هل حان دور العراق بنشر الفكر الصفوي؟

ماذا يكسب شعب العراق من وراء الدفاع عن رجل دين تم سحب الجنسية منه بسبب عمالته لإيران؟ أم أنَّها أوامر مراجعهم بطهران.

السبت، 02-07-2016 الساعة 12:00


حاول النظام الإيراني ومنذ استلامه زمام السلطة، تصدير أفكار ثورته إلى دول الجوار، وقد ركز في ذلك على العراق نظراً لاحتوائه على معظم الأماكن الدينية المقدسة عند الشيعة، ممّا يجعله (في حالة السيطرة عليه) مركز ثقل كبير للنفوذ على تلك الأقلية الدينية في العالم، ويعطي لإيران قوة معنوية وروحية كبيرة بالتأثير على أتباعه، بالإضافة لاعتباره البوابة الشرقية للوطن العربي.

إلا إن النظام العراقي الذي كان بقيادة صدام حسين حينها، وقف حجر عثرة أمام أحلام وطموحات الصفويين الجدد في إيران، ودخلت إيران في حرب مع العراق لثمانِ سنوات، اضطروا بعدها لتجرّع السم (وفق تعبير الخميني حينها) والموافقة على وقف إطلاق النار، لأنهم أيقنوا أخيراً، أن العراق ليس من الدول التي تستطيع إيران تصدير فكرها إليه بالقوة.

ولكن بعد أن احتلت أمريكا العراق، وقد استعانت حينها بنظام الولي الفقيه، وجدت إيران الفرصة مواتية مرة أخرى لتجديد أحلامها وطموحاتها لنشر فكرهم الصفوي، متخذين من مذهب طائفة الاثني عشرية، مطية لهم، للوصول إلى أحلامهم بتحقيق حُلم الدولة الفارسية الكبرى. فقامت بدعم النظام العراقي الجديد، الذي أُسس على دعائم طائفية، وأنشأت فيه المليشيات، لتضمن من خلالها تبعية النظام العراقي الجديد لها وإلى الأبد، في ظل غياب شبه تام للعرب، بل أحياناً ساهم العرب في تحطيم العراق، مستندين لذاكرتهم المريضة التي توحي إليهم بالخطر من عراق حر وقوي بالقرب منهم.

ومن أجل بناء دولة فارس الصفوية الموعودة، قاتلت إيران كل من وقف بوجهها، ولكن بالتأكيد ليس بجنودها، فهي تقاتل بالمليشيات اللبنانية والعراقية والسورية واليمينة، بالإضافة إلى جيش النظام العراقي وجيش النظام السوري وجيش صالح في اليمن، كما فعلت بالضبط بحربها مع العراق في الثمانينيات من القرن الماضي، والتي حصدت مئات الآلاف من الإيرانيين، ولكنهم لم يكونوا من الفرس بل كانوا من التركمان الشيعة في أذربيجان الإيرانية، التي احتلتها سنة 1925، وهو نفس تاريخ احتلال الأهواز العربية.

كل ذلك كان يتم بالسر سابقاً، وتحت أغطية متنوعة، لكن الأمور بدأت شيئاً فشيئاً تظهر للعلن، فليس هناك ما تخافه إيران الآن، بالأخص بعد الضوء الأخضر الأمريكي لجهود إيران، في تمدد نفوذها بالبلدان المجاورة.

إنَّ المشروع المذهبي الإيراني في العراق والممتد باتجاه سوريا ولبنان واليمن، إنما يُنفّذ برعاية أمريكية، ووصل الأمر للحد الذي يتحكم قاسم سليماني بالجيش العراقي فضلاً عن المليشيات التي تتبعه علناً وبكل وقاحة، بل أن إيران نهبت من خيرات العراق بالقدر الذي أنقذها من انهيار اقتصادي محتم جراء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها الدول الغربية. وبالرغم من أنَّ الجميع يعرف أن إيران ليست دولة شيعية كما يتوهم الشيعة العرب، إنما تتخذ التشيع كوسيلة تستطيع من خلالها كسب النفوذ في الدول المجاورة، ومحاولة منها للتحكم بمصائرها، يضل كثير من الشيعة العرب يتوهمون بأن إيران دولة إسلامية شيعية.

وصل الأمر بالعراق أن أصبح يعمل بالوكالة بدلاً من إيران في نشر التشيع وتوسيع النفوذ الإيراني، وبشكل علني في البلدان العربية والإسلامية، ليخفف على إيران مقدار الرفض والعزلة التي تحيطها من الدول المتضررة بسياساتها. فجاءت مبادرة السفارة العراقية في الجزائر بالنيابة عن إيران لنشر التشيع من خلال إصدار أذونات السفر الميسَّرة للمزارات الدينية المقدسة عند الشيعة في العراق. سبّب هذا الأمر، أزمة دبلوماسية بين البلدين؛ نظراً لحساسية الجزائر بتعاملها مع مثل هذه القضايا، وتجنبت إيران إحراجاً سياسياً مع الجزائر فيما لو قامت بهذا الأمر بنفسها.

الأمر الثاني الذي فعلته القيادة العراقية الحالية، هو الاستنكار المبالغ به الذي قامت به الحكومة العراقية ومسؤوليها وقادة مليشياتها، لموضوع إسقاط الجنسية البحرينية عن رجل الدين الشيعي "عيسى قاسم"، بل وصل الأمر لأن يطلق قادة المليشيات العراقية تهديداتهم لمحاربة حكومة البحرين، وفتحوا باب التطوع لذلك. أما موقف السيستاني المرجع الشيعي الأعلى في العراق، الذي لم ينكر إجراءه لمكالمة هاتفية مع عيسى قاسم، فقد فضح بتصرفه هذا النظام العراقي، ولم يعد من مجال للشك في أن النظام العراقي جزء لا يتجزّأ من المنظومة الإيرانية ويدور بفلكها، ويؤكد تبعيته لإيران، بل ويلغي أية آمال لاستعادة هذا البلد بعضاً من استقلاليته.

كما ويؤكد تصرف السيستاني هذا انّه لا تختلف كثيراً عن العبادي والمالكي، بل هو غطاء لهما. ويضيف السيستاني قائلاً: إنه "سيقدم لقضية البحرين ما يستطيع من أجل خدمتها والدفاع عنها"، في إشارة لاستخدام سلطته الدينية في التأثير على الحكومة العراقية وسياستها الخارجية تجاه البحرين بشكل خاص، والخليج العربي بشكل عام. فهل يستفيق الشيعة العرب يوماً ما من الخديعة التي يعيشونها؟

أما زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي توهم فيه الكثير من العراقيين بأن تظاهراته ضد الحكومة الطائفية، نابعة من مواقف وطنية واستقلالية حقيقية، خرج علينا ليحرض أتباعه للخروج بتظاهرة لمساندة المرجع عيسى قاسم، تاركاً مطالبه بالإصلاح وحكومة التكنوقراط التي كان يضحك بها على أتباعه، ليتدخل فيما لا يعنيه ولا يعني الشعب العراقي.

هل مشكلة الشعب العراقي ومعاناته حالياً تتلخص بالدفاع عن رجل دين تم سحب الجنسية منه بسبب عمالته لإيران؟ ماذا يكسب الشعب العراقي من كل هذا؟ أم أنَّ هذه أوامر مراجعهم السياسية في طهران.

إنَّ مضي العراق بهذا المسار الخطير الذي يسير فيه، سيفضي لعزلة حقيقية في محيطه العربي، ولا نستغرب إذا ما أُعلن في يوم ما قريب، عن اتحاد بينه وبين الجارة إيران، لتستكمل إيران توسعها في المحيط العربي، وليكون العراق حاله حال إقليم الأحواز العربي، الذي ضمه نظام الشاه البهلوي فيما سبق. ثم بعد ذلك تتفرغ لدول الخليج وأرض المقدسات في السعودية، حيث هدفهم النهائي لطمس نور الإسلام وإشعال نار المجوسية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة