هل تنطفئ نار سيناء بعد اشتعالها؟

شبه جزيرة سيناء التي تعاني من التهميش الكبير كانت ولا تزال خارجة عن سلطة الدولة.

الأربعاء، 23-09-2015 الساعة 17:27

الحملة العسكرية تلو الحملة وما يزال الجيش المصري يعلن يومياً عن قتله لعشرات "الإرهابيين"، واعتقاله لمثلهم من "التكفيريين"، وهدم مئات الأوكار والمخابئ التي يستعملها المسلحون.

 

فمنذ عملية نسر التي انطلقت في 12 من أغسطس/آب من العام 2011، وعملية " تطهير سيناء" في 8 أغسطس/آب 2012، وصولاً إلى الحملة العسكرية الجديدة التي حملت اسم "حق الشهيد" في 7 من الشهر الحالي، والقيادة العامة للقوات المسلحة تصدر البيان تلو البيان معلنة عن قتلها وجرحها واعتقالها العشرات ممّن أسمتهم بالعناصر التكفيرية والإرهابية والإجرامية، واقتحام بؤرهم وتدمير أوكارهم،

لكن بعد كل هذه البيانات والحملات والاعتقالات والاغتيالات في إطار القانون وخارجه ما تزال منطقة سيناء تشهد عمليات كر وفر بين الجيش المصري ومقاتلي "ولاية سيناء" الذين يصدرون بيانات وصوراً شبه يومية توثق معاركهم مع القوات المصرية.

 

لم تكن هذه المنطقة المصرية المنعزلة عن الدولة والمتفردة بتضاريسها الصعبة، وديمغرافيتها السكانية وبنيتها العشائرية وصحاريها الشاسعة، وحدودها الساخنة وبمسلحيها الذين يعتمدون على أساليب الكر والفر والتنقل الدائم، في مساحة سيناء الشاسعة، ذات المناطق الرملية الوعرة، سهل للقوات النظامية التحرك فيها لملاحقة مقاتلي ولاية سيناء.

وأكدت تقارير إعلامية وتقارير المنظمات الدولية في السنوات الأخيرة، أن هذه المنطقة التي تعاني من التهميش الكبير كانت ولا تزال خارجة عن سلطة الدولة، بل كل ما في الأمر أن عشائرها والأحكام العرفية فيها هي المسيطرة على دواليب المنطقة.

هناك معادلة لم تفهمها الحكومات العربية مفادها أن الإرهاب والتهميش يولد الإرهاب والتطرف، وهو ما حدث في سيناء عندما أصدرت جماعة أنصار بيت المقدس أول تسجيلاتها المرئية، "وإن عُدتُم عُدْنا"، في 24 يوليو/تموز 2012، معلنين عن هويتهم وتوجههم الفكري ومسؤوليتهم عن عمليات تفجير أنبوب الغاز واتخاذهم من منطقة سيناء منطلقاً لعملياتهم ضد الجيش المصري والمصالح الإسرائيلية في تلك المنطقة.

 

ورغم أن الباحثين في الشأن السياسي استبشروا بالاحتجاجات السلمية في بعض البلدان العربية، التي قالوا إنها سحبت البساط من القاعدة لنجاح الاحتجاجات السلمية في إسقاط الحكام، في حين أن الهجمات المسلحة فشلت في إزاحتهم من سدة الحكم، إلا أن انحراف هذه الثورات عن مسارها أدى إلى تنامي ظاهرة العنف المسلح في هذه الدول، التي شهدت انتفاضات شعبية عارمة ما أعاد إلى ذهن البعض فرضية "أن الحق لا يسترد إلا بالقوة".

 

لقد استفاق العالم على مشاهد فض اعتصامي ميداني رابعة العدوية، والنهضة في مصر، وفض اعتصام الأنبار في العراق، ومجازر النظام السوري، وهو ما كان سبباً في إحداث رجة داخل أوساط الشباب والجماعات الجهادية العالمية، التي استغلت الموقف وبدأت بالتجييش الإعلامي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، واستغلال تلك المشاهد للتحريض على قتال المتسببين في ذلك، وهو ما حدث في سيناء.

 

يقول الباحث في الجماعات الجهادية، الدكتور حسن أبو هنية: "تمثل الحالة الجهادية السيناوية الاستثناء الجهادي المصري، حيث تمكنت حركات جهادية محلية إقليمية من التكيّف والصمود والبقاء، فقد قدمت الجغرافيا والديمغرافيا في سيناء بيئة مثالية حاضنة للجهاديين، بحكم طبيعتها الجغرافية الصعبة وتركيبتها السكانية القبلية"

ويضيف: "فضلاً عن سياسات التهميش والإهمال التي مارستها الدولة المصرية على مدى أربعة عقود، ووجود قضية عادلة تتمثل بالمسألة الفلسطينية، الأمر الذي أسفر عن ولادة ولاية سيناء التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية".

 

فقد أصدرت جماعة أنصار بيت المقدس أول تسجيلاتها المرئية، "وإن عُدتُم عُدْنا"، في 24 يوليو/تموز 2012، معلنين عن هويتهم وتوجههم الفكري، ومسؤوليتهم عن عمليات تفجير أنبوب الغاز، واتخاذهم من منطقة سيناء، منطلقاً لعملياتهم ضد الجيش المصري والمصالح الإسرائيلية في تلك المنطقة.

وبعد محاولاتها المتكررة لتفجير أنبوب الغاز المصري الإسرائيلي صعدت جماعة أنصار بيت المقدس، من عملياتها ضد الجيش المصري لتصل إلى حد استعمال السيارات المفخخة وصواريخ الكورنيت المتطورة، ومضادات الطائرات في عملياتها التي خلفت مئات القتلى والجرحى من الأمنيين والعسكريين.

 

وتحمل سلسلة العمليات أيضاً إشارات واضحة إلى أن خطط التنظيم وتحركاته مضت دون أن يجري التبليغ عنها من الأهالي، الذين يعانون منذ أشهر طويلة من مضايقات الجيش لهم، في ظل انتهاكات غير مسبوقة سواء في ما يتعلق بالتصفيات أو الاعتقالات العشوائية فضلاً عن تهجيرهم.

وفي هذا الصدد يقول الخبير العسكري، اللواء عادل سليمان: إن "فكرة القضاء نهائياً على "الإرهاب" والجماعات المسلحة أمر ليس بالسهولة التي يتخيّلها الكثيرون".

وأضاف في حديثه لـ"العربي الجديد، أنّ "المنطقة بأكملها تواجه ظاهرة جديدة وهي تشكيل جماعات شبة عسكرية، عابرة للقارات وتعتمد على تحركات الأسلحة والمقاتلين بين دول المنطقة".

ويلفت سليمان إلى "وجود حاضنة شعبية للتنظيم المسلح في سيناء، وبالتالي لا بد من الأخذ في الاعتبار هذه الجزئية في التعامل مع الموقف".

 

من جهته، يقول خبير أمني، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد": إن "الوضع في سيناء أصبح خطراً للغاية، وهناك تهديد مباشر للأمن القومي". ويؤكد أنه في "حال استمرار سياسات الدولة نفسها، سيتزايد التنظيم المسلح قوة، ولن يقف أحد أمامه".

 

إن المنطقة العربية اليوم تشهد أصعب فتراتها منذ عقود بسبب التهميش والتفقير والتنكيل بشعوبها، والتفويت في مدخراتها وارتمائها في أحضان الدول الغربية، التي كانت الراعي الرسمي لقمع الحكومات لشعوبها عن طريق سكوتها عن جرائمهم وبيعهم للأسلحة المتطورة التي توجه لصدورهم.

فهل كتب علينا كعرب أن نعيش في حروب دامية، وفي خوف مستمر من التصفية والاعتقالات والتعذيب، في حين يعيش أحفاد العم سام أوبناؤه وأبناء عمه وإخوته ورفاقه، في سعادة وهناء وديمقراطية وتعددية وعيشة هنية؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة