البنوك العربية تخضع لاختبار دولي في 2015

تشير التوقعات إلى أن متوسط النمو في المنطقة العربية بلغ 4% عام 2014

تشير التوقعات إلى أن متوسط النمو في المنطقة العربية بلغ 4% عام 2014

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 29-12-2014 الساعة 11:39
القاهرة - الخليج أونلاين


إذا كانت كلفة "ثورات الربيع العربي" قد بلغت أكثر من 800 مليار دولار وفق دراسة مصرفية (HSBC)، وشملت الأضرار ثماني دول هي: تونس، مصر، ليبيا، اليمن، سوريا، الأردن، البحرين، ولبنان، فإن دول منطقة الشرق الأوسط قد خسرت 35 مليار دولار من إجمالي دخلها بسبب الحرب في سوريا وتوسع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وعمليات الإرهاب، وفق تقرير للبنك الدولي الذي أكد أن هذه التقديرات هي الحد الأدنى للخسائر الاقتصادية في المنطقة.

ولذلك، شهد الاقتصاد العربي في عام 2013 تراجعاً في النمو الحقيقي مقارنة بعام 2012، إذ بلغ الناتج المحلي الاسمي لمجمل الدول العربية نحو 2.8 تريليون دولار، ولكن على الرغم من ضخامة حجم الخسائر، ومع الأخذ بالاعتبار استمرار الاضطرابات الأمنية والسياسية والاجتماعية، وانخفاض أسعار النفط وإيرادات صادرات الطاقة للدول المنتجة، تتوقع مصادر مصرفية (معلومات اتحاد المصارف العربية) ارتفاع حجم الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.9 تريليون دولار بنهاية العام 2014، ثم إلى ثلاثة تريليونات دولار بنهاية عام 2015، علماً أن الاقتصاد العربي يشكل نسبة 3.7 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي، ونحو 9.7 في المئة من حجم اقتصادات الدول النامية والصاعدة.

وفي الوقت الذي تشير فيه التوقعات إلى أن متوسط النمو في المنطقة العربية 4 في المئة عام 2014، وسيرتفع إلى 4.5 في المئة عام 2015، فإن الوقائع بدورها تشير إلى أن هذا النمو يتفاوت بشكل كبير بين دول تشهد انتعاشاً اقتصادياً مدعوماً بعائدات تصدير الطاقة والسياسات المالية والنقدية التوسعية، وبين دول تعاني ركوداً اقتصادياً في ظل تقلص حركة رؤوس الأموال الأجنبية الوافدة مع تراجع كبير في الاستثمار، وزيادة العجز في حسابها الجاري، فضلاً عن استنزاف مخزونها من الاحتياطات الأجنبية وتدهور المالية العامة، حتى إن الدول التي تشهد اضطرابات أمنية وسياسية منذ نحو أربع سنوات، تواجه ضغوطاً كبيرة على موازين مدفوعاتها، الأمر الذي أدى إلى انخفاض في الحساب الجاري للمنطقة العربية من 397 مليار دولار عام 2012 إلى 300 مليار عام 2013، ويتوقع انخفاضه إلى 270 ملياراً بنهاية العام 2014 ، ثم إلى 220 مليار دولار بنهاية عام 2015.

ويحصل كل ذلك في ظل ارتفاع مقلق وخطير لأزمة البطالة التي تجاوزت نسبة 17 في المئة مع وجود 20 مليون عاطل عن العمل في البلاد العربية، وأصبحت إحدى أكبر معوقات التنمية والنمو الاقتصادي، إذ تقدر تكلفتها على الاقتصادات العربية نحو 50 مليار دولار سنوياً.

تحديات مصرفية

في ظل كل هذه التطورات، بسلبياتها وإيجابياتها، تبرز أهمية القطاع المصرفي العربي الذي يجمع المراقبون على أنه يتمتع بدور طليعي في مرحلة تأمين التوازن المطلوب للاقتصادات العربية، ولكن على الرغم من أن هذا القطاع لا تنقصه الإمكانات ولا الكفاءات ولا الموارد البشرية، بل ينقصه بالتأكيد الأمن والاستقرار ووضع الاستراتيجيات والخطط الواقعية لمواكبة الأحداث الإقليمية والدولية، فضلاً عن مواجهة الاختراقات التي يتعرض لها سواء كان ذلك من القوانين المتعلقة بمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال، والاحتيال عليها من قبل عصابات محترفة، أو من عمليات وصفقات كبيرة تقوم بها بعض المؤسسات المالية وخصوصاً العاملة منها في الأسواق الأوروبية، والتي ساهمت بشكل كبير في ازدهار "صيرفة الظل"، التي وصل حجمها إلى نحو 60 تريليون دولار سنوياً.

وتشير أحدث الإحصاءات إلى أن حجم الموجودات (الأصول) المجمعة للقطاع المصرفي العربي قد بلغت في منتصف عام 2014 نحو 3.1 تريليون دولار، بزيادة 8 في المئة، مقارنة بنسبة نمو 10 في المئة في عام 2013 بكامله، وبذلك أصبح القطاع المصرفي يعادل نحو 105 في المئة من حجم الاقتصاد العربي.

كذلك بلغت الودائع 2 تريليون دولار، والقروض المقدمة للقطاعين العام والخاص 1.75 تريليون دولار، ما يشكل نحو 60 في المئة من حجم الاقتصاد العربي، مع العلم أن عدد المصارف العربية تجاوز الـ430 مصرفاً، ورأسمالها نحو 340 مليار دولار، ولعل أكبر دليل لأهمية المساهمة الكبيرة للصناعة المصرفية العربية في الاقتصاد العربي أن نسبة نمو القطاع المصرفي تبلغ نحو ثلاثة أضعاف نسبة نمو الاقتصاد.

ولكن هل ستستمر هذه المؤشرات الإيجابية في ظل تراكم التحديات التي تواجه المصارف العربية؟

إضافة إلى تحديات داخلية ناتجة عن تداعيات أمنية وسياسية تواجهها المصارف العربية، طرأ تراجع عائدات النفط وتأثيره على موازنات الدول المنتجة وإنفاقها الاستثماري، كنتيجة طبيعية لتراجع سعر البرميل بنسبة تزيد عن 40 في المئة.

ولكن على الرغم من أن وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني قد أكدت على "نظرة مستقرة للقطاع المصرفي الخليجي في عام 2015، مع أداء تشغيلي قوي في ظل رصيد جيد من الاحتياطات الأجنبية وسياسات نقدية توسعية واستمرار الإنفاق الحكومي على مشاريع البنية التحتية" ، فإن صندوق النقد الدولي توقع هبوط الفوائض المالية لدول الخليج من نحو 275 مليار دولار قبل تراجع أسعار النفط إلى 100 مليار دولار في عام 2015 ، وفي الوقت نفسه حذرت وكالة "موديز" من تركيز المصارف الخليجية على الإقراض لقطاع معين، مثل القطاع العقاري، الذي سبق أن تسبب بأزمات في الماضي، وأن استمرارها في ذلك من شأنه أن يزيد من مخاطر الائتمان، خصوصاً وأن معظم هذه المصارف لها محفظة قروض بارزة مع القطاعات الحكومية، إضافة إلى القطاع العقاري.

ومع أهمية التحديات الداخلية، تبقى التحديات الخارجية الأهم والأخطر، وهي ناتجة عن تغيرات حصلت في العالم خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبحت المصارف العربية تخضع لحزمة من الأنظمة والقوانين لها طابع دولي يتناول أصول ممارسة أعمالها، والإجراءات الواجب اتخاذها لمكافحة الجرائم المالية من تبيض الأموال وتمويل الإرهاب وتبادل المعلومات لمكافحة التهرب الضريبي، ويبدو أن المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة استسهل تحميل المصارف عبء المكافحة، الذي هو في الأصل من مسؤوليات أجهزة الأمن ودوائر فرض الضرائب ومؤسسات فرض النظام وتطبيق القانون، وهي ضغوط دولية تحت طائلة تعريض المؤسسات المصرفية للعقوبات.

الرقابة الاستباقية

لعل أهم إيجابيات الأزمة المالية والمصرفية العالمية في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، أنها كشفت خطورة ضعف الرقابة على مسيرة العمل المصرفي والتي ساهمت بانهيار عدد من المصارف الكبرى، وقد حذر تقرير لمؤسسة "كي بي إم جي" من جملة تحديات يتزايد أثرها في العمل المصرفي، ووصفت بأنها تحديات متجددة لما تحمله من مضامين أكثر عمقاً وتوسعاً اكتسبتها نتيجة التجارب والأزمات التي مر بها العالم، وبما أن الموجات الرقابية باتت تحاصر المصارف بسرعة أكبر من أن يتمكن كثير من إدارتها، الأمر الذي يثير احتمال سقوط مزيد من الضحايا قبل أن تضع الأزمة المالية أوزارها.

وفي هذا الإطار، تجاوزت معظم المصارف الأوروبية العاملة في منطقة اليورو بنجاح اختباراً قاسياً جداً يهدف إلى إعادة الثقة بها، وتمت دراسة السلامة المالية لـ130 مؤسسة بدقة متناهية، وكانت اختباراً لقدرة البنك المركزي الأوروبي على الاضطلاع بمهمته الجديدة المتمثلة بالإشراف والرقابة، بدلاً من مسؤولية المصارف المركزية في كل بلد، وقد سقط في الاختبار 25 مصرفاً، أعطيت مهلة تتراوح بين 6 و9 أشهر لتعزيز احتياجاتها وخصوصاً لجهة رؤوس أموالها، وإلا ستواجه خطر إقفالها، مع العلم أن البنك المركزي الأوروبي يولى مسؤولية الإشراف في الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، وهو يتشدد في تعامله مع المصارف المخالفة. ويتعين على المصارف التي سقطت أن تعيد تقييم أصولها عند مستوى 48 مليار يورو، وحدد المركزي الأوروبي الأصول التي تواجه مخاطر (قروض مشكوك في تحصيلها) بنحو 136 مليار يورو، مما يرفع إجمالي مبلغ هذه الأصول التي تملكها المصارف في منطقة اليورو إلى 879 مليار يورو. وقد رحبت المفوضية الأوروبية بهذه الخطوة، واعتبرتها جيدة نحو آلية الإشراف الموحد الذي يعد عنصراً أساسياً للاتحاد المصرفي، وبناء قطاع مصرفي قوي ومستقر في الاتحاد الأوروبي، وستدخل آلية القرار الموحد لإدارة المصارف حيز التنفيذ اعتباراً من يناير/ كانون الثاني 2015 في دول منطقة اليورو الـ18 إلى جانب الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد والتي تريد طواعية المشاركة.

أما بالنسبة للمصارف العربية، فقد أجمع المراقبون أنه لا يمكن استثناؤها من خطورة تلك التحديات وضرورة مواجهتها لتجنب سلبياتها، فهل تستطيع ذلك؟

على الرغم من أن المصارف العربية استطاعت بشكل عام تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية، ولم يتعرض أي مصرف عربي للإفلاس، ولكن بعضها يواجه تحديات تتعلق بجودة أصولها التي تأذت بفعل تلك الأزمة، لذلك اضطرت في السنوات الست الأخيرة إلى تجنيد الكثير من المخصصات لتغطية القروض المتعثرة، وإذا كانت المصارف الخليجية قد تجاوزت مسألة جودة الأصول، فإن المصارف في اقتصادات البلدان التي تشهد مرحلة انتقالية، ستواجه مزيداً من القروض المتعثرة في حال لم تستعد نموها بوتيرة أسرع، أو لم يستقر الوضع السياسي فيها.

ولوحظ في السنوات الأخيرة، إقدام المصارف العربية على التوسع في نشاطها الإقليمي والدولي، الأمر الذي ساهم في زيادة المخاطر الجغرافية والاقتصادية وتنوعها، ولذلك دعا المدير العام لصندوق النقد العربي عبد الرحمن بن عبد الله الحميدي المصارف العربية إلى إيجاد الوسائل الكفيلة بتوقع المشكلات قبل حدوثها، ومن ثم التعامل معها قبل استفحالها، مؤكداً "أن دور السلطات الرقابية أصبح استباقياً"، ويتعين عليها أن تولي أهمية لموضوع الأخطار المصرفية من أجل الحفاظ على سلامة القطاع المصرفي، خصوصاً في ظل الأهمية الكبرى التي تحتلها المصارف في اقتصادات الدول ومنها العربية، وأضاف موضحاً "أن الدور الرقابي الفاعل لم يعد يقتصر على التعامل مع المشكلة التي تواجه المصارف بعد حدوثها، وإنما يتعين في ضوء أهمية موضوع الأخطار وجود إدارات قوية لها وبناء قاعدة رأسمالية صلبة تساعد على امتصاص الصدمات"، مع الإشارة إلى أن دور الوساطة المالية الذي تلعبه المصارف يتمخض عنه أحياناً عدم المواءمة بين مصادر الأموال والتوظيفات الناجم عن تحويل الأموال قصيرة الأجل إلى استثمارات طويلة الأجل، ما يؤدي إلى تعرضها إلى أخطار السيولة المتمثلة في عدم قدرة المصرف على الوفاء بالالتزامات تجاه المودعين في سحب أموالهم حين يرغبون، وقد يترتب على ذلك أزمات مصرفية، كما حصل في أثناء الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالنظام المالي العالمي وأدت إلى انهيار عدد من المصارف الكبرى.

مكة المكرمة