التعديلات الدستورية ومستقبل الاقتصاد التركي.. الواقع والتحديات

يشكل قطاع السياحة نحو 3.4% من الناتج المحلي

يشكل قطاع السياحة نحو 3.4% من الناتج المحلي

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 22-04-2017 الساعة 15:45
إسطنبول - مجاهد الشاتي - الخليج أونلاين


يُمثِّل إقرار التعديلات الدستورية حول الانتقال إلى نظام رئاسي تحولاً مهماً في التاريخ التركي الحديث، ومن المرتقب أن تظهر انعكاساته بشكل واضح على المستويين السياسي والاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

ويصف خبراء ومتابعون اقتصاديون هذا التحول الكبير، بأنه هو انتقال من الجمهورية الأولى إلى الجمهورية الثانية، سيلقي بظلاله على المجتمعَين السياسي والاقتصادي التركيين، وأحدث انقساماً حاداً في المجتمع تمثل بتيارين متعارضين؛ تيار يرفض الانتقال إلى النظام الرئاسي لما يمثله من تركيز مكثف للصلاحيات بيد رئيس الجمهورية، ربما يدفعه -بحسب اعتقادهم- لاتخاذ قرارات مصيرية تنعكس سلباً على الاقتصاد.

أما التيار الثاني، فيعتقد أن النظام الرئاسي حال تطبيقه سينهي حالة التوتر السياسي والفوضى الحزبية التي عرفتها البلاد طوال عقود خلت، وأثرت بشكل سلبي على تطور الاقتصاد التركي.

واستطلع "الخليج أونلاين" آراء عديد من الخبراء والمحللين حول الموضوع، رأوا أن النظام الجديد سيحقق الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي في البلاد، حيث أكد أستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة صباح التركية ورئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي، أشرف دوابة، أن النظام الرئاسي سيعزز الاستقرار السياسي في البلاد؛ الأمر الذي سيسمح بنشوء بيئة خصبة لنمو الاقتصاد وتحسن جميع مؤشراته.

ويستند دوابة وغيره من الخبراء إلى تاريخ الاقتصاد التركي، حيث تراجعت المؤشرات الاقتصادية خلال الحكومات الائتلافية، وتضاعف معدل التضخم، على عكس ما جرى في حكومات الحزب الواحد (حكم حزب العدالة والتنمية الفائز بتشكيل الحكومة).

ويبدو تحسن سوق الاقتصاد التركي واضحاً بعد إعلان نتائج الاستفتاء؛ حيث انتعشت البورصة وارتفعت الأسهم فيها بنحو 0.74%، وحققت الليرة التركية حركة إيجابية أمام الدولار الأمريكي بنسبة 1.6%، لتسترد بها بعضاً من خسائرها منذ بداية العام الحالي، التي تقدر بنحو 3%.

مع أن هذا النمو الإيجابي لا يقتصر بطبيعة الحال على هذه النتائج المباشرة التي أعقبت الاستفتاء، بل قد يتجاوز ذلك إلى ركائز الاقتصاد ذاته وقطاعاته كافة، بحسب مراقبين.

- طموحات اقتصادية

ووفق ما تضمن الدستور الجديد، يسمح النظام الرئاسي لرأس الدولة بتجاوز البيروقراطية المؤسساتية والحزبية التي كانت عائقاً أمام اتخاذ كثير من القرارات الاقتصادية الإصلاحية الهامة التي تخص الاستثمارات الأجنبية والمصانع المحلية، وسعر العمالة والفائدة.

فعلى سبيل المثال، يقول الخبير الاقتصادي نبيل غانم، لـ"الخليج أونلاين"، إن تطبيق النظام الرئاسي "سينهي التباين بين السياسة المالية التي تشرف عليها وزارة المالية، والسياسة النقدية الخاصة بالبنك المركزي".

وشدد غانم على أهمية وجود تفاهم بين السياستين، وقال إن أي خلل في ذلك سيؤثر سلباً على الليرة التركية وقيمتها أمام الدولار، وعلى الضمان الائتماني وثقة المستثمرين في تركيا.

فخلال السنوات الماضية أثّر الخلاف بين الجهتين على التطور الاقتصادي فيما يتعلق بمستوى التضخم وأسعار الفائدة واستقرار سعر العملة، فقد رفض البنك المركزي مراراً دعوات الرئيس رجب طيب أردوغان لخفض الفائدة من أجل تحسين الاستثمار.

هذا الواقع المؤسساتي انعكس بالسلب على الاقتصاد، فوفقاً لما أعلنته هيئة الإحصاء التركية مؤخراً، سجل التضخم السنوي في تركيا ارتفاعاً إلى 11.29% وهي الأعلى منذ سنة 2008، وكذلك سجل النمو في تركيا 2.7% العام الماضي متراجعاً بـ4% تقريباً عن العام الذي سبقه؛ بسبب تراجع الاستهلاك المحلي والصادرات الخارجية خصوصاً مع القارة الأوروبية التي تعتبر الشريك التجاري الأول لتركيا.

اقرأ أيضاً :

خطة سعودية لتصنيع السلاح محلياً توفّر 80 مليار دولار

وبالنسبة لقطاع السياحة الذي يشكل نحو 3.4% من الناتج المحلي، ويشغل 8% من القوى العاملة بحسب وكالة "بلومبيرغ" العالمية، فقد تأثر كثيراً بالتوترات الداخلية، حيث تراجع بنسبة 30% عام 2016 بحسب الوكالة نفسها، وهو ما ينتظر أن ينتعش بعد نجاح الاستفتاء.

ويرى خبراء رصد "الخليج أونلاين" آراءهم، أن الانتقال إلى النظام الرئاسي سيسمح للرئيس بإطلاق تسوية سياسية داخلية، خصوصاً مع الأكراد بعيداً عن ضغوطات الأحزاب القومية والمؤسسة العسكرية، ومن شأن ذلك أن يطمئن الداخل والخارج على السواء، بما ينعكس إيجاباً على السياحة التي تعرضت لضربة كبيرة خلال العامين الماضيين؛ بسبب التفجيرات التي وقفت خلفها حركات كردية متطرفة.

ومن هؤلاء الخبراء، يؤكد أستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة صباح التركية، أن التعديلات الدستورية "ستكون سبباً جيداً للتعافي التدريجي للاقتصاد التركي".

- تحديات متوقعة

ورغم التفاؤل بمستقبل الاقتصاد التركي، لكن دوابة أبدى تخوفه من "عراقيل" أمام عجلة نمو الاقتصاد التركي خلال الأيام والسنوات القادمة؛ وهي التخوف من خطوات أجنبية وأوروبية لعرقلة الإصلاحات الاقتصادية الخاصة بخطة تركيا للعام 2023، التي قال إنها تُشكل خطراً على اقتصاد القارة العجوز، وتعطي أردوغان قوة سياسية أمام النفوذ الدولي في الملفات الساخنة بالمنطقة.

ومن أبرز النقاط التي قد يلجأ اليها الأوروبيون سحب الاستثمارت الأوروبية في تركيا، والتي تشكل نحو 60% من مجمل الاستثمارت الأجنبية في البلاد.

تلك التحديات المتوقعة، قد يأتي معها تصعيد المعارضة التركية في الداخل، واتخاذها خطوات قد تؤثر على الاقتصاد التركي، وعلى حالة الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.

وأمام تلك التحديات يرى محللون أنه لا بد من حلول ناجعة يمكن أن تأخذها الحكومة التركية في الحسبان، فقد نصح دوابة بـ"تنويع الاستثمارات الأجنبية، والانفتاح أكثر على القارة الأفريقية والبحث عن بدائل استثمارية عربية، والعمل على عودة التوازنات في العلاقات السياسية والاقتصادية التركية الأوروبية بما لا يشكل خطراً على تلك الاستثمارات، إضافة إلى فصل الملف الأمني والسياسي عن الملف الاقتصادي في التعاطي مع الخارج".

وممَّا لا شك فيه فإن تعزيز صلاحيات الرئيس سيساهم في تجاوز مسألة الاستقطاب الحزبي والمؤسساتي كما هو معروف في تشكيلة الحكومات التركية، ويسمح لأردوغان بإطلاق دينامية اقتصادية وتنموية جديدة، في حين تبقى الممارسة على أرض الواقع هي المعيار الأهم، بالإضافة إلى نجاعة النظام الرئاسي في صنع تنمية اقتصادية مستدامة في بيئة محلية وإقليمية متوترة ومليئة بالمفاجآت.

مكة المكرمة