الناجم عن حادثة إسقاط المقاتلة الروسية التي انتهكت الأجواء التركية، لن يدوم طويلاً وإنّ العلاقات ستعود إلى سابق عهدها خلال فترة قصيرة"، هذا التقارب التركي الروسي ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار نتائج ما وصلت إليه الأزمة السورية من اقتتال دائم دون نتائج، وأن ذلك دليل على أن السياسة الأمريكية تسعى إلى إدامة الصراع العسكري في سوريا وإدارته إلى أمد غير معروف، وهذا ما يتعارض مع السياسة التركية والروسية معاً، وبالأخص بعد أن تورطت روسيا بالأعمال العسكرية المباشرة، أما تركيا فقد بقيت بعيدة عن التورط العسكري بجيشها في سوريا لأنها تدرك أن أمريكا ستكون سعيدة بتورط تركيا في حرب سوريا ضد إيران وروسيا، ولذلك حافظت الحكومة التركية على توازنها بالرغم مما لحقها من أضرار أو استفزازات من المليشيات الإرهابية التابعة التي تتلقى أوامرها من إيران أو روسيا أو إسرائيل، ولذلك فإن اتزان الحكومة التركية دليل على أنها حريصة على إنهاء الصراع في سوريا بما ينفع الشعب السوري، ويحقق مصالح الدول الإقليمية بما فيها روسيا نفسها.

إن الأزمات التي أحدثتها الأزمة السورية بين دول المنطقة يمكن أن تعتبر بذاتها مؤشراً على ضرورة تغيير السياسات السابقة، وبالأخص السياسات التي تدعم القتل والإرهاب الذي يباشره بشار الأسد وحلفه الطائفي، وهو ما لا تخفيه الحكومة التركية فقد اعترف كورتولموش:"بأنّ أصل الخلاف التركي الروسي، ليس في مجرد حادثة إسقاط المقاتلة التي انتهكت الأجواء التركية، إنما الخلاف الحقيقي يكمن في اختلاف وجهات النظر حول القضية السورية، التي باتت تشغل الرأي العام العالمي"، ومن أخطاء روسيا أنها جاءت لحسم أزمة دام عمرها خمس سنوات، وهي تظن قدرتها على حلها خلال أسابيع أو أشهر قليلة، فروسيا مطالبة أن تعيد سياستها في سوريا وفي المنطقة بما لا يجعلها ضحية المخططات الإيرانية والأمريكية، وبالأخص المخططات التي تشي بها إيران لروسيا لتوريطها أكثر بدماء الشعب السوري.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة