هل غير أردوغان موقفه من الثورة السورية ؟

بينما الروس يريدون لهذه المرحلة الانتقالية أن تبدأ حالاً لا يبدو الأمريكيون في عجالة من أمرهم.

الأحد، 27-09-2015 الساعة 12:44


لم تحرك معاناة السوريين ومأساتهم الإنسانية على مدار خمسة أعوام لدى المجتمع الدولي أي شعور بالمسؤولية تجاه المدنيين في سورية , لكن تدفق بضع ألوف من اللاجئين السوريين نحو أوربا كان كفيلا بوضع المجتمع الدولي وجها لوجه أمام ضرورة التحرك باتجاه وضع حد للأزمة السورية التي غدت عابرة للحدود ومصدر توريد للمشاكل والأزمات بمختلف أنواعها, من قضايا اللجوء إلى قضايا الإرهاب إلى الاحتقان والتجاذبات السياسية.

فقد رأينا في الأيام الأخيرة بوادر إرهاصات وملامح لتوافق دولي وإقليمي حول ما يسمى بالمرحلة الإنتقالية في سورية، حيث تطورت الأحداث بعكس ما كان متوقعا إذ لم يعترض الأمريكان على تحرك الروس باتجاه سورية وإقامتهم قواعد عسكرية جديدة في الساحل السوري شمال مدينة اللاذقية، بل ارتفعت وتيرة الحديث في الأيام الأخيرة عن تقارب أمريكي روسي وبريطاني فرنسي بخصوص المرحلة الانتقالية في سورية بحيث يكون بشار الأسد جزءا منها , بينما تتولى روسيا الإشراف عليها بموافقة ومباركة أمريكية وأوربية.

لكن هل بدأت هذه المرحلة بالفعل ؟

بينما الروس يريدون لهذه المرحلة الانتقالية أن تبدأ حالا , لا يبدو الأمريكان في عجالة من أمرهم، ربما لأنهم يريدون الاستمتاع بمنظر الروس وهو يغوصون في وحل أشد تعقيدا وضراوة من وحل المستنقع الأفغاني . إذ يدرك الجميع أن الروس لا يملكون نفسا طويلا , وليس لديهم صبر الأمريكان ولا مكرهم، لذلك سيحرصون على قطف الثمار مباشرة دون تأخير , عندها سيتفنن الأمريكان في اللعب بهم وعليهم لتمريغ أنوفهم في التراب.

بعد زيارة نتانياهو لموسكو ولقائه االرئيس الروسي فلادمير بوتين تكون حلقات التوافق الدولي والاقليمي بخصوص المرحلة الانتقالية في سورية قد اكتملت، باستثناء موافقة الشعب السوري الذي دفع الثمن غاليا دما ودمارا وتشريدا , واعتراض كل من تركيا والسعودية اللتان طالما رفعتا الصوت عاليا بضرورة رحيل الأسد أولا كشرط أساسي لأي تسوية للمأساة السورية .

في طريق عودته من موسكو عقب مشاركته مع نظيره الروسي فلادمير بوتين في حفل افتتاح جامع موسكو الكبير عقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لقاء صحفيا في طائرته مع الصحفيين المرافقين له, تناول فيه قضايا الساعة وعلى رأسها القضية السورية . أردوغان صرح بحسب ما نقلته وسائل الإعلام التركية : "ليست لدينا مشكلة مع الداخل السوري ولكن على الأسد والعالم ألا ينسوا أن لدينا حدودا طولها 911 كيلو مترا مع ‫ سورية‬‬‬ ونحن تحت تهديد المنظمات الإرهابية في كل وقت ولصبرنا حدود"، ومضيفا في حديثه للصحافة، "لكن لا أحد يرى مستقبلا للأسد في سوريا. من غير الممكن لهم (السوريين) أن يقبلوا بديكتاتور تسبب بمقتل مئات السوريين"، ومعقبا بالقول: "يوجد في سوريا الآن ‫‏داعش‬‬‬ ومنظمات أخرى والنظام، وما أسميته أنا "عملية انتقالية" قصدت به ما سيتم القيام به للتعامل مع الموقف في سورية والدول التي ستضطلع بذلك".

لكن وسائل إعلام عالمية وإقليمية وخليجية على وجه التحديد نقلت عن أردوغان قوله : "من الممكن أن تتم هذه العملية (الانتقالية) بدون الأسد كما يمكن أن تحصل هذه العملية الإنتقالية معه".

وأن بشار الأسد يمكن أن يشكل جزءا من مرحلة انتقالية في إطار حل الأزمة السورية.

لكن المصادر المقربة من الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية نفت نفيا قاطعا أن يكون هناك أي تغيير في السياسة التركية حيال القضية السورية، مؤكدة على أن تلك السياسة نابعة من مبدأ إنساني يتلخص بالوقوف إلى جانب الشعب السوري في مطالبه العادلة ضد نظام لم يتورع عن قتل شعبه وتدمير بلده من أجل البقاء في السلطة. كما أن الرئيس رجب طيب أردوغان جدد مطالبته برحيل بشار الأسد وقال إنه "لو كان الأسد يحب سورية وشعبها، مقدار ذرة، لكان قد ترك العمل بمنصبه ورحل". وأضاف أردوغان عقب لقائه رئيس مقدونيا جورج إيفانوف في إستانبول أن سياسة تركيا تجاه سورية لم تتغير، وهي نفسها المتّبعة منذ كان رئيسا للوزراء. وتابع أنه يوجد في سورية تنظيم الدولة ومنظمات أخرى، إضافة للنظام. وأوضح أن ما أسماه "عملية انتقالية" قصد به "ما سيتم القيام به للتعامل مع الموقف في سورية، والدول التي ستضطلع بذلك".

الفرق بين الرواية التركية وما نقلته بعض وسائل الإعلام العالمية يمكن تفسيره في إطار حملة الضغوط التي تمارسها قوى عالمية ومحلية هدفها كسر احتكار حزب العدالة والتنمية للسلطة في تركيا لمدة زادت على ثلاثة عشر عاما، حيث حرصت هذه القوى على رسم صورة نمطية تضع أردوغان وحزب العدالة والتنمية في خانة من يدعم داعش ويغذي الإرهاب !.. هذه القوى نفسها التي لا ترى مليشيات الحماية الشعبية منظمة إرهابية رغم ما تقوم به من سياسة ممنهجة لتغيير الطبيعة الديمغرافية وتكريس الانفصال في شمال سورية .. هذه القوى عينها التي تغض الطرف عن الاحتلال الايراني وفظائع حزب الله والمليشيات الشيعية التابعة لايران !.. لكن الأهم من ذلك كله هو إعادة ترتيب وتصنيف القوى الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط من خلال المنظور الجديد الذي يراد ألا يكون فيه مكان لما يسمى بالاسلام السياسي الذي يشكل حزب العدالة والتنمية أنموذجه الناجح ومصدر إلهامه.

ثم لنفترض جدلا أن الرئيس أردوغان عبر عن عدم اعتراضه على بقاء الأسد لفترة محدودة بضمانات دولية مكتوبة من أجل الحيلولة دون انهيار الدولة السورية، ومنع عمليات الانتقام الجماعي، مع اصراره على اعتبار بشار الأسد قاتلا ومجرم حرب تجب محاكمته ومحاسبته على ما اقترفت يداه، فهل يكون أردوغان قد سحب دعمه للشعب السوري وتأييده للثورة السورية ؟

قد تطرأ في المستقبل تغييرات في المواقف السياسية لتركيا لكنها ستبقى في دائرة التكتيك والبراغماتية السياسية، ولن تكون تغييرات جذرية تدير ظهرها لتطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة