أزمة الوقود.. عبء جديد يثقل كاهل المواطن السوري

الأسعار المحلية التي أقرتها حكومة الأسد أعلى من السعر العالمي

الأسعار المحلية التي أقرتها حكومة الأسد أعلى من السعر العالمي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 18-12-2014 الساعة 09:29
إسطنبول - عدنان علي - الخليج أونلاين


تعيش سوريا، بشكل عام، أزمة في توفر الوقود بكل أشكاله، نتيجة فقدان النظام معظم آبار النفط، ونتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لمجمل مراكز إنتاج الوقود، من بنزين ومازوت وغاز، إضافة إلى استخدام النظام مادة الوقود، كغيرها من حاجات الناس الغذائية والخدمية، باعتبارها وسيلة ضغط على معارضيه، أو وسيلة للتربح من جانب أنصاره وشبيحته، في المناطق الخاضعة لسيطرته.

ومنذ أكثر من أسبوعين، يعاني سكان العاصمة دمشق من عدم توفر مادة البنزين في معظم محطات الوقود التي أغلق كثير منها أبوابه لعدم توفر المادة.

وبحسب ناشطين، لم يتبق في مجمل العاصمة سوى ثلاث محطات بنزين تشهد ازدحاماً شديداً، وسط محاولات الكثير من أصحاب السيارات وخاصة أصحاب السيارات العامة الحصول على كميات مضاعفة من البنزين خوفاً من تفاقم الأزمة في الأيام المقبلة.

التبرير الرسمي

السلطات الرسمية حاولت بداية نفي وجود أزمة، معتبرة أن ما يتم تداوله بهذا الشأن مجرد شائعات دفعت الناس إلى التزاحم على محطات الوقود، ما تسبّب في نقص حاد في المادة.

لكن وزارة النفط في حكومة النظام السوري اعترفت بوجود نقص في مادة البنزين ومجمل المحروقات، وعزت ذلك إلى استهداف آبار النفط من قبل الفصائل المسلحة وقطع إمدادات النظام والطرق إليها، مما صعب عملية إنتاجها ونقلها إلى مراكز المدن، إضافة إلى العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب على النظام السوري، والتي انعكست سلباً على اقتصاد النظام ومنها مادة النفط والتجارة بها.

ويلاحظ هنا أن كل هذه المبررات تلقي باللوم على المواطن نفسه الذي يصدق الشائعات، أو على المعارضة المسلحة التي تستهدف آبار النفط، أو المجتمع الدولي الذي فرض عقوبات على النظام، دون الإشارة إلى أية مسؤولية للنظام الذي يستخدم هذه المادة للضغط على المواطنين وابتزازهم، والذي يحمي ويتشارك مع مجموعة من التجار المنتفعين في افتعال هذه الأزمات، لتحقيق أرباح طائلة، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود بشكل مضاعف تقريباً.

وبحسب وكالة الأنباء الرسمية (سانا)، فقد بحث رئيس حكومة الأسد، وائل الحلقي، خلال زيارته الأخيرة إلى طهران "توفير المشتقات النفطية، من خلال ضمان تواتر وصول ناقلات النفط إلى المرافئ السورية، لضمان سد احتياجات الشعب السوري، منعاً لحدوث أي اختناقات في السوق.

رفع الأسعار

وخلافاً لما يحدث في كل أنحاء العالم، حيث تتجه أسعار المحروقات إلى الانخفاض بشكل عام، نتيجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط، فإن حكومة الأسد عمدت إلى رفع أسعار جميع المشتقات النفطية. وبعد يومين فقط من قرارها رفع سعر مازوت حافلات النقل الكبيرة، رفعت الحكومة سعر مبيع أسطوانة الغاز المعدنية الفارغة سعة 12.5 كغم إلى 6300 ليرة سورية، بدلاً من 4800 ليرة، وأسطوانة الغاز الفارغة سعة 20 كغم إلى 8750 ليرة سورية، بدلاً من 7250 ليرة.

وتأتي هذه القرارات بعد أسابيع من قرار حكومة الأسد رفع الدعم عن المحروقات المخصصة للقطاع الخاص الصناعي، مقابل السماح للأخير بالدخول على خط استيراد المحروقات.

وبعد أزمة المازوت الذي يباع اللتر منه اليوم (إن وجد) بـ250 ليرة، في حين أن سعره الرسمي 80 ليرة، جاءت أزمة الغاز التي رفعت سعر هذه المادة التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، إذ يتراوح سعر أسطوانة الغاز المنزلي بين ثلاثة وخمسة آلاف ليرة، في حين أن سعرها الرسمي 1100 ليرة فقط، وتلا ذلك أزمة البنزين التي رفعت سعر اللتر إلى نحو 200 ليرة، تفاوتاً من منطقة إلى أخرى، ضمن مناطق سيطرة النظام، خلافاً لمناطق سيطرة تنظيم "الدولة"، حيث يباع البنزين هناك بسعر أقل بكثير قد يصل إلى النصف، ويتعامل تنظيم "الدولة" بحزم مع أي محاولة للتلاعب بالسعر المحدد.

ويقول أحد الخبراء الاقتصاديين إن الأسعار المحلية، التي أقرتها حكومة الأسد لأسعار المحروقات، أعلى من السعر العالمي بنسبة تتراوح بين 25 و30 بالمئة، مشيراً إلى أن سعر ليتر البنزين انخفض إلى 44.5 سنت (91 ليرة سورية)، في حين أن السعر المحلي الرسمي للبنزين يصل إلى 135 ليرة، مشيراً إلى أن كل التوقعات تؤكد أن السعر العالمي للنفط سينخفض أكثر في المرحلة المقبلة، ما يفترض تخفيض سعر البنزين في سوريا إلى 104.5 ليرة، وليتر المازوت إلى 60 ليرة، لكن ما حصل أن أسعار المحروقات رسمياً في الداخل السوري بقيت إلى الآن على حالها، رغم وعود وزارة التجارة الداخلية في حكومة الأسد بإصدار نشرات دورية لأسعار المحروقات تواكب المتغيرات.

معاناة الناس

مشهد اصطفاف السيارات والناس في طوابير طويلة أمام محطات الوقود المحدودة التي ما تزال تعمل بات مألوفاً في العاصمة دمشق، كما هو مألوف أن تجد في مكان ليس بعيداً عن محطة الوقود أشخاصاً يبيعون عبوات بنزين جاهزة بأسعار مضاعفة عن السعر في محطة الوقود، ما يشير إلى أحد أطراف الأزمة، وهم التجار الفاسدون الذين يأخذون كميات من الحصة المخصصة لمحطات الوقود ويطرحونها للبيع في السوق السوداء.

وبالنسبة لأصحاب السيارات المضطرين للتزود بالبنزين، وخاصة أصحاب السيارات العمومية (التكسي)، فقد بات عليهم اليوم الانتظار بدل 4 أو 5 ساعات، كما كان عليه الحال منذ أسبوعين، أكثر من 12 ساعة، وقد يبيتون أمام محطة الوقود إلى اليوم التالي، في حال نفد الوقود من المحطة بانتظار قدوم الصهريج الجديد.

يقول أحد المواطنين عبر الهاتف لـ"الخليج أونلاين" إن معظم المحطات الخاصة أغلقت أبوابها، وقد يتوفر البنزين يوماً واحداً في الأسبوع في بعض المحطات التي ما زالت تعمل، مشيراً إلى وجود علب بلاستيكية تباع في السوق السوداء في الكثير من شوارع دمشق، بسعر أعلى يصل إلى 250 ليرة لليتر الواحد.

وبطبيعة الحال، ترتد هذه الأزمة على المواطن في جوانب أخرى، فارتفاع أسعار البنزين أدى إلى رفع تعريفة النقل التي يدفعها المواطن، حتى دون قرار رسمي، إذ يطالب سائق سيارة الأجرة الراكب بتعويض الفرق بين سعر البنزين الحقيقي، والسعر المحدد من السلطات والذي لا يتقيد به أحد، فيكون للسائق سعره الخاص أيضاً الذي يقدره هو وحده، وهو ما يثير مشكلات ومشاجرات مستمرة مع الركاب.

وبين أزمة نقص في إمدادات الوقود تعاني البلاد منها بشكل عام، واستخدام نظام الأسد لهذه المواد في تمويل نفسه وتربحه من أموال المواطنين، يبقى المواطن هو الضحية الأساسية، والذي بات عليه اليوم أن يواجه أزمات متوالية، وأوضاعاً أمنية مضطربة، في ظل تدهور أوضاعه الاقتصادية وفقدان معظم الناس مصادر رزقهم.

مكة المكرمة