وحدها طرابلس حاسبت ولبنان يجدد للطبقة السياسية الفاسدة

في النهاية، يمكن القول إن الانتخابات البلدية كانت "بروفا" للانتخابات النيابية المقبلة.

الثلاثاء، 31-05-2016 الساعة 16:23


في علم السياسة، يقول الفلاسفة إن "تنمية سلطة سياسية قوية هو أمر ضروري من أجل التنمية الاقتصادية ولازم ليسبق الديمقراطية"، غير أن هذه القاعدة لا يمكن إسقاطها على الحالة اللبنانية بالتأكيد؛ فالعملية الديمقراطية جارية والجميع راضٍ عنها، من انتخابات بلدية ونيابية، لو استثنينا إلغاء الأخيرة بسبب الوضع الأمني في بداية الثورة السورية، وأيضاً شلل المؤسسات بسبب التركيبة المعقدة للنظام السياسي في لبنان.

أما التنمية الاقتصادية، التي من المفترض أن تسبق العملية الديمقراطية، فمتوقفة تماماً؛ لأن السلطة السياسية ركيكة، تجمع بين ديكتاتوريين من مختلف الطوائف، أمراء حرب أهلية؛ سلطة فاسدة وضعت لبنان في المرتبة الأولى في تقرير دولي عن ازدياد الفساد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا!

يكاد الجميع يعجز عن فهم العقلية اللبنانية، فالوطن الذي يحمل في طياته ميزات تؤهله لأن يكون استثنائيا في العالم، بتنوع وغِنى شعبه؛ وطن يضم بين حدوده مختلف الطوائف والبيئات والمكونات، ويستطيع المواطن أن يتنقل من بيئة إلى أخرى بدقائق، أوصله اللبنانيون إلى أن يكون "الخيار الأخير" عند السائح العربي. والعجيب أن اللبناني، باستثناء الطرابلسي، لا زال يجدد ثقته بالطبقة الحاكمة الفاسدة! وآخر الاستحقاقات الانتخابات البلدية التي أُسدِل الستار عنها الأحد الفائت.

في قراءة عامة وتحليل لما أفرزته هذه الانتخابات سهلة بنظرة عامة، معقدة في التفاصيل التي من الممكن أن تؤثر على الانتخابات النيابية المقبلة، إن حصلت. بشكل عام، لم يكن هناك قاعدة محددة في التحالفات؛ بعض الأحزاب تحالفت في منطقة، وتواجهت في أخرى، بعض الأحزاب داست على المبادئ، تحالفت مع "خونة" أو "مجرمين" بحسب وصف سابق لهم! "المقاطعة" التي يجدها البعض سلاحاً في وجه المحادل وعنوان الإحباط أو عدم الاكتراث تفاوتت في النسبة بين منطقة وأخرى، سجلت ارتفاعاً في المدن الثلاث الرئيسة بيروت وطرابلس وصيدا حيث الأكثرية السنية، بعض المناطق التي كانت تُعد بؤراً للإرهاب، ارتفعت فيها نسبة الاقتراع.

فيما استحضرت بعض الأحزاب جملة من العناوين الكبرى ذات الطابع السياسي والطائفي والمذهبي لشد عصب الجماعة والضغط على الخصوم. حذرت بعض قيادات الأحزاب من ظاهرة المطالبة بتحييد الأحزاب عن الانتخابات وترك العائلات لخوضها، وبينما غابت في بعض المناطق البرامج الإنمائية ظهرت خجولة في مناطق أخرى. كما غابت الاصطفافات ضمن منظومتي 14 و4 آذار وتموضعت الأحزاب ضمن تحالفات جديدة متناقضة تُؤمِّن لها الفوز في الانتخابات، لم يُسجل حالة تمرد ضمن الحزب إلا في الشمال، وتحديداً في طرابلس وأحدثت مفاجأة مدوية سيكون لها تبعات، وتفاوت استخدام "المال الانتخابي" بين منطقة وأخرى، إذ سجل أعلى استخدام له في جبل لبنان، وانعدم في الجنوب. في المحصلة، وبشكل عام، جُدِّد للأحزاب التقليدية الثقة بالبلديات. أما في التفاصيل، فسنقسمها حسب المناطق.

في بيروت، معقل "الحريرية السياسية"، استعمل تيار المستقبل كل أسلحته للفوز بسبب رمزية العاصمة، واعتبر المعركة "إلغائية" بامتياز. النتيجة كانت صفعة واضحة رغم الفوز الهزيل، إذ أثبتت الأرقام تراجعاً ملموساً في شعبيته؛ نسبة المشاركة ضعيفة كما حصلت عام 2010، وأثبت "المستقبل" تراجعاً واضحاً في قدرته على الحشد. أما اللائحة المعارضة "بيروت مدينتي"، المُشَكلة من شخصيات مستقلة من "المجتمع المدني"، ففاجأت الجميع بحصولها على معدل 30 ألف صوت تقريباً. اللائحة المدعومة من "المستقبل" ومن عشرة أحزاب أخرى بينها "حزب الله" و"حركة أمل"، حصلت على معدل 43 ألف صوت، متراجعة حوالي 20 ألف صوت عن نتائج عام 2010! لائحة "بيروت مدينتي" حصدت حوالي 20٪‏ من الأصوات السنية في معقل "الحريرية السياسي" وفق مصادر "المستقبل"! "بيروت مدينتي" فازت في الدائرة الأولى، حيث الوجود المسيحي، فسره الرئيس "الحريري" أنه "عمل دُبِّر في ليل" وعدم التزام في التحالفات، ولكن يمكننا تفسيره بطريقة أخرى أن أكثر منطقة عانت من أزمة النفايات هي الدائرة الأولى، وقد حاسب قاطنوها الطبقة السياسية، وانتخبوا لصالح "المجتمع المدني" الذي تظاهر وغضب لأزمة النفايات مع حركة "طلعت ريحتكم". في المحصلة، دقّ "المستقبل" جرس الإنذار، فالانتخابات النيابية لا يمكن أن تجمع له الأحزاب لتنقذه وتعطيه ما أعطته في البلدية.

في البقاع، كانت "زحلة" أم المعارك، انخرطت الأحزاب "المسيحية" التقليدية، القوات والعونيون والكتائب، ضمن حلف واحد. عاد مصطلح "المارونية السياسية" يطفو على السطح، خاصة على لسان من رفض صلح "معراب". واجه هذا الحلف "المستقبل" والزعامة السياسية التقليدية المتمثلة بـ"آل سكاف" و"حزب الله" ولم يستطيعوا أن يوقفوا المحدلة "المسيحية" في انتخابات وصلت نسبة الاقتراع فيها حاجز 40٪‏. شهدت انتخابات زحلة تراشق اتهامات بدفع المال الانتخابي من أجل الانتصار، أثبتت انتخابات زحلة قوة ومتانة المصالحة "المسيحية"، وضعف "المستقبل" في بناء استراتيجية التحالفات.

في عرسال، حيث الوجود السني القوي، والموقع الاستراتيجي للبلدة على بوابة سوريا، وحيث الانخراط في الفلك الثوري السوري ووجود الفصائل الجهادية والثورية في جرودها. اتهمها الإعلام التابع لـ"حزب الله" أنها منبع "الإرهاب"، حصدت على أعلى نسبة اقتراع في المنطقة، واختار الأهالي اللائحة المدعومة من العائلات على حساب اللائحة المدعومة من "المستقبل".

في المناطق حيث الوجود "الشيعي"، لا سيما في بعلبك والهرمل، ورغم إعلان "حزب الله" انتصاره، فقد هُزِم في الهرمل، وفاز بشق الأنفس في بعلبك إذ سجل نسبة نجاح 54٪‏ فقط! بشكل عام، اختار أهالي المنطقة حلف "حزب الله" و"حركة أمل"، ولكن الأصوات التي خرجت في وجههم أصبحت ظاهرة معبرة وملفتة جداً.

في الجنوب، جدد أهالي المنطقة حيث الوجود "الشيعي" الثقة بحلف "حزب الله" و"حركة أمل"، بعد أن حذرهم زعيم "حزب الله" حسن نصر الله من ظاهرة المطالبة بثني الأحزاب عن التدخل وحصر الصراع بالعائلي. أظهرت نسب الاقتراع أنها كانت في عام 2010 أكثر من 52٪‏ في الجنوب، في حين أنها تراجعت في عام 2016 إلى 43٪‏ تقريباً، وهو مؤشر على تراجع في شعبية "حزب الله" و"حركة أمل".

وفي صيدا، مسقط رأس "الحريري"، فازت اللائحة المدعومة منه، في وجه لائحتين، لائحة تقليدية لا تتغير أرقامها من استحقاق إلى آخر مدعومة من حليف "حزب الله" التنظيم الشعبي الناصري، ولائحة لا حول ولا قوة لها، غير مكتملة، "إسلامية" الهوى، متعاطفة مع قضايا "الإسلاميين"، غير مدعومة مالياً، ولا تمتلك خبرة الانتخابات، ولكنها حصلت على نسبة 12٪‏ من الأصوات تقريباً مما وضعها تحت مجهر حلفاء "حزب الله" ليطالبوا الأجهزة الأمنية بتعقب المرشحين ومراقبة أنشطتهم "المشبوهة" حسب زعمهم.

أجمع المراقبون على أن نجاح اللائحة المدعومة من "المستقبل" يعود إلى النجاحات التي استطاع تحقيقها على صعيد المشاريع البيئية والإنمائية من خلال المجلس البلدي السابق.

نسبة المقاطعة وصلت إلى حدود 15٪‏ تقريباً، اعتماداً على النسب المتفاوتة في الاقتراع بين عامي 2010 و 2016. هذه النسبة إضافة إلى نسبة من اقترع للائحة "الإسلاميين" سيشكلون قوة ضاربة في حالة التنظيم المبكر قبل موعد الانتخابات النيابية المقبلة.

في جبل لبنان، لم تحصل أي مفاجأة كبيرة؛ نسبة الاقتراع تفاوتت بين منطقة وأخرى بمعدل 56٪‏ تقريباً وهو رقم جيد. يعود ارتفاع نسبة الإقبال في جبل لبنان إلى حماس "المسيحي"، حيث إن صوته له تأثير واضح، على عكس ما يحصل في بيروت. أما التيار الوطني الحر فأعطى لـ"جونيه" نكهة خاصة فاعتبرها عبر لسان زعيمه "ميشال عون" عاصمة المسيحيين، في تصريح طائفي بامتياز، وفاز فيها بفارق أصوات قليلة جداً، علماً أن القوات أعطت لمناصريها حرية الاختيار ولم تتدخل.

في مناطق أخرى، كسن الفيل في قضاء المتن والحدث في قضاء بعبدا، خاض الطرفان مواجهة انتخابية حادة، بدت غير منسجمة مع مقتضيات تفاهم معراب! النتائج لم تفرز زعامة جديدة، ولم تعط لآخر صفة الزعيم الأوحد. في المتن، أثبت "المر" زعامته، متحالفاً مع الكتائب، فيما نجحت الأخيرة في بعض البلديات معتمدة على العامل الإنمائي.

وفي المنطقة ذات الطابع "الدرزي"، اختار الأهالي اللوائح المدعومة من جنبلاط وأرسلان باستثناء منطقة الشويفات، وسُجِّل تهميش للجنبلاطية في عدة مناطق في الشوف، لاسيما في إقليم الخروب ذات الطابع السني، ودير القمر حيث هُزِم "الوطنيون الأحرار" أمام "القوات" و"العونيون".

المحطة الأخيرة في الانتخابات البلدية حصلت في الشمال، حيث حالة التمرد داخل تيار المستقبل في مدينة طرابلس بخروج الوزير أشرف ريفي حاملاً مبادئ ما يُعرَف بـ14 آذار، رافضاً التهاون مع المحور الإيراني الذي ينتهجه "المستقبل"، وحاملاً هم المواطن الطرابلسي الفقير، بمواجهة جيش من الأحزاب متمثلة بـ"الحريرية" و"الميقاتية" و"الجماعة الإسلامية" و"الأحباش" ومدعومة أيضاً من "الحزب العربي الديمقراطي" المُتهم الرئيس بتفجير مسجدي التقوى والسلام.

نسبة الإقبال كانت ضعيفة، كتلك في بيروت وصيدا، لكنها أكثر من عام 2010 التي لم تشهد معركة. النتائج أتت مفاجئة بانتصار وزير العدل المستقيل أشرف ريفي على الزعامات التقليدية المتحالفة، مما أعطى لطرابلس، كمدينة كبيرة، استثنائية وحيدة في هذه الانتخابات بعنوان: "أهل السنة وحدهم، حاسب من تزعمهم".

الطرابلسيون قالوا نعم لمن رفع سقف انتقاده وتهجمه على المحور الإيراني، وانتصروا للثورة السورية. الطرابلسيون قالوا لا لمن أغرقهم بالوعود طيلة عشرين عاماً ولم يستطع أن ينتشل مدينتهم من الفقر والبؤس.

وبالرغم من أن اتفاق الطائف بعد انتهاء الحرب الأهلية نصّ على اللامركزية الإدارية، إلا أن القانون اللبناني أخضع البلدية إلى رقابة شديدة، بدءاً من القائمقام إلى المحافظ فوزير الداخلية، وأيضاً من مجلس الخدمة المدنية وديوان المحاسبة والمراقب المالي والمراقب العام، مما أدّى إلى شلل العمل البلدي إذ لم يكن المجلس يتبع لحزب سياسي قوي يفرض إرادته. ربما يكون هذا هو العامل الرئيس الذي يراه الناخب اللبناني جديراً بتوجهه لإعادة الثقة بالأحزاب التقليدية! فيرمي وراءه كل ملفات الفساد والفشل الملازمين للطبقة السياسية الحاكمة.

لكن أكثر ما يُثير الاستغراب في لبنان هو التناقض الحاصل في الإعلام السياسي واستطلاعات الرأي. فمثلاً حركة "طلعت ريحتكم" التي تظاهرت ضد عمل الحكومة منذ سنة، واجهتها الأخيرة برئاسة "الحريرية السياسية" باتهامها أنها مدعومة من "حزب الله"، بيد أن تيار المستقبل لم يخجل من دعم "حزب الله" له في الانتخابات البلدية، في بيروت خاصة! وأعطت استطلاعات الرأي التي أجرتها "الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات"، أرقاماً كبيرة للمواطنين التي لم ترض بالعمل البلدي! غالط الناخبون جميع هذه الاستطلاعات، بالتجديد للأحزاب التقليدية، ما عدا الطرابلسيين، الذين أعطوا نسبة 68.1 لعدم الرضا، فحاسبوا اثنين من أغنى رجال لبنان وأكثرهم ثراء، بينما المدينة التي أخرجتهم زعماء مصنفة الأكثر فقراً في محيط البحر الأبيض المتوسط، فأسقطوهم في الانتخابات!

في النهاية، يمكن اعتبار الانتخابات البلدية "بروفا" للانتخابات النيابية المقبلة؛ فتحالف "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" سيشكلان أكبر كتلة نيابية في المجلس وحصاده الثلث تقريباً إذا سلمنا جدلاً اعتماد قانون الستين. سيخسر "المستقبل" الكتلة الكبرى في المجلس النيابي الحالي لصالح التشرذم السني، وسيبقى تحالف "حزب الله" و"حركة أمل" المحدلة في مناطقهم.

ما بعد الانتخابات كما قبل الانتخابات، بلدياً ونيابياً، وستعود الطبقة السياسية لإضفاء مشكلة الفراغ الرئاسي على السطح.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة