هل حولوا ليبيا إلى أفغانستان ثانية؟

كعبش: "تحولت الحدود إلى شبه ثكنات عسكرية متحركة بالخصوص في الجانب الجزائري تفرض نظام رقابة شامل لا يتسامح".

الأحد، 21-02-2016 الساعة 16:27


احتفل الليبيون قبل أيام بالذكرى الخامسة لإسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي في جو يسوده الخوف والشك، وانعدام بوصلة الأمل في تحقيق دولة قوية ديمقراطية تحتكم لمعيار القانون وليس للولاءات القبلية وتتحكم فيها أسلحة المليشيات المتعاركة على السلطة في البلد، مثلما حلم به الليبيون بعد تخلصهم من النظام السابق، وإذا بحثنا عمّا يحدث اليوم في ليبيا نجد أن هناك تسابق مجموعات من الدول الباحثة عن موطئ قدم في قلب شمال إفريقيا، وليبيا توفر هذا الأمر نظراً لجغرافيتها الممتدة وقلة سكانها وتنوع ثرواتها الباطنية فهي توفر هذا الطموح الدولي.

الآن بعد خمس سنوات من اندلاع أحداث ثورة 17 فبراير، يتغلغل تنظيم "داعش" الدموي أكثر ويضع يده على أبرز مواقع النفط القريبة من السواحل، وأصبح يهدد ليس فقط ليبيا وإنما دول الجوار على رأسها الجزائر وتونس باعتبارهما الأقرب جغرافياً من المنطقة التي يخوض فيها تنظيم الدولة حروبه على الجميع، وهما الدولتان اللتان أعلنتا ولو بطريقة مختلفة عن رفضهما لأي سيناريو تدخل عسكري بري أجنبي في الجارة الشرقية، وبالنظر للحدود الشاسعة التي تجمعهما بهذا البلد وقد تحولت الحدود إلى شبه ثكنات عسكرية متحركة بالخصوص في الجانب الجزائري، تفرض نظام رقابة شامل لا يتسامح مع أي تغلغل لجماعات إرهابية أو حتى شبكات التهريب الناشطة بقوة والتي تستغل الفجوة الأمنية في ليبيا للقيام بنشاطها في الساحل الإفريقي، الذي يقف بدوره على بركان مشتعل في شمال مالي بعد فشل التدخل العسكري الفرنسي منذ سنة 2012 في القضاء التام وطرد الجماعات الجهادية، ويبدو أن الجزائر منذ بداية انهيار معالم شبه الدولة في ليبيا أبدت علنية تخوفاتها من انهيار النظام الأمني وارتداداته على المنطقة، وإذا لاحظنا جيداً تداعيات الفوضى في الجارة ليبيا سنجد أن رجع الصدى ضرب بقوة كلاً من الجزائر وتونس بالأساس، فعمليات سوسة وباردو في السنتين الفارطتين كانتا بشهادة الأمريكيين مدبرة ومسلحة من ليبيا، الأمر نفسه في حادثة تيقنتورين التي حاولت المساس بشريان اقتصادي في الجزائر متواجد جنوب شرق البلاد، كما أن الفوضى التي دخل فيها إقليم الأزواد في مالي وسيطرة جماعات إرهابية على الإقليم المحاذي لجنوب الجزائر دليل آخر على تغلغل الفوضى في المنطقة بأسرها، مما جعل كيان دولة كالجزائر مهدداً بالنظر إلى الحدود المشتعلة بالأزمات مع كل الجيران غرباً وشرقاً.

ويبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مهتمة جداً بتطورات الوضع المتردي في ليبيا ونشاط "داعش" فيها، هذا ما تفسره الضربة العسكرية الجوية التي نفذها الجيش الأمريكي في صبراتة القريبة من العاصمة طرابلس، وخلفت مقتل أكثر من 40 إرهابي من التنظيم جلهم من التونسيين، التدخل الأمريكي يأتي في سياق عدم تشكيل حكومة وحدة وطنية مثلما نص عليه اتفاق سابق بين الأطراف الليبية والأمم المتحدة، ما يوحي أن الأمريكيين غير متفقين تماماً مع الأوروبيين حول توقيت وكيفية حدوث هذا التدخل العسكري الذي تريده إيطاليا وفرنسا برياً، وبين كل هذه الخلافات يطرح سؤال رئيسي في دول جوار ليبيا عن مستقبل هذا البلد الكبير والغني؟ وهناك من يؤمن بفرضية خلق نموذج أفغانستان في شمال إفريقيا لتعميق الفوضى، وبالتالي مواصلة استنزاف القدرات العسكرية والمادية للجزائر وتونس وبدرجة أقل مصر.

وحقيقة هناك في الجزائر من عبر عن خشيته التامة من تحول الدولة إلى باكستان أمام أفغانستان ليبيا، فالدبلوماسي والوزير السابق عبد العزيز رحابي قال أكثر من مرة: إن "الغرب يدفع بالجزائر للعب دور الكومبارس أو دركي المنطقة لصالح هذه الدول في منطقة الساحل" المعروفة بفشل دولها وتبعيتها المطلقة للفرنسيين، إضافة إلى تحذير عديد من الخبراء والعسكريين المتقاعدين للقيادة العسكرية من إرسال ولو جندياً واحداً إلى هذه البقع التي يبقى الغرب والأنظمة الحاكمة على تحويلها إلى بؤر إرهاب وعنف وإجرام عابر للحدود.

لا يبدو أن الناتو أو الولايات المتحدة لديهما عزيمة في قهر تنظيم "داعش" سواء في ليبيا أو في جهة أخرى من الخريطة، وكل ما تبقى هو استمرارية لمسلسل عنف يستعمل لصنع مخططات استراتيجية عميقة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولم يعد أمام الشعوب إلا التسلح بقيم الديمقراطية والمقاومة الداخلية لحماية الأوطان والدول من التفكك.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة