هل ينجح العدالة والتنمية في أول انتخابات يقودها داود أوغلو؟

داود أوغلو أثبت رشده ونضجه السياسي، ويبدو جاهزاً وقادراً ومؤهلاً لقيادة حزبه للفوز في انتخابات أول أكتوبر.

الجمعة، 30-10-2015 الساعة 13:36

صحيح أن انتخابات السابع من يونيو/ حزيران الماضي جرت عندما كان أحمد داود أوغلو رئيساً لحزب العدالة والتنمية، لكن المعركة الانتخابية يومئذ شهدت استقطاباً واصطفافاً سياسياً من نوع غريب كان مركزه رجب طيب أردوغان، بحيث أصبح الناخب يصوت إما مع الطيب أردوغان أو ضده، يومها بنت الأحزاب السياسية خطابها السياسي وخطتها الإعلامية مستهدفة شخص الرئيس رجب طيب أردوغان الذي نزل بنفسه إلى ميادين الانتخابات بطريقة ألقت ظلالاً من الشكوك حول حياديته التي يفرضها الدستور التركي على رئيس الجمهورية.

 

لكن البادئ والحق يقال كانت أحزاب المعارضة التي ركزت حملاتها الانتخابية على استفزاز أردوغان ومهاجمته وأفراد عائلته، شخصياً بطريقة خرجت عن قواعد اللباقة والنقد والتجاذب السياسي إلى درجة القدح والردح والشتائم، وقد تفردت وما تزال جريدة SÖZCÜ إحدى جرائد أيدن دوغان ملك الإعلام في تركيا بقيادة الحرب الإعلامية ضده، إذ تكتب كل يوم مقالاً على الأقل فيه شتم وقدح وتهجم على أردوغان وعائلته، مما اضطر أردوغان إلى النزول للميدان والدفاع عن نفسه وإرثه السياسي.

 

يومها نجح (بلوك) المعارضة المكون من تحالف الأحزاب السياسية والمؤسسات الإعلامية والكيان الموازي (جماعة فتح الله كولن) وكم غير قليل من منظمات المجتمع المدني التي يقف وراءها أرباب الأعمال والشركات القابضة، نجح هؤلاء في إجبار حزب العدالة والتنمية ومعه الرئيس أردوغان إلى التحول من موقع الإشادة بإنجازاتهم فترة حكمهم التي تلامس حياة المواطن التركي اليومية وشرح مشاريعهم المستقبلية إلى موقع الدفاع عن الذات والرد على حملة إعلامية هائلة وحرب نفسية مركزة، دعمتها كبريات المؤسسات الإعلامية العالمية مثل التايمز والإيكومسيت والسي.إن.إن وغيرها، التي نجحت إلى حد كبير في ترسيخ صورة نمطية تصور الرئيس رجب طيب أردوغان رجلاً يسعى ليكون دكتاتوراً شرق أوسطي، لكن الذي سهل مهمتهم وساعدهم في ذلك هو إقحام حزب العدالة والتنمية مسألة تحويل النظام السياسي من نظام برلماني ألفه المواطن عمره تسعون عاماً إلى نظام رئاسي عجز الحزب عن شرحه وتسويق فكرته، ولم يفهم المواطن العادي إيجابياته وسط غبار المعمعة والحرب السياسية الضروس.

 

في المحصلة توجه المواطن التركي في انتخابات السابع من يونيو/ حزيران إلى صناديق الاقتراع ليدلي بصوته إما مع أردوغان أو ضده، يومها لم يلتفت أحد لا إلى برامج الأحزاب السياسية ولا إلى وعودها الانتخابية، حيث بلغ الاستقطاب السياسي ذروته، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى انسداد سياسي تام لم تفلح معه جميع محاولات الاختراق من أجل تشكيل حكومة ائتلافية أو حكومة أقلية ولا حتى حكومة انتخابات مؤقتة بل أفضى الأمر في نهاية المطاف ولأول مرة في تاريخ الجمهورية التركية إلى تطبيق المادة الرابعة عشر من الدستور الناظمة لمثل هذه الأحوال الاستثنائية! والسؤال هنا: هل اختلفت الحال اليوم عما كانت عليه في انتخابات السابع من يونيو/ حزيران؟

 

"رب ضارة نافعة" كما يقول المثل الشعبي، فقد أتاح الفشل النسبي في الانتخابات السابقة لأحمد داود أوغلو فرصة الإمساك بزمام الأمور بنفسه من خلال عملية تقييم المرحلة السابقة والوقوف على مكامن الأخطاء لوضع الخطط الكفيلة بتلافيها، هذا كله جعل داود أغلو يمسك بزمام الأمور وبجميع الخيوط بيده وبصورة أدق أصبح داود أوغلو قائداً فعلياً لحزب العدالة والتنمية.

 

لقد شكلت المرحلة الانتقالية امتحاناً حقيقياً لقدرات أحمد داود أوغلو القيادية وفرصة، بنفس الوقت، ليثبت جدارته الشخصية بشكل مستقل بعيداً عن دعم أردوغان المباشر، إذ كان يقود العملية السياسية بمفرده من مفاوضات تشكيل الحكومة الائتلافية إلى إدارة الاقتصاد إلى السياسة الخارجية، حيث الحروب في سوريا والعراق تلقي بظلالها السلبية على الأمن والاقتصاد إلى قيادة الحرب ضد الإرهاب، الذي أراد أن يستثمر الفراغ السياسي في تركيا، حيث نقض حزب العمال الكردستاني الهدنة وأطاع بمشروع المصالحة الوطنية وقام بمحاولات لخلق بؤر مستقلة في بعض المناطق النائية في جنوب شرقي تركيا فحفر الخنادق وأغلق الشوارع واتخذ من المدنيين دروعاً بشرية وصعد من هجماته الإرهابية ضد قوى الأمن التركية، وتبعته بقية المنظمات اليسارية المسلحة مثل DHKP-C وكذلك تنظيم داعش الذي قام بتنفيذ هجوم انتحاري في أنقرة راح ضحيته 102 مواطن في أكبر عمل إجرامي إرهابي شهدته تركيا، مما يشير بوضوح إلى أصابع خارجية تريد الضغط على تركيا لإشغالها بقضاياها الداخلية وحشرها في زاوية الدفاع عن النفس للحيلولة دون ممارستها دورها الإقليمي في سورية على وجه الخصوص.

 

لكن داود أوغلو الذي نال ثقة حزبه بفوزه برئاسة الحزب في مؤتمر العام، الذي تألق في مرحلة المفاوضات مع حزب الشعب الجمهوري حول تشكيل الحكومة الائتلافية وأبدى مرونة وايجابية منقطعة النظير تحلى بها في لقاءاته مع الأحزاب والأطراف السياسية أبدى قدراً كبيراً من القوة والصلابة في التصدي للإرهاب، فلم يخضع لضغوط الإرهاب في الداخل ولا لابتزازات القوى الإقليمية والدولية في الخارج رغم ثقل الفاتورة التي تدفعها تركيا في حربها ضد الإرهاب، ورغم استنكاف أحزاب المعارضة عن تقديم أدنى درجات الدعم السياسي حتى في القضايا التي تهدد الأمن الاستراتيجي لتركيا الدولة، ورغم نكوص الدول الصديقة في حلف الناتو التي اكتف بتصريحات خجولة تشجب الإرهاب دون الإقدام على خطوة تردعه.

 

أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية الذي نجح في جميع الامتحانات القاسية في هذه الفترة التاريخية الحرجة المعقدة الذي أثبت رشده ونضجه السياسي بكسب قلوب الملايين ونيل ثقتهم، يبدو اليوم جاهزاً وقادراً ومؤهلاً لقيادة حزبه للفوز في انتخابات أول نوفمبر/ تشرين الثاني يوم الأحد المقبل بأغلبية ساحقة تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة