يخنقون غزة ويعجبون لماذا تطلق الصواريخ!

مرةً أخرى تمتحن غزة قدرة المجتمع الدولي وضميره وصدقية مبادئه. إنه الإجحاف نفسه، والاصطفاف والانحياز والكيل بالمكيالين نفسها.

الاثنين، 14-07-2014 الساعة 10:32


مرةً أخرى تمتحن غزة قدرة المجتمع الدولي وضميره وصدقية مبادئه. إنه الإجحاف نفسه، والاصطفاف والانحياز والكيل بالمكيالين نفسها. لا شيء يتغيّر عندما يتعلّق الأمر بإسرائيل، فحتى الدول التي تحاول التظاهر بالحياد تستسلم لغرائزها وعُقدها الأصلية، وأقصى ما تستطيعه هو المساواة بين الطرفين من دون اعتبار للخسائر البشرية ولا للدمار الذي يودي بما تملكه آلاف العائلات للسكن أو للعمل. وعندما يتكرر العدوان لا تعود اعتياديته تثير ردود الفعل القوية ذاتها، كما لو أن العادة تصبح طبيعة ثانية تقول: إن «الطبيعي» أن تبغي إسرائيل وتقتل وتدمر وترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومن الطبيعي كذلك أن يتعرض الشعب الفلسطيني لكل هذا الاضطهاد وهو يقاوم عدواً يحتلّ أرضه.

إحدى أكبر الثغرات في عمل مجلس الأمن الدولي أنه لم يتمكّن على مرّ العقود من تبنّي الدبلوماسية الوقائية ووضع آليات لعملها، رغم النقاش الطويل والتجارب الكثيرة التي أثبتت الحاجة الماسّة إليها، خصوصاً عندما تكون هناك حروب ومجازر ومآسٍ معلنة مسبقاً، كما يحدث في غزة. وفي حال إسرائيل التي تحصّن أميركا استثناءها من القانون الدولي، تتعدّد تلك الثغرات فتعفي هذه الدولة المارقة من أي مسؤولية أو التزام، بل تبعد عنها أي محاسبة أو إدانة أو حتى مجرد لوم على جرائمها الموثّقة. هذه دولة تحارب بشروطها وقواعدها الوحشية، وإذا حصل أن تفاوض «على السلام» فبشروطها أيضاً بحيث لا يمكن التوصّل معها إلى أي سلام، وحين لا تكون حرب بل هدنة حذرة فإنها تجيز لنفسها مواصلة الحصارات والاعتداءات والاغتيالات.

كان على السلطة الفلسطينية أو على الجامعة العربية أن تستحثّ المجتمع الدولي قبل أسبوعين من بداية العدوان الإسرائيلي الجديد على غزة، عندما كانت قوات العدو تنكّل بالضفة الغربية وأهلها. إذ كان واضحاً أن هذا العدوان يستدرج تفجيراً أكبر، فحكومة المتطرّفين في إسرائيل لا تعترف بأي ضوابط، وإذا كانت تمارس عداءها لحركة «حماس» بشكل يومي ومعلن، فإنها لا تقلّ عداءً للسلطة أو لحركة «فتح»، وبالتالي كانت تتحيّن الفرصة لضرب «حماس» وتهميش السلطة، ووجدت أن الفرصة سنحت بعد خطف المستوطنين الثلاثة وقتلهم. صحيح أنها تعيش شبه عزلة دولية، إلا أن القوى الخارجية التي تعاطفت معها في هذه الواقعة اعتبرتها أقرب إلى حادث محلي وعارضت ضمناً الرد الجنوني وغير المتناسب الذي لجأت إليه حكومة بنيامين نتنياهو في الضفة. في هذه اللحظة كان يُفترض التحرك دولياً لاحتواء أزمة بدا مؤكداً أنها ستتصاعد.

ثم إن الأعمال الانتقامية التي ارتكبها المستوطنون، وسط تجاهل دولي، هي التي بررت عودة صواريخ غزة إلى الانطلاق باتجاه المستوطنات والمرافق العسكرية الإسرائيلية. ومع التمادي في الغارات الجوية لم يكن وارداً أن تتوقع إسرائيل استسلاماً غزياً تلقائياً، بل كان الرد بعمليات نوعية في قاعدة «زيكيم» البحرية وبوابل من الصواريخ أثار هلع الإسرائيليين.

عشية البدء بالعدوان على غزة، كان حلفاء نتنياهو يلوّحون بالابتعاد عنه، وزير خارجيته أفيجدور ليبرمان طالب باجتياح غزة، واعتبر أن رئيس الوزراء يتلكّأ، لذا أعلن فك اندماج حزبه (إسرائيل بيتنا) مع «ليكود». أما وزير الاقتصاد الموتور نفتالي بينيت فشارك لوبي المستوطنين الضغط لإقرار توسيع إضافي للاستيطان ردّاً على صواريخ غزة. أما الحلفاء الأقل تطرفاً فحذّروا نتنياهو من اندلاع انتفاضة ثالثة ظهرت أولى معالمها خلال مواجهات الضفة غداة قتل الشاب الفلسطيني محمد أبوخضير بإحراقه حياً. كان نتنياهو يصطنع ضبط النفس والانتظار بضعة أيام من أجل بيع «ذريعة الحرب» إلى الرأي العام الخارجي، وهي «وقف الصواريخ التي تهدّد أمن إسرائيل» كما في 2008 وكما في 2012.

عندما تُترك الحرب تأخذ مجراها على نطاق واسع، ويتباطأ مجلس الأمن في الانعقاد، فإن انعقاده يشكّل بداية الانتظار كي ينهي مشاوراته حول «صيغة القرار». وسواء كان الاعتماد على مجلس الأمن، أو على الوساطات، فإن الهدف هو «وقف إطلاق النار» لكن البحث يغرق في الشروط والآليات مع الأسباب المباشرة للحرب.

لكن الأهم في حال غزة أن تكون هناك معالجة حقيقية للأسباب المزمنة: من الاحتلال أولاً وأخيراً إلى الحصار إلى الاجتياحات إلى التصميم الإسرائيلي على فصل القطاع عن الضفة، أي الفصل الجغرافي بين أبناء الشعب الفلسطيني. أما البند المتعلّق بالمساعدة في إعادة الإعمار فنادراً ما يخضع تنفيذه أيضاً لإرادة الطرف المعتدي، أي سلطة الاحتلال... هذه جميعاً المسائل التي يجب أن تحلّ لئلا يكون وقف النار مجرد هدنة.

منذ اليوم الأول للعدوان الحالي أعلنت «كتائب القسام» استعدادها لتجديد التزام اتفاق الهدنة الذي أبرم في نوفمبر 2012، واشترطت الإفراج عن الأسرى الذين كانوا أطلقوا بالمبادلة ثم أعيد اعتقالهم. والأهم أنها دعت إلى رفع اليد عن المصالحة الفلسطينية والكفّ عن تخريبها. أما العدو الإسرائيلي فلم يتحدث عن هدنة ولم يعلن أي شروط، ما يعني أنه حدّد أهدافاً يريد أن يحققها عسكرياً قبل الموافقة على وقف النار. وكان ملاحظاً أن الجهتين المتوقعتين للتوسط، وهما الولايات المتحدة ومصر، لم تبديا استعجالاً. فواشنطن تذرّعت بأن إسرائيل باتت في عمق عملية واسعة وليست مستعدة للبحث في وقف النار إلا بعد تحقيق «إنجاز» ما، وترجمة ذلك أن الأميركيين لن يتحرّكوا إلا بعد أن يبلغهم الإسرائيليون بأن «الإنجاز» تحقّق. وعندئذ فقط يبدأ الدور المصري لينقل الشروط إلى الجانب الفلسطيني. لا أحد سعى إلى تفادي الحرب، وكثرٌ هم الذين يريدون ضربة لـ «حماس».

«العرب القطرية».

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة