هل هي حرب دينية وطائفية ضد أهل السنَّة؟

لم يحسم هذه التساؤلات وغيرها إلا دعاوى دولية تتهم الأطراف المعنية بانتهاك المادة 2 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

الأربعاء، 29-03-2017 الساعة 11:47


لا تقولوا إن المسلمين السنّة مستهدفون من إيران وروسيا والغرب فيمسَّكم سوء القول والاتهام والشمول.

إذا قال قائلٌ إن آلافاً من المدنيين السنَّة قد قُتلوا في غربي الموصل بقصف جوي أمريكي أخذ مواقع الأهداف من مليشيات شيعية وأشار القائل إلى اشتراك أمر يكا مع المليشيات في هذه الجرائم، فهو ليس فقط طائفي وإنما متطرف يثير الأحقاد الدينية والطائفية في آن واحد.

إذا قال المرصد العراقي لحقوق الإنسان إن 3846 مدنياً قُتلوا غربي الموصل قبل المجزرة الأخيرة في حي موصل الجديدة التي قُدر عدد ضحاياها بسبعمئة قتيل مدني، وقال العبادي إن تحقيقاته الخاصة قد توصلت إلى خلاف ما أُشيع، وأن هناك مبالغات في عدد الضحايا، فعليك أن تُصدق العبادي وأن تُكذب المرصد ومن وافقه؛ فهو مرصد طائفي.. وإن لم تفعل وتعالت صيحاتك مستنكراً استهداف المدنيين، فأنت داعشي الهوى "تهدف إلى إنقاذ داعش في الموصل" كما أعلن العبادي حرفياً.

وكذلك، أنت إذا أدهشتك التصريحات الأمريكية التي لم يكن فيها أي أسف أو حرج؛ بل استدركت التصريحات الأولى التي اعترفت بالقصف بعد أيام، فقال رئيس الأركان الأمريكي إن تنظيم داعش قد يكون فجَّر البيوت التي كان المدنيون يلجؤون فيها لتعطيل تقدّم القوات العراقية، ونفى البنتاغون أن يكون قد خفف أو غير من قواعد الاشتباك في الموصل وأكد أنه قد أمر القطعات العراقية باستمرار تقدمها، وفي غمرة كل ذلك تم تجاهل مجازر أخرى مشابهة في باب سنجار وغيرها.

وفي سوريا، مساء يوم الخميس 16 مارس 2017 قصفت طائرات حربية أمريكية مسجد عمر بن الخطاب في قرية الجينة بريف حلب الغربي في أثناء أداء صلاة العشاء، وخلَّف هذا القصف ما لا يقل عن 46 قتيلاً وعشرات الجرحى أغلبهم من المدنيين، ولم تبد القيادات الأمريكية العسكرية والسياسية أي أسف أو قلق.

كانوا جميعاً من المصلين، وربما يكون في ذهن الأمريكيين أن كل سنِّي يصلي في تلك الأنحاء هو متطرف أو يقولون في أنفسهم: لا بد أن يكون المصلون في كل الأحوال حاضنة شعبية للمتطرفين أو قد تلوثوا بفكر المتطرفين.

في عام 2003، قال بوش الابن بكل تطرف في أثناء حرب الخليج: "إننا نعيش مرحلة الحروب الصليبية"، وسارع من حوله ليقولوا له: "فضحتنا!"، فدارى الأمر وواراه.

ولكن في 5 سبتمبر/أيلول 2006 بفندق هيلتون في واشنطن، وضمن إحياء ذكرى 11 سبتمبر/أيلول، تحدث بوش عن حرب عالمية ثالثة ضد الفاشية الإسلامية في الشرق الأوسط الكبير الواسع، وقال مُخصصاً: "السنَّة هم الذين نفذوا تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول".

وأوباما يصرح علناً منذ سنتين ونصف: "حربنا ضد الإرهاب فيها جانب ديني ويجب أن نستعين بإيران في هذه الحرب" وفعل.

وأوروبا اليوم تجدد التأكيد على هويتها المسيحية، فقد اجتمع زعماء الدول الأوروبية في الفاتيكان يوم 24 مارس/آذار 2017، في الذكرى الستين لتأسيس الاتحاد الأوربي، لتأكيد الهوية المسيحية لأوروبا.

وبدأت مراسم الاحتفال في روما، بلقاء وكلمة من البابا فرنسيس في الفاتيكان... قال في خطابه: إن "العودة إلى روما يجب ألا تكون مجرد تذكر للماضي".

وحضر الاجتماع رئيس البرلمان الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي ورئيس المفوضية الأوروبية مع قادة دول الاتحاد الأوروبي الـ27.

وفي ألمانيا، ألقى البابا السابق بينيدكت السادس عشر ث، يوم 12 سبتمبر/أيلول 2006، محاضرة وتطرق فيها إلى موضوع "آيات القتال" في القرآن واستشهد بنص تاريخي أشار فيه إلى أنّ النبي محمد "أمر بنشر الدين بالسيف"، وتوصل إلى أن التطرف ليس في الأصولية؛ بل في الإسلام نفسه.

وقد وجهت النيويورك تايمز الأمريكية واللومند الفرنسية اللوم على البابا وطالبتاه بالاعتذار للعالم الإسلامي، ولكنه لم يفعل؛ بل ناور وفسَّر وشرح.

والبابا بينيدكت قبل انتخابه حبراً أعظم، صرَّح إلى صحيفة لوفيغارو الفرنسية عام 2004 بأنه لا يجوز لتركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقال إنه على تركيا بدلاً من ذلك السعي لتقوية وتفعيل وجودها في رابطة العالم الإسلامي. فعلى الرغم من كون النظام التركي علمانياً بشكل كامل، فإن البابا قال إن أغلب الشعب التركي هو شعب يعتنق الإسلام وتأتي جذوره من الإسلام، في حين أن أوروبا تختلف في جذورها القادمة من المسيحية.

ولاحقاً وبعد انتخابه، أراد البابا خلال زيارته الأولى لتركيا أن يغير موقفه ولكنه أفصح عما هو أسوأ... فقد أبدى دعمه لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، واضعاً ذلك في خانة "الحوار بين مختلف الثقافات والحضارات والأديان"، وأضاف أن ذلك يجب أن يكون مرهوناً بدعم الحرية الدينية وصيانة الأقليات المسيحية في تركيا.. ولما أتى ليكحلها أعماها، فقال أمام أردوغان: إن "الفاتيكان ينأى بنفسه عن القضايا السياسية وإن اعتراضه السابق لم يكن بدوافع سياسية مطلقاً.." (فالدوافع دينية بحتة).

لذلك، لا يحتاج أردوغان اليوم وهو يواجه التطرف الأوروبي إلى أدلة كثيرة ليثبت النوازع الصليبية الأوروبية.

والكنيسة الأرثوذكسية الروسية سارعت وباركت وشجعت التدخل الروسي في سوريا وأعطته صفة صليبية دينية ظاهرة، وباركت بوتين ومن معه وعمّدت كل الطائرات الذاهبة لقتل السُنة في سوريا.

وصرّح بوتين ولافروف أكثر من مرة بأنهم لا يريدون وصول "السنَّة" إلى الحكم في سوريا بأي شكل..

وإدارة بوتين تُشرف على التهجير والتغيير الديموغرافي الطائفي في سوريا التي تقوم به إيران، أو على الأقل إدارة بوتين راضية عنه لا تعترض.. وكذلك، الإدارة الأمريكية الجديدة كالقديمة تتابع كل شيء ولا تعترض.

كل ذلك يتم علناً، ومع ذلك قالوا: لا تقولوا حرباً دينية وطائفية ولا تعزفوا على الوتر المقطوع نفسه فتفسرون كل شيء باتجاه ديني وصليبي وطائفي.

وفي الحقيقة، لا يستطيع اليوم أحد –مهما تروّى وتحلّى وتريّث وتجنب– ألا يرى فيما يحصل دوافع تدفع بهذا الاتجاه بين الأطراف العابثة بسوريا كلها، ولا يستطيع أن يغفل عن صفة مشتركة في كل المتداعين المتعاونين في سوريا والعراق الضاربين القاصفين والمقتحمين؛ هي استخدام الدافع الديني والطائفي وبينهم جميعاً هناك مشتركات عقدية.. لقد اشتركوا جميعاً في أنهم من أصحاب دين التثليث واشتركوا في أنهم يسيسون دينهم كلما احتاجوه للشحن والتحريض.

وقالوا: وما علاقة إيران بالصليبيين والتثليث وإيران أساس المشكلة وأول الداعمين والمحرضين على أهل السنَّة..؟

فأجابهم عارفون: هي ليست صليبية ولكن تشيُّعها الصفوي أقرب إلى عقيدة تعدد أجزاء الإله وأن لله أجزاء إلهية بشرية مقدسة كانت في الأرض وتشارك الله في الحساب والعقاب، وتُجري السحاب.. حتى إن كثيراً من الصفويين يماثلون عقيدة التثليث فيثلثون في دعائهم ولجوئهم (الله ومحمد وعلي) ويزيدون.

ولا يخفى تحالف إيران مع إدارة أوباما ولا تخفى عشرات الرسائل بين أوباما وخامنئي.. ولم يحدث إلى الآن من إدارة ترامب أي تغيير غير دعائي تجاه إيران. ولا يخفى تحالف إيران وتنسيقها مع روسيا.

ومدح الصفويين لبوتين كثُر وتكرر وتقدس عندهم حتى قال بعض المعممين الصفويين: بوتين أحد نواب الإمام الغائب ويجوز ألا يكون النائب مسلماً.

واشتركوا جميعاً في أن دينهم خفيف للغاية وديدنهم أن يستخدموا دينهم غطاءً من تحته المصالح والمطامع.

واشتركوا جميعاً في أنهم وضعوا داعش شماعة ووضعوا في داعش عملاء كُثر يدفعون ويروَّجون ويسوقون داخلها لأفعال مبرمجة تحرّض الأمم كلها وتستدعي وتستعدي الجيوش كلها إلى سوريا والعراق وما سموه هم سابقاً المثلث السني في العراق والهلال السني الممتد من سوريا إلى العراق.

لقد صنعوا عدواً وأنتجوا من داخل داعش مقاطع سينمائية محترفة؛ ليستجلبوا بها قبول شعوبهم للحرب.. وخلقوا في جمهورهم شعور العداء الضروري لإيقاد أي حرب.

ولكنهم لم يجتمعوا على تنظيم داعش حقاً ولا يمارسون الحرب عليها؛ بل يمارسونها على أهل السنة.. عندما يضربون ويقصفون المدن بأطنان من المتفجرات فلا يمكن أن تكون الخسائر إلا في المدنيين قتلاً وتخريباً وتشريداً ؛ولم ينل داعش من ذلك إلا نزر يسير..

قالوا وزادوا وتغنوا بالقصف الجراحي الدقيق الذي يتجنب المدنيين وتحدثوا عن قنابل ذكية وليزرية وصواريخ تدخل في فتحات التهوية إلى هدفها، فلماذا يسقط هذا العدد من المدنيين؟!.. هل زهدوا في إراقة دماء أهل السنة إلى هذا الحد، ويريدون أقل التكاليف وأوسع طيف من القتل..؟ ربما فالأسلحة الذكية باهظة الثمن ولا بأس أن يباد آلاف من أجل عشرات، فذلك أرخص وأسرع وأكثر تأديباً.

لن يحسم هذه التساؤلات وغيرها إلا دعاوى قضائية دولية تتهم الأطراف المعنية بانتهاك المادة الثانية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. وهذه الأطراف هي حكومات وإدارات وليست بشعوب وأمم.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة