هل يقاتل المتديّنون كي يحكمهم علمانيون؟

في كل حروب المسلمين، نجد المتدينين هم من يجاهدون ويدفعون الثمن غالياً، وعندما ينتصرون يأتي علمانيون ليحكموهم.

الجمعة، 22-05-2015 الساعة 15:44


الذي يتابع ما يحدث في راهن العالم العربي والإسلامي، سيكتشف من دون أدنى جهد، أن كل الثورات المسلحة يتقدمها المتديّنون، أو من يسمّونهم بـ"الإسلاميين" أو "الجهاديين"، فهم الذين تجدهم بكل الخنادق يقاومون ويجاهدون، ويدفعون الثمن الغالي من دون ندم أو حسرة، بل سعادتهم لا توصف إن قتل أحدهم أو بترت أطرافه.

هذا أمر ليس بالجديد، بل حدث من قبلُ كثيراً، حيث يروي لي مجاهدون جزائريون، وعلى رأسهم والدي حفظه الله، أنه خلال ثورة التحرير ضد المستعمر الفرنسي، كان المتديّنون هم من يخوضون أشرس المعارك، ويكبّدون العدو الخسائر الجسيمة، حتى صار الجيش الفرنسي يتفادى بعض الكتائب التي يعرف مسبقاً طبيعة المقاتلين فيها وهويتهم.

في حين تجد غير المتديّنين في الصفوف الخلفية، وأغلب عملهم خارج إطار المواجهة المباشرة مع جيش الاحتلال الفرنسي، بل بينهم من همّهم التنقل بين القرى والأرياف للاستفادة من الأكل والشرب والنوم على حساب فلاحين وبدويين لا يملكون سوى بعض الأغنام، منها يعتاشون ويطعمون صغارهم، وقد عاقبت الثورة في ذلك الوقت عدداً لا يستهان به من هؤلاء الأشخاص.

حتى المستعمر الفرنسي حين يلقي القبض على مجاهدين، فغالباً ما يقوم بإعدام المتديّنين ميدانياً أو بمحاكمات صورية، في حين أن الآخرين إن لم يحافظ على حياتهم تجدهم يفرّون من السجون في ظروف غامضة، ونذكر على سبيل المثال العربي بن مهيدي الذي اغتيل في زنزانته، وهو من مجموعة 22 الذين فجّروا الثورة الجزائرية.

في حين أن علمانيين مثل أحمد بن بلة، وآيت أحمد، ومحمد بوضياف، وغيرهم، قبض عليهم، وظلوا في السجن إلى أن أطلق سراحهم مع الاستقلال، وبينهم من تصدّر واجهة الحكم مثل بن بلة، الذي صار أول رئيس للدولة الجزائرية المستقلة، وقاد حملة انتقامات واسعة ضد مجاهدين مثل العقيد شعباني، الذي يعدّ أصغر عقيد في العالم، وهو حافظ للقرآن الكريم ومعروف بتدينه والتزامه.

ومنهم مصطفى بن بولعيد، وهو قيادي بارز ومفجر الثورة الجزائرية، تمكّن من الفرار من سجن الكدية "قسنطينة"، إلا أن المستعمر لم يغفر له، ونجح في تصفيته في عملية اغتيال لا تزال غامضة، لأنه كان مجاهداً متديّناً وملتزماً.

لا يجب أن نتوه في إعطاء الأمثلة والتاريخ حافل بما لا يحصى ولا يعد، ونرى ذلك في فلسطين أيضاً؛ حيث إن المتدينين في الصفوف الأمامية للمقاومة، يرهقون كاهل العدو الصهيوني بعمليات نوعية في عمق ما يسمى "إسرائيل"، في حين أن غير المتديّنين نجد أغلبيتهم تتاجر بقضية فلسطين في محافل المفاوضات والسلام وغير ذلك.

عندما أشاهد بعض الفيديوهات التي تنشر عن الثورة السورية على سبيل المثال لا الحصر، نجد الشباب المتدين والملتزم هو من يكون في الخط الأمامي للمعارك مع قوات نظام الأسد، وكل العمليات النوعية قادها شباب ملتزم ومتحمس للدين.

وأحس بحسرة شديدة حين أقرأ في صفحات الفيسبوك لأشخاص يحسبون على الثورة، وهم يطعنون في هؤلاء الشباب؛ بسبب لحاهم أو لشعاراتهم الإسلامية وتكبيراتهم التي يرفعونها عند النصر، مع أن حماسهم الديني والتزامهم هو الدافع الرئيس لقوتهم وتفانيهم في الجهاد ضد المعتدين على الشعب السوري.

أكثر من ذلك، التقيت مع كثيرين ينتقدون هؤلاء المتدينين الذين يتصدّرون الصفوف وأكلتْ جنوبهم أحجار الخنادق ومتاريس من أكياس الرمل التي يحتمون بها في مواجهة عصابات طائفية تريد أن تفتك بكل ثائر، وتزداد وحشيتها حين يكون هذا الثائر من أهل السنّة.

يجب أن نقرّ بأمر هام؛ أن الثورات المسلحة في العالم الإسلامي يصنع انتصاراتها المتديّنون الذين تخرجوا في المساجد، ويستفيد منها العلمانيون الذين أغلبهم تخرّجوا في الحانات وعلب الليل، للأسف الشديد.

إن المحرك الأساسي للهمم القتالية لدى الثوار هو الدين، وتديّنهم الذي يدفعهم للتضحية بالغالي والرخيص من أجل النصر أو الشهادة، ولو جردناهم من هذا العامل الأساسي لكان شأنهم غير ما نراه الآن في بعض مناطق النزاع، حيث يصنعون بسلاح بسيط انتصارات كبيرة على جيوش مدجّجة بكل الأسلحة.

لو تتبعنا الجيش الصهيوني في كل حروبه، لوجدنا الكتائب يرافقها حاخامات، والمقاتلون يحملون معهم التلمود المقدس لدى اليهود وتعاويذ دينية تحفزهم على القتال والفتك بالعرب والمسلمين.

وفي كل الثكنات الصهيونية نجدهم يدرسون الكهنوت الديني، ويرفع الحاخامات هممهم الدينية إلى أعلى المستويات، ولا توجد ثكنة عسكرية واحدة لا يدرسون فيها التلمود ولا يمارسون تدينهم بكل حرية تامة، بل أشرس المتطرفين من الحاخامات هم من ينتدبون لتدريس الجنود الصهاينة وتكوين معنوياتهم في قتال الفلسطينيين، خصوصاً في المراحل الصعبة.

في حين أن الجيوش العربية العلمانية في أكثرها تمنع تدريس المواد الدينية، بل يوجد ما يسمى "الجيش العربي السوري" يحظر حتى الصلاة على العسكريين، وإن انكشف أمر عسكري وهو يؤدي الركن الثاني من أركان الإسلام، فسيتعرض لعقوبة كبيرة، وربما يصل به الحال إلى السجن من دون محاكمة لسنوات طويلة؛ بتهمة الإرهاب أو الانتماء لجماعة محظورة مثل الإخوان المسلمين.

ونحن نتحدث عن الجيش السوري، فقد انهار مع الثورة السورية، وتفكّكت روابطه وتحلل إلى عصابات يقودها ضباط نصيريون لهم خلفياتهم الدينية، ولم يجد نظام الأسد من حل لتقوية شوكة عصابات "الشبّيحة" سوى الاستنجاد بمليشيات طائفية متشبعة بروح دينية انتقامية من أهل السنة، الذين يمثلون الأغلبية الساحقة من الشعب السوري.

النظام السوري بحدّ ذاته يتباهى أنه علماني، وطالما تحدث بشار الأسد بأن نظامه هو آخر قلاع العلمانية في العالم العربي التي ستنتهي لو سقط حكمه. ولكن مع ثورة الشعب السوري ضده انكشف وجهه الحقيقي، فرغم علمانيته لم يقاتل الشعب إلا بمليشيات طائفية، متطرفة لمنتهى الغلو، حتى عروبته المزعومة ظهرت مجرد قناع، فقد تحالف النظام مع الفرس الإيرانيين ضد الشعب العربي السوري!

حتى لا نتوه كثيراً في جوانب أخرى، نعود للحديث عن دور المتديّنين في صناعة نصر الثورات، وهي حقيقة ثابتة عبر تجارب التاريخ المختلفة كما ذكرنا سابقاً، ولا يسعنا المقام لإعطاء الأمثلة الكثيرة، ولكن الثابت لدرجة اليقين أنه لولا عامل الدين ما استمرت ثورات في العالم الإسلامي، وما تحقّقت أدنى انتصارات.

في المقابل، نجد أن دور العلمانيين محدود جداً في الساحات القتالية، حتى إن شاركوا في العمل المسلح فهم لا يصنعون نصراً إلا بدعم من قوى خارجية، ولهذا نجدهم ينظّرون من الفنادق وعبر الفضائيات، ويتبنّون العمليات العسكرية على الأرض التي يقودها المتديّنون، وحين يتبدّد غبار المعارك، ويتحقّق النصر، يهرع العلمانيون للسيطرة على دواليب الحكم، وبدعم أجنبي لا يريد أن يرى حكماً إسلامياً يصنعه من انتصروا بدمائهم وعرقهم.

يجب أن يعترف العلمانيون أن دورهم تنظيري أغلب الأحيان، في حين أن المتديّنين دورهم قتالي بامتياز، وأغلب الثورات، للأسف، إن لم نقل كلها، ينتصر فيها المتدينون ليحكم العلمانيون بغير دين هؤلاء المجاهدين الذين بفضل تدينهم تمكنوا من النصر المبين.

عشنا التجربة في الجزائر، حيث إن المجاهدين المتدينين صنعوا النصر على الاحتلال الفرنسي، ولكن بعد الاستقلال حكم العلمانيون الذين قدموا من خارج الحدود أو من داخلها، وبينهم من لم يطلق رصاصة واحدة ضد العدو، وكان أثناء مرحلة الثورة كلها يتنقل من بيت إلى بيت، وفرنسا تصنع نجوميته بسلسلة البحث عنه.

روى لي مجاهدون أن أحد مشاهير الثورة في منطقة الأوراس لم يشارك يوماً في معركة واحدة، وكان حين يسمع صوت الرصاص يغمى عليه، وظلت فرنسا تبحث عنه وتصنع منه نجماً عند الناس، وتتفادى البحث في المناطق التي عندها معلومات من عملائها حول وجوده فيها.

هذا الرجل الذي لا يصلي ولا يصوم رمضان، بعد الاستقلال أسند له حكم المنطقة، ومارس الإقصاء على أرامل الشهداء وأبنائهم، وانتقم من المجاهدين الحقيقيين الذين يعرفون تاريخه، فمن لم يغتل منهم يكون قد لفّقت له تهمة الخيانة والعمالة وحتى عدم الجهاد.

رغم دور المتدينين في القتال الذي لا يمكن أن يرتقي إليه أي مقاتل آخر، فإن العيب الذي يعاني منه هؤلاء، هو عدم وجود جناح سياسي يكون منهم، وفي الوقت نفسه يفهم اللعبة الدولية جيداً، كما يفعل العلمانيون الذين يستثمرون في المجاهدين المتدينين في مرحلة الثورة، وعندما يقترب النصر يتاجرون بهم ويشيطنونهم حتى لا يقتربوا من كرسي الحكم.

كما أن المتدينين بينهم من يريد أن يحارب العالم برمته، وبذلك يصنع الأعداء الكثر ويوحدهم على الحرب عليه، وبدل أن يتعامل بمنطق المرحلية والتدرج، يعلن الحرب الشاملة التي تجدها أكبر من قوته وعتاده.

عبر التجارب الماضية المختلفة، نرى المتديّنين، للأسف، يقاتلون ولكنهم بعد النصر يحكمهم علمانيون بدعم دولي كبير، لأن هؤلاء المتدينين لم يحسنوا التسويق لمشاريعهم، ولا عندهم واجهة سياسية تتقن فن التعامل مع المجتمع الدولي وفق منطق المصالح والمصالح المضادة.

وأخيراً أقول:

في كل حروب المسلمين، نجد المتدينين هم من يجاهدون ويصمدون ويدفعون الثمن غالياً، وعندما ينتصرون يأتي علمانيون ليحكموهم من غير دين كان سبب نصرهم!

وللحديث بقية...

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة