وجه ثائر سوريا

ثائر سوريا، يشبه من أحببنا من أبطال الأعمال الفنية الخالدة، تلك الأعمال التي لا يكون فيها البطل مصنوعاً.

الاثنين، 04-05-2015 الساعة 09:00


لا تتشابه الوجوه في هذا العالم، فمنها من يذهب إلى النوم الطويل ولا يفتقده أحد، ومنها من يهب للعالم نوره. حين أتت ثورة سوريا، كانت الثورة التي لم يتوقعها أحد، ومع ذلك انتظرها كل أحد. كل الأوضاع غير المستقيمة في هذا العالم تأبى الاستمرار. الاستبداد على الناس وقمعهم وإخافتهم لا يدوم طويلاً. هذا السبب الذي آذى الناس هو ما دفع إلى ثورة سوريا، وأيقظها رغم صعوبتها، وشبه استحالتها.

أربع سنوات مرت. تآمر العالم على الثورة ليطفئها، لكنها ظلت حية. حاول العالم أن يتناساها، لكن بقية الضوء في وجوه آمنت بها جعلها تحضر وتعود كرة أخرى. وجوه الثوار في سوريا، أبقت ثورة الضمير والعدل حية. قبل أن تتعسكر كل مظاهرها، سجلت هذه الثورة نفسها كأطول ثورة شعبية في التاريخ، والأكثر امتداداً جغرافيا، والأعلى مشاركة، والأكثر كُلفةً وألماً على المستوى الإنساني.

ثائر سوريا، يشبه من أحببنا من أبطال الأعمال الفنية الخالدة، تلك الأعمال التي لا يكون فيها البطل مصنوعاً، ولا يحضر بمزايا استثنائية، بل يكون عادياً جداً، لكن الظروف وضعته في سياق استفز إخراج كوامنه، وقدرته على الصراع لأجل وجوده، ومبادئ هذا الوجود. ثوار سوريا لم يختاروا الصراع ولا الحرب، لكنها من وصل إلى عتبة بيوتهم. بينهم طالب الطب، وبينهم من كان ينام والجيتار في حضنه، ومنهم أب عائلة لم يكن يحلم بأكثر منها. لم يكونوا طلاباً للكثير من هذه الحياة، كان قتالهم لمدافعة الشر عنهم.

لكن العالم للأسف لم يعرف طيلة هذه السنوات غير تشويه الثوار وأخذهم بجريرة التطرف والصراعات التي اشتعلت. ليس الثائر مسؤولاً عن التطرف الذي يحدث من غيره، وعصابات العالم التي تجمعت في سوريا لقتل الثورة وقتل أمل أهلها، ليست دليلاً على ابن الأرض، الذي يحلم ببلاده حرة.

يعيش الأحرار اليوم فرح انتصار ثوار سوريا وتقدمهم على الأرض. فبعد رحلة مؤلمة من الأخطاء، ومن التجارب العنيفة والمكلفة، التقت فصائل المعارضة السورية لأول مرة في تشكيل فاعل، ركزت فيه على تنظيم الجهد المسلح، وتجاهل الخلافات التي كان ضررها بيناً على مسار الثورة. ففي حلب أعاد الثوار كل المناطق التي أخذها النظام في العام الماضي، وأبعدوا الحصار عن المدينة، وتم تحرير مساحات واسعة ونقاط عسكرية في الجنوب، لعل أبرزها معبر نصيب وبصرى الشام. وكانت الانتصارات قد بدأت بتحرير وادي الضيف والحامدية (من أكبر معسكرات النظام)، ثم تلا ذلك تحرير مدينة إدلب ومدينة جسر الشغور وسهل الغاب التي جعلت الثوار قريبين من جبال الساحل التي تقدم إمدادات متنوعة للنظام، وتمثل شريان حياته. إن تجديد الداخل السوري لمساره بروح جديدة هو السبب الأبرز وراء هذا النجاح، ولم يلعب العامل الإقليمي إلا دوراً محدوداً، كما يؤكد الباحث حمزة المصطفى.

كان من قول العرب "لا يبيضّ الكتاب حتى يسود"، أي أن صفحاته المسودة بالتعليق والحواشي والكتابة تعني أن الاستفادة منه مثلى. وفي مثل ذلك يليق التشبيه، إن الوجوه التي علاها سواد التعب والجهد ومفارقة الأهل والقتال لأجلهم، تبيض دون غيرها. يقول شاعر تونسي، وكأنه يحكي حال ثوار سوريا:

"نحبّ البلاد، كما لا يحب البلاد أحد..

نحجّ إليها مع المفردين..

عند الصباح، وبعد المساء، ويوم الأحد..

ولو قتلونا كما قتلونا

ولو شردونا كما شرّدونا

ولو أبعدونا

لبِرك الغماد

لعدنا غزاة لهذا البلد".

"العرب القطرية"

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة