وَهْم الدولة المدنية في الجزائر

كثر الحديث عن الدولة المدنية في الجزائر، وبلغ الأمر مداه مع ما حدث للرجل الأول في جهاز المخابرات.

الاثنين، 21-09-2015 الساعة 10:12


كثر الحديث عن الدولة المدنية في الجزائر، وبلغ الأمر مداه مع ما حدث للرجل الأول في جهاز المخابرات، الفريق محمد مدين المدعو "توفيق"، الذي تمّت إحالته على التقاعد. وهكذا التقى على مائدة واحدة أنصار نظام بوتفليقة حتى مع من كانوا يدّعون المعارضة الراديكالية.

بلا أدنى شكّ أن المؤسسة العسكرية الجزائرية هي التي تصنع الرؤساء منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، ولا يمكن أن يتغيّر الأمر بين عشيّة وضحاها، ولا أن ذلك قد يأتي من الجنرالات حيث يعزلون أنفسهم عن ريع الحكم والنفوذ لأجل خيارات مدنية كما قد يتوهّم البعض.

ترى هل تغيّر شيء مع الرئيس بوتفليقة حتى تجري المرافعة لدولة مدنية يصنعها العسكر في "جمهورية" الجزائر؟

الجيش هو من أتى ببوتفليقة إلى سدّة الحكم عام 1999 بعدما فشل بالمجيء به عام 1994 حسب ما يعرفه الخاصة والعامة، وعلى رأس من قاد حملة إيصال بوتفليقة للسلطة هو الجنرال "توفيق" نفسه، الذي حامت حوله الكثير من الألغاز وحتى القصص الخرافية.

الرجل الأول في الاستخبارات الجزائرية المدعو "توفيق" هو من دعّم العهدة الثانية، ثم العهدة الثالثة التي جاءت عبر تعديل دستوري للمادة 74 التي لا تسمح للرئيس إلا بالبقاء في الحكم عهدتين فقط، حيث قام الرئيس بوتفليقة بفتح العهدات من خلال تعديل جمع له البرلمان بغرفتيه عام 2008 قبل نهاية عهدته الثانية في أبريل/نيسان 2009.

أيضاً "توفيق" هو من حال دون تطبيق المادة 88 على بوتفليقة التي تفرض عزله عن الحكم بسبب عجزه الصحي، وصار لحدّ اليوم لا يمارس مهامه بما يؤكد شغور منصب الرئيس، بل أن شقيقه السعيد هو من يتولى شؤون الحكم بالنيابة عنه منذ مرض الرئيس صيف 2005.

"توفيق" هو من دعّم العهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة، رغم أن قانون الانتخابات لا يسمح له بذلك بسبب موانع قانونية، وأهمها أنه يعاني من عجز صحي تام وهو على كرسي متحرك لا يستطيع أن ينطق بكلمة على إثر الجلطة الدماغية التي تعرض لها في 2013.

"توفيق" كان له اليد الطولى في الانقلاب على جبهة الإنقاذ الإسلامية، ولعب دوراً محورياً في الحرب على الإسلاميين، وأدّت قيادته لجهاز المخابرات إلى سقوط ربع مليون جزائري وخسائر مادية تجاوزت 60 مليار دولار، هو نفسه الذي لم يتردّد لحظة في الإجراءات التي اتخذتها الرئاسة لتفكيك جهازه الاستخباراتي، حيث نزعت منه عدة مصالح حيوية منها الإعلام ثم الشرطة القضائية التي بين يديها الكثير من ملفات الفساد الكبرى، وتمّ تجريده برضاه –طبعاً- من دوائر مهمة أخرى في جهاز المخابرات.

"توفيق" هو من لم يحرّك أجهزة الاستخبارات ضد ما حاكه السعيد بوتفليقة مع الفرنسيين، وما قام به من تلاعبات في ملفات فساد ورد فيها اسمه أو اسم أحد أفراد عائلته، مثل فضيحة وزير الطاقة والمناجم الأسبق شكيب خليل، وفضيحة القرن لعبد المومن خليفة، وفضيحة الطريق السيّار، وغيرها من فضائح الفساد الكبرى التي هزت عرش الحكم في الجزائر.

كل ما ذكرنا وما لم نذكر قام به "توفيق" من أجل عائلة الرئيس بوتفليقة، حتى أن ضباط جهاز المخابرات في السفارات الجزائرية بالخارج، تحوّلوا إلى مجرد موظفين من أجل حجز مواعيد لأبناء وبنات المسؤولين في الخارج ورعايتهم على حساب الخزينة العمومية.

هل من المعقول أن "توفيق" قدّم كل هذه الخدمات الكبيرة إلى عائلة بوتفليقة، ثم يأتي من يسوّق لوجود صراع أجنحة بين المخابرات والرئاسة في الجزائر؟

من يطرحون هذا التصوّر إما أنهم يصوّرون "توفيق" بمنتهى الضعف وهذا يتنافى مع ما سوّقوه من قبل من أنه "رب الجزائر"، فلا يعقل أن هذا البعبع يصل به الحال لدرجة نتف ريشه وطرده من مكتبه من دون أدنى رد فعل منه، فلا يوجد ليومنا هذا أي موقف من "توفيق" يمكن أن يحسب في إطار مناهضته لتوجهات الرئاسة بقيادة شقيق الرئيس بوتفليقة.

أو أن السعيد بوتفليقة بلغ من القوة ما لا يمكن تخيّله، حتى المخابرات الجزائرية التي تتحكم في كل دواليب الدولة ضعفت أمامه، ولم تعد تقوى على مواجهته، رغم أن كل ما يتمتّع به قانونياً هو "شقيق الرئيس"، ومنصبه كمستشار لم يصدر في الجريدة الرسمية ولا يوجد قرار رئاسي يمنحه هذا المنصب الذي ليس فيه أدنى قوة.

قد يقول البعض إن إقالة أو استقالة "توفيق" جاءت بعد عمل ممنهج استغرق 16 عاماً، فهل يمكن أن يكون جناح الرئاسة بهذه الحالة المتردية، حيث لم يتمكن الرئيس من عزل موظف في الدولة إلا بعد 16 عاماً من الحكم!

ربما يأتي آخر ويتحدث عن دور قيادة أركان الجيش الوطني الشعبي في اللعبة كلها، ويقول إنه لولا الجنرال القايد صالح ما نجح بوتفليقة في تفكيك العلبة الاستخباراتية، فترى من عيّن هذا الجنرال ومتّعه بمنصب عملياتي كقائد للأركان ومنصب سياسي كنائب لوزير الدفاع؟

هل يمكن أن يتجرأ جنرال على جنرال آخر من أجل سعيد بوتفليقة الذي كان مجرد موظف في جامعة الجزائر؟

بالتأكيد أن ما يحدث ليس جزائرياً بامتياز بل توجد أطراف أخرى هي من لعبت دوراً رئيسياً في ذلك، وهنا نرى أن فرنسا هي اللاعب الأساسي، فمنذ اتفاقية فال دوغراس عام 2013 التي منحت للسعيد بوتفليقة الضوء الأخضر كي يتصرف في مصير الجزائر كأنها مزرعته الخاصة، وأمور التغييرات وتفكيك جهاز الاستخبارات تسير على قدم وساق، بل إن زيارات لمسؤولين فرنسيين إلى الجزائر تتوّج دائماً بقرارات رئاسية حاسمة تخصّ مصالح أجهزة الأمن.

توجد ملفات خطيرة للغاية بين يدي المخابرات الفرنسية منها التي تتعلق بصحة الرئيس، وأخرى ترتبط بالاجتماعات المصيرية التي حدثت في باريس بين الرئيس بوتفليقة وقائد أركان الجيش القايد صالح والوزير الأول عبد المالك سلال، كما أنه توجد ملفات أخرى تخص حقوق الإنسان والمجازر التي حدثت في الجزائر خلال التسعينيات، وأيضاً ملفات ملغومة مثل اغتيال رهبان تبحيرين عام 1995، وحتى اغتيال المطرب القبائلي معطوب الوناس عام 1998، واغتيالات أخرى غامضة لعبت فيها المخابرات في عهد "توفيق" دور رأس الحربة، إن لم تكن هي المنفذة الأساسية لها، بحسب ما يروّج في الكواليس الفرنسية خاصة.

أيضاً هناك ملفات تتعلّق بفساد جنرالات وعقداء في الجيش والمخابرات، يمتلكون عقارات ومؤسسات استثمارية ضخمة في أوروبا، وتلاحقهم شبهات تبييض الأموال، وهؤلاء لا يمكنهم التضحية بمكتسباتهم من أجل مكتسبات أخرى لجهاز المخابرات أو غيره، وهذا من بين أخطر الأوبئة التي تهدد بتفكيك المؤسسة العسكرية الجزائرية أو خنوعها التام لأجهزة أجنبية في هذه المرحلة الصعبة.

كل ذلك أعطى القوة الكبرى للاستخبارات الفرنسية كي تمارس ضغوطها براحة تامة، وتفرض خياراتها على مستقبل الجزائر وخاصة في مرحلة ما بعد الرئيس بوتفليقة، فالتوجه الرئيس لباريس هو دعم عائلة بوتفليقة في صناعة الرئيس القادم سواء كان السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس، أو يختار هو من يراه مناسباً له ويبقى في قبضته على مدار السنوات القادمة من عمر الدولة الجزائرية.

"توفيق" غادر جهاز المخابرات بمحض إرادته سواء كان خوفاً من ملفات ما قد تطال عنقه بدعم فرنسي، أو لأسباب أخرى نجهلها قد تنكشف لاحقاً، وطبعاً كلنا يدرك مدى الخوف الرسمي الجزائري من أيّ حراك فرنسي مناهض لتوجهات معينة لدى صناع القرار في الجزائر. ولذلك صار واضحاً أن ما يحدث في الجزائر جاء ضمن ترتيبات تسهر عليها المخابرات الفرنسية لصناعة حقبة جديدة فرضت نفسها بعجز الرئيس بوتفليقة.

أما من يسوّقون لوهم لدولة المدنية، فهو حق يراد به باطل، فكلنا ننادي بضرورة إخراج المؤسسة العسكرية من الحكم، وتقليم أظافر جهاز المخابرات الذي صار يوجد بين أنفاس الجزائريين مثل الهواء، ولكن هذا لا يمكن أن يأتي عبر ثكنات الجيش في إطار تطهير افتراضي يسوّق له بعض من لا يعرفون من المؤسسة العسكرية غير رتبة سابقة كانت لهم.

فلا يعقل أن تتحقّق هذه الدولة المدنية بإحالة جنرال على التقاعد وتعيين نائبه الأسبق في منصبه، فالفريق "توفيق" له ملفاته السوداء بخصوص حقوق الإنسان في الجزائر من خلال قرارات اتخذها من مكتبه، ولكن خليفته اللواء المتقاعد بشير طرطاق له ملفات أسود بكثير، بل أنه أثناء خدمته أشرف على تعذيب جزائريين بنفسه على موائد الاستنطاق.

نؤكد دائماً أن الدولة المدنية التي يسوّق لها هي مجرّد مهدئات للرأي العام؛ من أجل ترتيب المرحلة القادمة وفق ما تريده فرنسا عبر عائلة بوتفليقة، كما أن الدولة المدنية تأتي عن طريق صناديق الاقتراع في انتخابات نزيهة وبمرشحين مدنيين تتوفر فيهم كل الشروط، ولا تصنعهم الثكنات ولا يدعمهم الجنرالات، ولا يقف خلفهم أرباب المال والأعمال ممّن يتلقون الدعم، أو لهم شراكات غير معلنة مع صقور المؤسسة العسكرية… وللحديث بقية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة