يوم الهمبرجر الوطني

ونحن لسنا هنا بصدد "جلْد" الثقافة الأمريكية، فالبيت الأمريكي إن كان من زجاج، فنحن أصلا "لا بيت لنا"

الثلاثاء، 02-06-2015 الساعة 07:21


لا يمكن تخيل أمريكا بدون الهمبرجر أو الـ"برجر"، فهو أيقونة أمريكية خالصة، واختراع غذائي رديء يمثل وجها من أوجه العولمة الأمريكية، وتكاد معظم أجناس البشرية في العالم "المتطور"، فضلا عن أقارنهم في العالم المتورط "أي الغير متطور!"، تحمل البرجر في وعيها الغذائي، كغذاء استعماري، قادم عبر الحدود، يجتاز الأفواه وهو يرفع العلم الأمريكي بفخر واعتزاز، بكل دهونه وشحومه ومكوناته مجهولة المصدر!، ثم ليمارس بعد ذلك -كما تفعل السياسة الأمريكية- نمطا من الهيمنة على الأجساد: فيعيد رسم "خارطتها" متلاعبا بقيمها الجمالية، فينفخها من هنا، ويرهّلها من هناك، ويضيق شرايينها من هنا وينشط أسواق عقاقير الكوليسترول (وأمراض أخرى) من هناك، ويُخضع كل خلية في الجسد، طوعا أو كرها، لمآلات التعاطي؛ مع الغذاء الأمريكاني!

ومن ثمّ: هي ليست مجرد "ساندويش"، كما أنها ليست من فئة ساندويشتا الفلافل والشاورما (مثلا!) البريئتان، بل هي ذات تأثير ورمزية وموقع متقدم في رأس صاروخ العولمة الأمريكي، المخترق للثقافات!، ولأجل هذا: يكتسب البرجر احتراما وطنيا خاصا في الولايات المتحدة دونا عما سواه من الأطعمة والغذاء، ويُحيي الأمريكيون في الثامن والعشرين من مايو كل عام: يوم الهمبرجر الوطني، وما أدراك ما يوم الهمبرجر الوطني!

إنه يوم الساندويشة الإمبريالية ذات الخس والبصل والمخلل المتربع على عرش من قطعة لحم (أو لنقل قطعة بروتين مشتقة من حيوان ما قتله الأمريكان!)، تحاوطها من فوقها ومن أسفل منها "صمونة"، "أو في رواية صامولي"، أو نوع من المخبوزات المستخدمة للشطائر، وهي في وجهٍ من وجوهها، تجسيد للمجتمع الأمريكي المتعدد الألوان والأعراق، الغير منصهرة ولا متجانسة، تجمعهم شطيرة الدستور المخبوزة بالحديد والنار، والجمر والشرار!، وهي فضلا عن ذلك تحمل رمزية لسياسة الإحتواء الأمريكية، حيث تجد شعوبٌ شتى نفسها محبوسة بين ضفتي تلك الشطيرة، ومجبورة على التعاطي مع الهيمنة الأمريكية على مصالح تلك الشعوب وهويتها ومستقبلها.

إذا دخلت معدتك في أزمة جوع، فإن الاستعانة بالحل الأمريكي وشراء "برجر" سيدخلك في منظومة "إدارة الصراعات" التي تمارسها واشنطن على حلفائها: فالبرجر سيقدم لك نوعا من "إدارة الجوع": حيث ستحصل على الشعور بالشبع ولكن جسدك لن يحصل على غذاء، بذات منهجية أمريكا القائمة على إدارة مشاكل العالم، دون حلّها ولا إنهائها! بل إن الولوغ والإستمراء مع الحلول الأمريكية "البرجرية!" يساهم برسم أبعاد أكثر عمقا للمشكلة الأصلية، فينتج عنها أمراضا تتطلب تمويل شركات الأدوية (من جيبك الخاص طبعا) لـ "ردعها"، والشركات العملاقة هي بالطبع هيكل صاروخ العولمة الهادم للحضارات، العابر للقارات، ومازلنا -مع الأسف- نتعاطى مع الحلول الامريكية التي تسمن ولا تغني من جوع، ومازالت سياساتنا رهينة ضفتي شطيرة البرجر، المعمولة خصيصا على يد العم سام، بكل ما فيها من موت زؤام!

هي إذن شطيرة البرجر ذات الأبعاد الدائرية، حيث لا بداية ولا نهاية لها، ولا لمشاكلها، وهي الترميز المبدئي لهيمنة ثقافية يُراد لها أن تجعل العراقي يتنازل عن "الدولمة" و"الدليمية"، والأردني عن "المنسف" والـ "الفلافل"، والسعودي عن الـ "كبسة" والـ "الشكشوكة"، مستبدلين أسياد الأكلات وملكاتها: بأدنى الطعام وأردئه، أي تلك الخلطة الـ "برجرية" المصنعة في المختبرات لا المطابخ، وقد نجحوا بذات الشيء في السياسة، فأستبدلوا قيادات المجتمع وطبقته الحاكمة -رغم كل نقائصها- في العراق والصومال وغيرها، بكائنات قادمة من أدنى المجتمع، فهذه هي المنهجية الأمريكية، وهكذا هم يفعلون، حيثما يحلّون ثم يرتحلون!

ومازلنا نتلمس بكل نية حسنة، وبتجرد موضوعي كامل، أي قيمة أخلاقية أو حضارية يمثلها "البرجر"، لكننا عَـيـينا، فكل ما تنشره أمريكا في عالمنا الحاضر، هو "البرجر" الخالي من قيمة غذائية و"الحروب". ومع اعتذاري العميق لزملائي الباحثين بالجامعات الأمريكية، والذين أعلم تجردهم للعلم وإخلاصهم للإنسانية، فإن انتاج أمريكا الضخم في شتى مجالات العلم والصناعة يتمخض فقط عن تصديرٍ للموت المصنّع بإتقان ومتانة أمريكية معروفة، سواءا في شكله السلمي الـ "بُرجري"، أو بشكله الحربي البربري!

هل بقيت أمريكا أيقونة الحرية في العالم؟! مع الأسف، جيلنا والجيل الذي سبقنا يراها أيقونة حربية، أي بإضافة حرف الباء لكلمة "حرية"، ولا نعلم كم بقي من أولئك الحالمين بالوصول إلى شواطئ نيويورك، أرض الفرص كما كانوا يقولون، لكننا نعلم يقينا أن جيلا كامل عرف الولايات المتحدة عبر سجونها السرية التي رعتها المخابرات الأمريكية حول العالم تحت مسمى مكافحة الإرهاب، بل إن ملايين لا تعرف اسما لسجن واحد في كوريا الشمالية، لكن ينتصب معتقل غوانتانمو الرهيب كأيقونة أمريكية ذات سمعة عالمية تُحاكي "بُرجرها"، وهي تجسد جانب همجي بعقلية من يدير ذاك البلد الذي نُكِن (إنسانيا) لشعبه المودة والاحترام، شأنه شأن كل شعوب الأرض، وقد كنا نعتقد بأن أمريكا ستسقط كتبا وكرارايس وأقلام من طائراتها بدون طيار، أو حتى شطائر برجر على الأقل!، لكنها أسهمت للبشرية بأحدث منتجاتها حضارتها: قذائف الموت التي تطلقها طائراتها "الدرونز" حول العالم، فتقصف أرواحا "إرهابية" وأخرى معها بريئة، فلم ينتهي الإرهاب، ولكن مع الأسف: احترق الأخضر واليابس بمخبوزات أمريكا الصاروخية!

ونحن لسنا هنا بصدد "جلْد" الثقافة الأمريكية، فالبيت الأمريكي إن كان من زجاج، فنحن أصلا "لا بيت لنا"، لكننا بصدد تعريف حالة من الفراغ الفكري والحضاري، أخفقت أمريكا والغرب بملئه بعدما أوهمت أجيالا سابقة في ستينات القرن العشرين وما تلاها به، وهو فراغ قاتل يمنح "ذئاب الفكر" مساحة للعمل، استغلتها لرسم صور وهمية لحضارة تعِد بها "داعش"، تبنيها في الأذهان على أرض من الخيال اللذيذ للـ "جنة" ونعيم الآخرة، شأنها شأن الحضارة التي تُبشر أتباعها بها قيادات "الحشد الشعبي" في العراق وما يجاوره، لصناعة آلة القتل والإفساد العملاقة، في استغلال خبيث للفراغ الناجم عن إخفاق الغرب حضاريا، وتراجعه فكريا، ومخالفة قيمه المثالية الإنسانية بأفعال حيوانية، جعلت من الإنسان الحديث: وحش الغابة الأول!

إن حقيقة الفراغ الذي أعقب سقوط "البرجر" كقيمة أخلاقية وحضارية، فضلا عن الغذائية، ينبغي أن يدق ناقوس الخطر للمفكرين، فالطرف الاخر المواجه للهيمنة الأمريكية لم يقدم أي بديل حضاري حتى الان، ونحن نتحدث عن الخطاب وعن القيم. فالأمريكيون نجحوا بـجــرِّ الطرف الاخر من قمته المثالية إلى قمامة الفكر، وحثالة الوعي، حيث يكون قانون الغابة المخيف، فلما صنعت داعش سلخانة ضخمة، لم يكن صعبا إيجاد الذبّاحين، وهؤلاء ليسوا سوى كائنات فارغة فكريا لم تجد من يملأها سوى "الوعود بالجنة"، بعد اليأس من حضارة الدنيا، وقوة العلم، وارتقاء القيمة الأخلاقية، وعلو الكرامة البشرية، فقد أخفق "البُرجر"، واخفق "الكابوي"، وتلاشى خيال "عصر الفضاء"، وانطوى المفكرون وانعزل العلماء، فلا فكر بديل، ولا بشارة حضارية للبشرية في ليلها الهمجي البهيم، وحتى نسمع خطابا انسانيا جديدا: ستستمر الوحوش بالتهام البرجر ونشر الموت!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة