وددت أن أكون بوليفياً

وجدنا أن نخب أمريكا اللاتينية باتت أقرب إلينا من بعض إخواننا الذين يفترض أنهم "أشقاؤنا". وأن الرئيس موراليس أكثر تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني من بعض قادتنا.

السبت، 02-08-2014 الساعة 07:53


"لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون بوليفياً"، كان ذلك تعليق الأسبوع الذي عبرت به عن تقدير موقف بوليفيا التي أعلنت إسرائيل دولة إرهابية، وقطعت علاقاتها معها احتجاجاً على حملة الإبادة والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها في غزة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع.

لم تكن بوليفيا وحيدة في ذلك. ولكن ذلك الموقف الشريف تبنته دول أخرى في أمريكا اللاتينية مثل البرازيل والإكوادور وفنزويلا وكوبا، فضلاً عن دول أخرى سحبت سفراءها من الدولة العبرية هي تشيلي وسلفادور وبيرو.

هذا الغضب الذي أعلنته دول أمريكا اللاتينية وعبرت فيه عن رفضها للممارسات الإسرائيلية وتضامنها مع الشعب الفلسطيني، توازى مع مظاهرات عدة خرجت في العديد من العواصم الأوروبية نددت بالسياسة الإسرائيلية وطالبت الدولة العبرية بوقف عدوانها الهمجي. في ذات الوقت تابعنا خلال الأيام الماضية بيانات المنظمات الحقوقية الدولية ومفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة التي انتقدت وحشية إسرائيل وتعمدها قتل المدنيين بالمخالفة للقوانين والأعراف الدولية. ولا ينسى أحد صورة مسؤول "الأونروا" في غزة الذي انفجر باكياً على شاشات التلفزيون وهو يتحدث في تعمد إسرائيل قصف المدرسة التابعة للمنظمة الدولية في غزة، رغم أن إدارتها أبلغت السلطات الإسرائيلية 16 مرة بأنها تؤوي مدنيين عزلاً لاذوا بها احتماء من الموت الذي بات يتربص بهم في بيوتهم.

ذلك كله حدث والعالم العربي يخيم عليه سكون مفجع، فلا إدانات رسمية علنية لإسرائيل ولا سحباً للسفراء (كما فعلت بعض دول أمريكا اللاتينية) ولا مجتمعاً مدنياً تحرك ولا مظاهرات خرجت، ولا مساعدات إغاثية قدمت إلا في حالات استثنائية. وفي حين استمر هدم الأنفاق لإحكام الحصار حول القطاع، فإن الخروج من القطاع حتى للعلاج بات أمراً صعباً للغاية وخاضعاً لشروط قاسية جعلت علاج المصابين استثناء وليس قاعدة.

وفي حين صدم كثيرون في العالم الخارجي، لصور القتلى والمشوهين والثكالى من الفلسطينيين والخراب المخيم الذي حول الأبراج وبعض الأحياء إلى أطلال وأنقاض، فإن رد الفعل في العالم العربي كان مخزياً ومخيباً للآمال. سواء على صعيد الأنظمة أو النخب أو منابر الإعلام المكتوب منه والمرئي. وفي وقت سابق أبديت دهشتي مما بدا أنه حياد في الصراع من جانب بعض الأنظمة العربية. ولكن الواقع تجاوز ذلك الحياد في وقت لاحق، بحيث صدمنا وأذهلنا أننا صرنا بإزاء انحياز ضد الفلسطينيين وتأييد علني أو ضمني لإسرائيل في مواجهة المقاومة في القطاع. وهو ما عبرت عنه بعض وسائل الإعلام بصور شتى.

صحيح أن هذا الذي تكشف لنا مؤخراً سمعنا بأمره من قبل، من خلال الشائعات والهمسات واللغط الذي كان يثار بين الحين والآخر، ولكن ذلك كله كان يتداول في السر ويتناقل من خلال الهمس، الأمر الذي كان يصنفه ضمن الشكوك والهواجس. إلا أن الأمر اختلف تماماً هذه المرة. حيث إن ما كان يتم في السر ويحاط بدرجات متفاوتة من عمليات التمويه وأستار الإنكار، أصبح يمارس الآن في العلن وبجرأة تقرع الأذن وتخدش الأبصار وتصدم الضمائر.

هذا الذي أقوله عرضت شواهده بالتفصيل صحيفة نيويورك تايمز التي نشرت في عدد (07/30) تقريراً عن المشهد العربي الراهن كتبه مراسل الصحيفة في القاهرة دافيد كيركباتريك. كان عنوانه كالتالي: الزعماء العرب يلتزمون الصمت ويعتبرون حماس أخطر من إسرائيل.

وقد خص بالذكر في تقريره أربع دول عربية هي مصر والسعودية والإمارات والأردن. ومما قاله إن ذلك الاصطفاف العربي إلى جانب إسرائيل يحدث لأول مرة في تاريخ الصراع. ودلل على ذلك بقوله إن العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس المصري في اليوم التالي لبدء الحملة الإسرائيلية على غزة. وطبقاً لما نقل على لسان المتحدث باسم الرئاسة المصرية فإن العاهل السعودي لم يوجه أي لوم لإسرائيل ولكنه تحدث فقط عن ضرورة إنقاذ حياة الضحايا المدنيين الذين يدفعون ثمن الصراع، دون تمييز بين الفلسطينيين الذين ظل يسقط منهم أكثر من مئة مدني شهيد في بداية الحملة (عددهم الآن أكثر من 1400) في حين لم يصب أحد من المدنيين الإسرائيليين بسوء في الأيام الأولى. (لاحقاً قتل إسرائيلي واحد إلى جانب نحو 60 من الجنود والضباط الذين قتلوا في المعارك) لا وجه للمقارنة بين هذا المشهد وبين موقف رئيس بوليفيا إيفو موراليس، بين موقف الزعماء العرب وأنظارهم في أمريكا اللاتينية. ولا وجه للمقارنة بين موقف المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وبين موقف الجامعة العربية العاجز الذي بدا أنه انعكاس لمواقف الزعماء العرب المخجلة. بحيث إننا ما عدنا نعرف بالضبط من الذي ينتمي إلى الأمة العربية ويغار على حقوقها من الذي يقف في صف أعدائها.

من المفارقات أن دول أمريكا اللاتينية التي أعلنت احتجاجها في وجه إسرائيل فأدانتها وقاطعتها، يقودها يساريون، في حين أن أغلب قوى اليسار في العالم العربي صارت جزءاً من التحالفات المضادة للفلسطينيين وللربيع العربي، حتى إن صحيفة "الأهالي" المعبرة عن حزب التجمع في مصر نشرت في عدد (07/23) مقالة لأحد الكتاب اعتبر أن تأييد المقاومة خيانة وطنية! الأمر الذي بدا تعبيراً فاضحاً عن موقف غلاة اليمين، وصدى للمتغيرات المشينة والمفجعة التي طرأت على خرائط السياسة في العالم العربي. حتى وجدنا أن نخب أمريكا اللاتينية باتت أقرب إلينا من بعض إخواننا الذين يفترض أنهم "أشقاؤنا". وأن الرئيس موراليس أكثر تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني من بعض قادتنا.

(الشرق القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة