يتحدثون عن الإلحاد

يغالي البعض بالحديث عن ظاهرة الإلحاد ثم يستعملونها في تسويغ الإقدام على خطوات مؤلمة بزلزلة الوعي المفاهيم.

الجمعة، 11-09-2015 الساعة 12:21


يغالي بعضهم في الحديث عن "ظاهرة الإلحاد"، ثم يستعملونها في تسويغ الإقدام على خطوات "مؤلمة" في زلزلة الوعي وزعزعة المفاهيم.

هكذا تقريباً تُستعمل مسألة الإلحاد والقول بتفشيها، مقدمةً ذرائعية بين يدي خطابات ترفع لافتات "التجديد" في الخطاب الديني، أو ككاسحة ألغام لتمرير مساعي التفكيك والتحطيم والتفريغ والتأويل في مسائل الدين ذاتها.

يأتي بعضهم بالحديث عن الإلحاد كما يستدعي الهلع اللصيق بظاهرة "داعش"، تلويحاً بالهراوة المعنوية المفزعة لتمرير خطابات سياسية وثقافية وتاريخية وأيديولوجية بين حطام اللحظة التاريخية الراهنة.

ليس خافياً أنّ "ثورة السيسي الدينية"، مثلاً، أمعنت هي الأخرى في استعمال "موجة الإلحاد" ذريعة لخوض ملحمتها المفاهيمية. ينبري متحدثو "الإصلاح الديني" ممن يتوزعون على العمائم وربطات العنق، لتشديد النكير على "استعمال الدين في السياسة وسفك الدماء باسمه"، لكنهم يحتفظون بأحقية الحاكم العسكري وبطانته في استعمال الدين والنصّ المقدّس في خدمة المنظومة، ونسج الفتاوى وتدبيج الخطب المنبرية للحث على سفك الدم و"الضرب في المليان".

لا يمكن وضع الخطابات جميعاً في كفة واحدة؛ لكنّ التلويح بالمآلات التهديدية على هذا النحو قد يُراد منه الدفع إلى "مراجعات" محكومة بالهواجس المنثورة في أجواء الواقع الراهن؛ بدل أن تخضع للتناول المتوازن والمنهجيات المنضبطة. "سيخرج الناس من دين الله أفواجاً"، وفق هذه التحذيرات، وما على الجمهرة إلا أن تستسلم لما يصوغه أولئك المتحدثون من مقولات قطعية وأحكام جازمة تلافياً للمآل المحتوم، مع التنازل عن استعمال حس النقد والتمحيص خلال الوقوع في قبضة هذا الخطاب المثير للهلع.

ما يغيب عن الحديث عادة؛ أنّ الإحساس بتفشي ظاهرة ما قد لا يتطابق مع كيفية تطورها في الواقع، كما أنّ تواريها عن عيون الجمهرة في ما سبق لم يكن لينفي وجودها آنذاك. فما استجدّ في هذا المقام أساساً هو أنّ أصوات المجتمع جميعاً باتت تحوز فرصة الإسماع وإحداث الضجيج مهما قلّ المنتسبون إلى كل صوت منها، وبهذا تعيد المجتمعات اكتشاف التفاصيل الكامنة ضمن واقعها بعد أن تجاوزت التطورات مركزية التعبير عن المجتمع واحتكار قنواته.

والواقع أنّ حالات الشك والإلحاد بصورتها الفردية أو الجماعية، لم تغب يوماً عن المجتمعات ولو كانت مسلمة، حتى تمددت الشيوعية مثلاً في ثنايا مجتمعات عربية ومسلمة، ومعها مذاهب وفلسفات غير متصالحة مع الإيمان، بل شارك وكلاؤها المحليون في الإمساك بزمام الحكم طوعاً أو كرهاً، ومنها عدن، عاصمة الشطر الجنوبي من بلاد الحكمة والإيمان.

ومع ذلك؛ فلم تكن اللافتة الحمراء في التطبيق العربي لتعني بحد ذاتها التنصل العميق من الدين، حتى اشتهر عن قيادة الحزب الشيوعي السوداني ريادة المساجد مثلاً، وقيل في بلاد الشام إنّ الانتماء الأحمر قد لا يتجاوز القشرة الخارجية فالجوهر يبقى على فطرته، وعبّر بعضهم عن ذلك بالوصف الطريف: "شيوعي فجلة"!

على أنّ الإلحاد، في منحى الإفصاح الجديد عن ذاته في المجتمعات العربية، يتناغم مع نزعة تحدي النسق الثقافي المرجعي للمجتمعات. يستقوي المنجرفون مع الحالة بالشبكات الاجتماعية مثلاً وببعض التطبيقات المدنية التي تمارس فعل الانتظام وتكثيف الحضور وتضخيم الأثر. ولا يبتعد ذلك في نفسيّته وتمظهره عن تجارب أخرى متضافرة، كإعلان التمرد على الشعائر الإسلامية والاصطدام بالحس الديني العام، من قبيل جماعة المجاهرة بالفطر في رمضان مثلاً في الواقع المغاربي، التي يستلهم متحدثوها وناشطوها تقاليد العمل الرائجة في المجتمع المدني العالمي.

يتقمص خطاب الإلحاد في حضوره الإعلامي والمدني رداء "العقلانية"، فيراهن على غواية الذين تسحرهم مقولات تمجيد الذات واختياراتها وتقديس العقل وتفضيلاته، وهي حالة تتفاعل في خضمّ ثقافة العولمة. وإن أوحى بعضهم باجتياز "رحلة فكرية معمقة" أوصلته إلى هذا الاختيار؛ فما يَسهُل اكتشافه أحياناً أنّ بعض الرؤوس محشوة بمقولات محبوكة أو شعارات أيديولوجية، تم تجهيزها مسبقاً في "لوبي الإلحاد" وأعيد إنتاجها وتمريرها بما يتناغم مع نفسية الجماهير في هذه الحقبة.

من المفارقات أنّ القوم الذين يرفعون اللافتة يتباهون بالتنصّل من "الدين"، لكنهم يشكِّلون في الثنايا ملامح اعتقادية، تجعل هذا الفريق أو ذاك يحاكي في ما يعتقد طائفةً بحيالها. فالواقع أنهم يفرّون من المعتقد إلى المعتقد.

وقد نرى في انشغال بعضهم الدائم بوجود الله كناية عن إيمان مكبوت في الأعماق، وهو كبت تساهم فيه ثقافة العصر التي تأخذ بالألباب وتهيمن على الوعي وتجعل الإنسان يحسب أنه في مركز الكون وإن كان لا يُرى بالعين المجردة من رؤوس الجبال.

يميل إنسان الحاضر إلى تأكيد ذاته، وتضخيمها، والتعالى بها، حتى يتطلّع بعضهم لأن يشغَل بنفسه موقع الألوهية وإنْ بصفة لا شعورية، فلا يرى شيئاً يعلوه سوى منظومة ضوابط وقوانين وأعراف صاغها البشر أنفسهم.

كيف يبدو الشعور الذي يخامر بعضهم عندما يجرِّب التمرّغ في العصيان والتمرد على مرتبة المخلوق فيسعى إلى مناجزة خالقه؟ إنه الإنسان ذاته الذي يتضعضع إزاء مديره في العمل، أو يتقلص في حضرة المخالفة المرورية، أو تعلو صرخاته في عيادة الأسنان.

يضيقون ذرعاً بالمقدس لكنهم ضالعون في التقديس، فلا تبقى مساحة المقدس في وعي الإنسان شاغرة بأي حال. سيقدسون قناعات وشعارات، ومقولات وأنظمة، أو يعظِّمون وجوهاً وأسماء، ولو على طريقة أولئك الذين طمسوا الدين من حولهم ثم نحتوا الأصنام بأحجام شتى لماركس ولينين، فنصبوها في الميادين والمكاتب والمنازل، وجعلوا "المانيفستو" كتاباً مقدساً في هيئته وهيْبته.

ولو أزيحت المقدسات جميعاً من الوعي فقد يكون الإنسان ذاته هو الذي تألّه، حتى صاغ أحدهم هذا المعنى بالتعبير الفجّ الذي أطلقه في برنامج عربي للفرجة: "هنا الله"، وأشار إلى عقله. لم يَقو أحد على مناقشة المتحدث الجسور عبر البث المباشر، فمن بوسعه خوض المواجهة مع سحر الاعتداد بالعقل؟ لكنه العقل الذي يترنح بأثر الشراب المتخمِّر، أو بمفعول شهقة من مسحوق أبيض، وهو العقل ذاته الذي يتفنّن خبراء التسويق والترويج والدعاية في إخضاعه والهيمنة عليه لدفعه إلى قرارات لا مصلحة له فيها؛ كشراء ما لا يحتاج، أو انتخاب الفاسدين.

في التعبير الراهن عن مسألة الإلحاد إفصاح مهم عن حيرة أجيال عربية ومسلمة مسّها طائف من "ما بعد الحداثة"، التي تفصم العلاقة بين الدال والمدلول، وتمضي في إسالة المعايير وتقويض القيم والمبادئ من داخلها. تأتي التفاعلات على البنيان الاجتماعي فتنزع الوصف والمعنى حتى عن المفاهيم التأسيسية المتعلقة بالأسرة والزواج والذكر والأنثى، لتصبح هذه جميعاً ألفاظاً غير محددة الفحوى فتحتمل طائفة من النماذج والحالات في التطبيق العملي. ألا يكون للمجتمعات العربية الحائرة نصيب من هذا الاضطراب المفاهيمي في ظلال أعمدة الدخان ورشقات القذائف وألوان الهلاك وسقوط المبادئ وتهاوي الشعارات؟

ومن مستجدات العصر أن تتفاعل بعض الظواهر وتتحرك أسرع من أي وقت مضى في التاريخ البشري، وأن تنتفي حصانة المجتمعات، فلا تعود مسوّرة بل تنكشف إزاء المؤثرات جميعاً من الأديان والمذاهب والأفكار والنزعات. تتضاءل مظاهر التجانس في النطاقات المجتمعية، فتتداخل المعتقدات والأديان والمذاهب، وتعلو معها الشكاوى المألوفة من "التشيع" في مجتمعات السنة، و"التسنن" في مجتمعات الشيعة، و"التحنبل" في مجتمعات المالكية الأشاعرة، و"التصوف" في مجتمعات التسلّف، و"التسلّف" في مجتمعات التصوف، واعتناق الإسلام في أعماق المجتمعات الغربية، أو التنصّر في بعض الأرجاء المسلمة، فهي ظواهر "باقية وتتمدّد".

لا غنى عن استيعاب حالات "الشكّ" ضمن مساعٍ حوارية في النطاقات الخاصة والعامة، مع الترفق في وصف مقامات الفعل الذهني والشعوري في زمن الاضطراب، والحذر من دمغ الحائرين بوصمة المروق من الدين. ولا مناص من الاعتراف بما تحظى به مسألة الإلحاد من أمارات الحماية السياسية أو الاحتضان الإعلامي أو التسويغ الثقافي في بعض الأرجاء، إذ يجري العطف الماكر على الحالة إلى حد تبريرها، توطئةً لتوظيفها في حرب الأفكار المتأججة.

ما ينبغي الإقرار به في كل الأحوال؛ أنّ مناهج التعليم ليست مصممة لاستيعاب هذه المتغيرات الضاغطة، ومن المشكوك فيه أن تنجح المدرسة بصورتها الراهنة في تمكين الأجيال من الإبحار وسط أمواج العصر المتلاطمة، فضلاً عن قدرة المضامين الإعلامية والإرشادية المتاحة على النهوض بالدور. كما تعجز وفرة من الخطابات الرائجة في الفضاء الديني عن استيعاب التفاعلات الجارية في المجتمعات الإنسانية اليوم، ومنها ما يتلبّس الظاهرة الكبرى المسماة بالعولمة من تداعيات عميقة تداهم المجتمعات من حيث لم تحتسب.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة