يكفينا شعارات ولنبدأ مشوار العمل

لقد غدت الحاجة ماسة اليوم للتجارب الجديدة المنطلقة من رحم المنطقة الشرقية وعلى أيدي أبنائها.

الأحد، 12-07-2015 الساعة 23:39


لقد نظّر الإعلاميون والساسة والمفكرون علينا لعقود فيما يجب، وفي وسائل ترسيم الأهداف وتحقيق التنمية، وامتلأت المكتبات لدينا بالتجارب الذاتية وتجارب الآخرين فشلاً ونجاحاً، وبتنا كنخب مثقفة ومتعلمة في هذا الزمان على قدر من الوعي يخولّنا أن نعرف الغثّ من السمين، والسمّ من الدسم، والخيرَ من الشر، ولا ينقصنا في مجال النظريات شيء من القيم والمفاهيم والحِكَم.

اليوم، وبعد سلسلة التطورات والتقلبات والظروف السياسية والاقتصادية والأمنية والمعرفية والصراعات الفلسفية، لم نعد بحاجة إلى أرسطو طاليس ولا الفارابي ولا مالك بن نبي ولا غيرهم من الفلاسفة والمتحدثين وعلماء المنطق والكلام، نحن بحاجة فقط لمن يعلق الجرس، لمن يقول ها أنذا، سأبدأ مشروعي الذاتي في البناء والتغيير.

لقد غدت الحاجة ماسة اليوم للتجارب الجديدة المنطلقة من رحم المنطقة الشرقية وعلى أيدي أبنائها، تجارب تستوعب ما تم، وتستقرئ من التاريخ الشواهد، ومن خلال السياسة وألاعيبها كيفيات وآليات تسيير الأمور، وتقدم حلولاً عملية للمشكلات الصغيرة التفصيلية المناطقية وصولاً لمشروع شمولي تتعاهد عليه نخب المشرق كلها بعد ثقتها بنجاحه وامتلاكه مقومات الثبات.

في تونس تجربة، وفي ليبيا تجربة، وفي تونس معادلة، وفي اليمن معادلة أخرى، وفي لبنان معطيات، وفي سوريا معطيات أخر، وفي العراق مخططات، وفي فلسطين مخططات أخرى، ومن مغاربنا إلى خليجنا العربي أمسينا نمتلك عشرات الجامعات التخصصية، ومئات مراكز الدراسات والبحوث، وآلاف مؤسسات العمل الأهلي غير الحكومي، ولدينا بحمد الله ملايين الشباب المستعد لحمل الأمانة ومواجهة التحديات مهما عظمت، ولدينا من قدراتنا ومواردنا ما يمكن لنا من خلاله إحداث الفارق في معادلة المصالح الدولية.

الوقت إذاً وقت العمل، وقت طرح البرامج الفعلية، وقت التيارات الفكرية الواعية، والبرامج السياسية التي تتجاوز الكلاسيكية القاتلة ورواية الطرح الفئوي والإقصائي، هذا زمان بناء ذاتٍ جديدة تكاملية، يشترك في رسم ملامحها القلمُ المفكر، والسيفُ الثائر، والمالُ الطاهر، وعدسةُ الكاميرا الأمينة، وعقلُ القيادة الشبابية الناضج.

التحدي الماثل أمام نخبنا اليوم ليس تكالب الدول الغربية - وإن كان ذلك أحد المعطيات التي يجب الوعي بها وفهم مداخلها ومخرجاتها - وليس المال ولا السلاح، بل هو الخوف الذي لم ينكسر لغاية الآن، الخوف من الفشل، والخوف من دفع الضريبة، والخوف من فشل التجربة الجديدة، والخوف من الخونة في داخل الصف، والخوف من نقطة البداية.

لقد بدأت الثورات على مدار التاريخ في أوروبا والمشرق الإسلامي من مواقع شتى، بعضها بدأ في الكنيسة وبعضها في مقابل أبواب الكاتدرائيات رفضاً للهيمنة الكنيسة، وبعضها بدأ من المقاهي وبعضها الآخر بدأ من المساجد، ولكن أعظم الثورات التي تمت على مساحة العالم احتاجت إلى رائد وشعار ورؤية وحافز.

رائدٌ يثق الناس به وبعقله، وشعارٌ يؤمن الناس بأنه الحل لمشكلاتهم، ورؤية واعية لمستقبل المسير بهذا الشعار وخلف هذا الرائد القائد، وحافز يجمع الناس بمختلف شرائحهم خلف القيادة والشعار والرؤية.

فليبدأ كل منا فى موقعه بتقديم مشروعه، ولتكن الآمال كبيرة، والأحلام عريضة، فما من تغيير قام بلا حلم، وما تحقق حلم إلا بعد إيمان الجماهير بقابليته للتحقيق في أرض الواقع.

مارتن لوثر كينغ، مالكولم إكس، الأمير عبد القادر الجزائري، تشي جيفارا، عمر المختار، وغيرهم الكثير قادوا شعوباً نحو الآمال التي آمنوا بها، وسارت الجماهير خلفهم لأنهم كانوا قيادة واثقة بما تطرح ولديها قابلية المواجهة، فالناس تحب خطاب القوة وخطاب التجديد، وتعشق القائد الذي يزأر برؤيته في كل ميدان، عاملاً لغيره لا لنفسه، منتفضاً على كل التقاليد والأعراف والأمثال المحبطة وشعارات التهذيب ودعوى الخوف من التغيير، واليوم سمعنا بأسمائهم وأحلامهم وثوراتهم وأفكارهم لأنهم قضوا في سبيلها ورووا أفكارهم بدمائهم.

وكلمة أخيرة ومثال حي، في تركيا ، تمت الإطاحة بالقائد السياسي ورئيس الوزراء التركي عدنان مندرس، وتم إعدامه على يد العسكر الانقلابي، وتم نفيه خارج تركيا، وهو شخص علماني لم يعرف عنه أنه ركع لله ركعة، ولكن الشعب التركي كله اليوم، من عرفه ومن لم يعرفه يدعو له بالرحمة؛ لأنه قام بتعريب الأذان بعد أن كان ينادى به في اللغة التركية، وبعد عقود، أعيد جثمانه لقلب إسطنبول، ووضع في أبرز نقطة فيها، وسميت آلاف المحطات والسفن والمراكز والمؤسسات والشوارع باسمه لأنه أحدث فارقاً واحداً في الحياة، فكيف بك إذا سبقته بفعل أكبر!

أنت قادر بلا شك، فبادر ولا تتردد، ولا تنتظر أن يأتي الحل لمشكلات الواقع من مظلة تنزل علينا من السماء أو عصى سحرية تقلب الواقع دون تعب وجهد وتخطيط وبذل.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة