هل كان الاستفتاء التركي معركة بين الدين والعلمانية؟

إن الخطأ الأكبر الذي يرتكبه بعض الكتَّاب الغربيين هو أنهم يسقطون الصراع التاريخي بين العلمانية والدين في أوروبا على تركيا، وكأنهما في بيئة واحدة وتاريخ واحد.

الجمعة، 28-04-2017 الساعة 17:20


لقد انتهت عملية التصويت على التعديلات الدستورية في تركيا باستفتاء شعبي يوم 16 نيسان/أبريل الجاري، وفاز المؤيدون بنعم، وردت المحكمة الإدارية التركية طعون حزب الشعب الجمهوري وغيره على نتيجة الاستفتاء وما يدعيه من مخالفات.

لكن ردود الأفعال الغربية المعارضة للتعديلات الدستورية لا تتوقف، وتحاول تفسير التطورات السياسية التي حصلت في تركيا على أنها معارك بين أبناء الشعب التركي الواحد، وكأنها معركة بين الزعماء الأتراك أيضاً، مثل زعمهم بأن عملية الاستفتاء معركة بين نهج أتاتورك ونهج أردوغان، وهذه تفسيرات خاطئة وماكرة لا تقل خطورة عن دعوات بعض الأوروبيين لاغتيال أردوغان كحل لإنهاء هذه المعركة في تركيا بين العلمانيين والمتدينين بزعمهم.

إن الخطأ الأكبر الذي يرتكبه بعض الكتَّاب الغربيين هو أنهم يسقطون الصراع التاريخي بين العلمانية والدين في أوروبا على تركيا، وكأنهما في بيئة واحدة وتاريخ واحد، وهذا خطأ فادح، حيث إن العلمانية الغربية ليست هي نفسها بين أمريكا والدول الأوروبية، والعلمانية الفرنسية غير العلمانية البريطانية، ومن باب أولى أن تكون غيرها في تركيا أيضاً، والأهم من ذلك أن العلمانية الأوروبية ثارت على الدين الكنسي المسيحي، أي على سلطة الكنيسة الزمنية بسبب فشلها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وليس في تركيا ولا في غيرها من الدول العربية والإسلامية دين كنسي ولا سلطة كنسية تستبد برعاياها كما كانت تفعل الكنيسة بالشعوب الأوروبية في القرون الوسطى.

لذلك فإما أن الكتَّاب الغربيين يجهلون الإسلام أو أنهم يتجاهلونه، وكذلك يجهلون المجتمع التركي أو يتجاهلونه أيضاً، ويريدون تفصيل المجتمع والشعب التركي على أهوائهم، ويصرون على اعتبار أن الحركة العلمانية التركية ينبغي أن تكون بالضرورة صراعاً مع الدين الإسلامي، وهذا تحكم غير علمي ولا مصداقية له في تركيا، وإن وجد فيها تطبيقات خاطئة وضيقة ودكتاتورية للعلمانية العسكرية أو اليسارية، ولكنها ليست معياراً للعلمانية التركية.

لقد جاء في مقال الكاتب جورج فريدمان في مجلة "جيوبوليتيك فيوتشرز" بعنوان: "تركيا بين العلمانية والدين" توصيف لما جرى في عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا، قال فيه: "كان الاستفتاء الذي أجري في تركيا، يوم الأحد الماضي، يدور حول توسعة صلاحيات الرئيس، لكنه كان على المستوى الأعمق يدور حول العلاقة بين القطاعات العلمانية والمتدينة في المجتمع".

فهذا التوصيف خاطىء من حيث الواقع التركي أولاً؛ لأن الحزب الذي قاد عملية التصويت على الاستفتاء وهو حزب العدالة والتنمية هو حزب علماني بحكم قانون الأحزاب التركية وبحكم الدستور التركي، ولو كان الأمر بين العلمانيين والمتدينين كما يدعي جورج فريدمان لكفى حزب الشعب الجمهوري نفسه أعباء المشاركة في عملية التصويت أصلاً، ولكان طعنه على نتائج الاستفتاء متذرعاً بأنه نجاح لحزب ديني مخالف للدستور والقانون التركي، ولكن المعارضين للاستفتاء والمعارضين لنتائج الاستفتاء بما فيهم حزب الشعب الجمهوري لا يأخذون بتوصيف فريدمان الغائب عن الواقع التركي، وبدليل أن حزب الحركة القومية وغيره من الأحزاب والشخصيات العلمانية التركية دعمت الاستفتاء، فلم يكن الاستفتاء معركة بين العلمانيين والمتدينين، بل إن حزب السعادة وريث حزب نجم الدين أربكان صوت ضد الاستفتاء، وهو من الأحزاب السياسية التركية المحسوبة على المتدينين.

وكان فيما قاله فريدمان إدانة لما يدعو له أو أنه يحرض عليه، فقال: "عندما أسس مصطفى كمال أتاتورك تركيا الحديثة، كان يسير على نهج الثقافة الأوروبية، بمعنى أن تركيا كانت تحتاج لنظام سياسي علماني. لم تكن صياغة مثل هذا النظام في دولة ذات أغلبية مسلمة أمراً سهلاً، وقد حل أتاتورك هذه المعضلة بوضع الجيش وصياً على دستور الدولة العلمانية، ليحميها من قوة المتدينين"، فهذا التوصيف لما قام به أتاتورك توصيف خاطىء أيضاً؛ لأن أتاتورك أقام نظاماً جمهورياً بديلاً عن نظام الخلافة والسلطنة، ونظام السلطنة والخلافة هي بتعبير سياسي أنظمة علمانية، فلا يوجد فيها كهنوت ولا سلطة روحية، وإنما هي سلطات سياسية دنيوية مدنية، وما أعطي لمنصب الخلافة من مكانة تقدير وتعظيم هي بجهود بشرية وليست بنصوص دينية، وقد تطورت الخلافة في عهودها السابقة بين خلافة أموية أو عباسية أو عثمانية وكلها تختلف عن بعضها البعض؛ لأن الإسلام لم ينص على نظام سياسي معين، ولذلك كان تغيير أتاتورك هو في شكل النظام السياسي الذي يحكم في تركيا، وكان في رأيه ورفاقه أن النظام الجمهوري أكثر تعبيراً عن مبدأ الشورى الإسلامية منه في نظام الخلافة العثماني، وكذلك أكثر تعبيراً عن مفهوم الأمة، بغض النظر إن كان رأياً صحيحاً أو خاطئاً، ولكنه نوع من التعبير عن التطبيق الإسلامي للحكم ولو في سنواته الأولى من عمر الجمهورية، وقبل محاربة أشكال الحياة الاجتماعية التراثية والتاريخية، وهذا لا يجعل المعركة بين العلمانيين والمتدينين بدليل أن الكثيرين من المتدينين كانوا من أنصار أتاتورك ولو في مراحله الأولى أيضاً.

كما أن أتاتورك لم يستخدم الجيش وصياً ضد المتدينين، وإنما جعله وصياً على حماية النظام الجمهوري، والجيش نفسه كان له أخطاء في مراحل معينة من التاريخ الجمهوري، في عهد أتاتورك وبعده، لأنه حاول أن يحمل الشعب التركي على مفهوم ضيق للعلمانية، لم يوافق عليه الشعب التركي، وليس المتدينين منه فقط، فرفض العلمانية الضيقة من الشعب التركي كان قبل ولادة رجب طيب أردوغان وقبل تأسيس حزب العدالة والتنمية، فالشعب التركي كله مسلم بنسبة 99%، وله تاريخ واحد وهوية دينية وحضارية واحدة، والهوية اليسارية العلمانية التي اتخذها حزب الشعب الجمهوري في مرحلة تأسيسه هي انعكاس عن ثقافة عصر التأسيس عام 1923، وليس بالضرورة أن تبقى هي ثقافته الأبدية، فالشيوعية والاشتراكية واليسارية مراحل تاريخية ماضية، والحياة الثقافية في تركيا ليست بين نقائض وإنما ألوان ثقافية تتأثر بثقافة عصرها وأفكاره وقيمه ولكن دون أن تتخلى عن هويتها الحضارية وتاريخها الإسلامي، فالأتراك مثلهم مثل العرب لم يكن لهم تاريخ موحد قبل الإسلام، فقد كانوا قبائل صغيرة ومشتتة، فجمعها الإسلام في أمة حضارية واحدة، ومن المستحيل أن تعود هذه الأمة التوحيدية إلى أيام جاهليتها قبل الإسلام.

كما أخطأ فريدمان بتوصيف ما حصل بعد قرن من تاريخ التأسيس حين قال: "وبعد قرن تقريباً من تأسيس تركيا، صارت الصيغة الكمالية واهية ضعيفة، فقد أثبت المتدينون في العالم الإسلامي وجودهم من خلال عدد من التيارات المتشعبة، وهو ما أدى إلى تنشيط المجتمع المسلم في تركيا، وصارت الثقافة العلمانية الأوروبية تواجه الصعود المتزايد للقوى الدينية"، وهذا الخطأ المقصود والماكر جعل رفض الشعب التركي للعلمانية الضيقة وتجديد الهوية الإسلامية وكأنها تبعية للحركة الإسلامية خارج تركيا، وهذا انتقاص من مكانة الشعب التركي وانتمائه الفكري والحضاري والاجتهادي للإسلام، بل وانتقاص من حقه بتقديم فهم عصري للإسلام لا يقل إبداعاً عمَّا قدمه العرب والفرس والهنود وغيرهم من القوميات الإسلامية في القرن العشرين وما بعده، فاجتهاد الأتراك لفهم الإسلام لم يتوقف خلال العقود المتأخرة، ودور حزب العدالة والتنمية وهو حزب علماني تقديم قراءة من العلمانية المحافظة المؤمنة، سبق لنا أن تحدثنا عنها قبل سنوات على صفحات الصحف والمواقع الإلكترونية باللغة العربية؛ لأن الإسلام ليس ضد الحياة السياسية العلمانية، التي تقوم على مفهوم الدولة المدنية وليس الروحية، وعلى مبدأ المواطنة التي تساوي بين حقوق جميع المواطنين دون تمييز قومي أو عرقي أو طائفي أو ديني، فلكل مواطن تركي حقوقه الكاملة، ومن يريد طبع الإسلام بالصبغة العنصرية نحو أتباعه يجهل الإسلام أو يتجاهله لأهداف عنصرية مغرضة، ولكنه في نظر المسلمين يخطىء بحقه نفسه وبحق غيره.

ويطرح فريدمان سؤالاً عجيباً متناقضاً لا يعتقده مرة أخرى إلا جاهل أو متجاهل للإسلام والعلمانية الخاصة بتركيا أيضاً، وسؤاله: "كان السؤال السياسي والاجتماعي الرئيس هو كيفية بناء نظام سياسي واحد يشمل ثقافتين مختلفتين، بحيث لا يمكن تجاهل إحداهما. ذلك أن تركيا دولة مسلمة حدثتها العلمانية، فإذا دمرت العلمانية، فسوف تهدم الإنجازات التي حققتها تركيا عبر تاريخها، أما إذا هاجمت المسلمين، فسوف تشعل غضب دين متصاعد يأبى الاستسلام. لقد أصبحت تركيا جمهورية حاضنة لانعدام الثقة المشترك".

هذا السؤال مبني على فهم خاطىء للإسلام والعلمانية معاً، فالدين والعلمانية ليسا نظامين ثقافيين مختلفين في تركيا، كما هما في الرؤية الكنسية المسيحية في أوروبا والغرب وغيرها، وإنما هما في نظام ثقافي واحد، فالإسلام ينظم العلاقة مع الخالق سبحانه وتعالى بصورة دينية روحية صحيحة، وينظم العلاقة بين الناس بصورة دنيوية علمانية قائمة على الحقوق المدنية وأساسها العدل، فنظام الحكم السياسي في الإسلام نظام حكم دنيوي سيكيولاري بالمصطلح الإنجليزي ولائكي بالمصطلح الفرنسي، ولا يوجد نظام حكم سياسي روحي منصوص عليه من الدين، فلا يوجد مثل هذا النظام في القرآن ولا في السنة، وهذا يعني أن مسألة شكل نظام الحكم في الإسلام مسألة اجتهادية دنيوية، والرسول يقول أنتم أعلم بأمور دنياكم، المهم أن يحقق العدل بين المواطنين أولاً، بغض النظر عن عقائدهم ومذاهبهم، وأن يحقق التنمية لهم، ودون ظلم ولا فساد في الأرض.

ومن الخطأ القول بأن تركيا تحدثت بالعلمانية؛ لأن نبلاء أوروبا كانوا يطلبون العلم والمعرفة الدنيوية من طب وهندسة وفلك وصناعة وغيرها من الدولة العثمانية، فكان النبلاء الأوروبيون يرسلون أبناءهم إلى إسطنبول لطلب العلم في جامعاتها، وما حصل من تطور صناعي أو عمراني أو زراعي في العهد الجمهوري فهذا شأن دنيوي لا علاقة له بالثقافة المسيحية الأوروبية ولا بالعلمانية، وكذلك شكل نظام الحكم الجمهوري، فهو أقرب للنظرية السياسية الإسلامية السنية القائمة على مبدأ الاختيار للحاكم، ولا يوجد له مكانة روحية في الإسلام، فأوروبا هي التي أخذت نظرية العقد الاجتماعي من الثقافة الإسلامية وليس العكس، ولذلك لا يوجد علمانية يسعى أردوغان وحزب العدالة والتنمية لهدمها في تركيا، وما يوجد هو إغلاق لأنواع الوصاية السياسية أو العسكرية، وإغلاق لأبواب الفساد في البلاد، وهذه من صميم العلمانية المؤمنة.

ولذلك فإن أياً كان من سيحكم تركيا فلن يجد صراعاً بين العلمانيين والدين إلا إذا كان هو فاقداً لهذا النوع من الفهم بين الدين والعلمانية معاً، فيقصر فهمه على أن الدين ضد العلمانية أو العكس، وهذا فهم خاطىء أولاً، وهو فهم مستورد من أوروبا ثانياً، وهو فهم يريد صناعة الاختلاف والصراع بينهما لأهداف خبيثة ثالثاً، ولذلك فإن هذه الكتابات الأوروبية والغربية لا تخرج من دائرة الدعوة للصراع الأيديولوجي المقيت بين أبناء الشعب التركي، وهدفها نفس هدف الانقلابيين، ونفس هدف عصابات الوصاية من التنظيمات الإرهابية والكيانات الموازية، ونفس هدف الذين يدعون إلى اغتيال الرئيس التركي أردوغان؛ لأن هدفهم النهائي هو اغتيال مشروع الشعب التركي في الحرية والنهضة والاستقلال عن الوصاية الكبرى، وهي الوصاية الأوروبية والغربية، التي تريد أن تبقى تركيا تحت سلطة القرار الأوروبي، وما قرار الجمعية البرلمانية الأوروبية بإعادة المفاوضات على انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي إلى مرحلة الرقابة الذي كان عام 2004 إلا قراراً أيديولوجياً عنصرياً حاقداً على الشعب التركي، الذي صوت لصالح التعديلات الدستورية، ويعبر أيضاً عن موقف سياسي متغطرس ضد تركيا، لأنه يعادي كل حركة نهضة اقتصادية أو حركة تحرر سياسي في تركيا، ويحصر تفسيره له على أنه درجة من درجات الاستقلال عن الوصاية الأوروبية والغربية، فهذه الكتابات الأيديولوجية تمثل رديفاً أيديولوحياً ثقافياً ماكراً لتبرير العداء السياسي ضد التعديلات الدستورية التي تنهض بتركيا في نظامها السياسي المدني.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة