الدولار والجنيه.. قصة 3 أيام فارقة في العلاقة بين الطرفين

تعويم الجنيه جاء تلبية لأول شروط صندوق النقد الدولي

تعويم الجنيه جاء تلبية لأول شروط صندوق النقد الدولي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 04-11-2016 الساعة 10:51
القاهرة - كريم حسن - الخليج أونلاين


فارق كبير بين حال الدولار والجنيه شهدته مصر خلال الأيام الثلاثة الماضية؛ حيث أخذت العلاقة بين العملتين تتأرجح ارتفاعاً وانخفاضاً، ومعها تتأرجح قلوب المصريين، الذين تابعوا السجال على نحو ربما لم يعهدوه سوى في أحداث ثورة يناير/كانون الثاني 2011، أو مباريات كرة القدم بين الأهلي والزمالك.

يوم الثلاثاء كان اليوم الأخير لسلسلة ارتفاعات متتالية في سعر الدولار، حيث استقر فيه السعر عند حد الـ 18 جنيهاً أو يزيد للدولار الواحد، وهو أكبر ارتفاع في تاريخ العملة الخضراء أمام الجنيه المصري.

هذه الزيادة الكبيرة أثرت بالطبع في أسعار سلع ومنتجات رئيسة، كان أبرزها سكّر التموين (المدعم)، والذي قرّرت الحكومة رفع سعره من 5 إلى 7 جنيهات للكيلو الواحد، وهو نفس السعر الذي يباع به خارج الدعم.

في يوم الثلاثاء هذا وصلت الأمور إلى طريق شائك، خاصة بعد هجوم شديد شنّه نوّاب البرلمان المصري على رئيس الوزراء، شريف إسماعيل، وتوقيع أكثر من 150 نائباً على طلب سحب الثقة منه.

اقرأ أيضاً :

مشاجرات أمام محطات الوقود في مصر تزامناً مع رفع الأسعار

في صباح يوم الأربعاء، انقلبت الأمور رأساً على عقب، وعاد الدولار إلى التقهقر ليصل إلى 12 جنيهاً، فاقداً بذلك 6 جنيهات من قيمته في يوم واحد، بل إنه وصل خلال ساعات معينة إلى 10 جنيهات ونصف.

هذا التداعي المفاجئ في سعر الدولار جاء بعد 17 قراراً اتخذها المجلس الأعلى للاستثمار بهدف تعزيز الاستثمار، بالإضافة إلى قرارات حكومية بمنع استيراد بعض السلع لمدة 3 أشهر، ووقف التعامل بالعملة الأجنبية لمدة أسبوعين.

تلك الحزمة من الإجراءات تزامنت مع حملة إعلامية موسعة لحثّ المواطنين والتجار على بيع الدولارات التي يحتفظون بها، وتأكيد أن من يتأخر عن ذلك فسوف "يشرب" تلك الدولارات التي بات حائزوها في حيرة من أمرهم.

-تعويم مباغت

لكن هذه الحيرة لم تستمر كثيراً؛ فمع بداية يوم الخميس، أعلن محافظ البنك المركزي، طارق عامر، القرار الذي انتظره الجميع كثيراً دون أن يعرف أحد موعده (قرار تعويم الجنيه).

خرج عامر في مؤتمر صحفي معلناً تحرير سعر الجنيه، وقال إن البنك سوف يدفع بعطاء استثنائي قيمته 4 مليارات دولار بسعر 13 جنيهاً للدولار ليوم واحد فقط، مع إطلاق الحرية الكاملة للبنوك في تحديد سعر الشراء والبيع. (سعر الدولار وصل يوم الخميس إلى 15.5 في بعض البنوك).

قرار البنك المركزي جاء تلبية لأول شروط صندوق النقد الدولي لحصول مصر على قرض بقيمة 12 مليار دولار، تعوّل عليه الحكومة المصرية في خفض قيمة العجز، والخروج من أزمتها الاقتصادية، والحصول على شهادة دولية هي في أشد الحاجة إليها لدعم الاقتصاد المصري الذي يعاني بشكل غير مسبوق.

القرار كان صادماً، إلا أن ما حدث خلال اليوم نفسه كان أكثر صدمة؛ فقد بدأ اليوم بارتفاع سعر الدولار، وانتهى برفع سعر الوقود (البنزين والغاز والسولار).

القرار الذي صدر، بعد منتصف ليل الجمعة، ارتفع بموجبه سعر أسطوانة البوتاجاز المنزلية من 8 إلى 15 جنيهاً، والتجارية من 16 إلى 30 جنيهاً، في حين ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 47%؛ حيث ارتفع بنزين 80 إلى 2.35 جنيه للتر بدلاً من 1.6 جنيه بزيادة قدرها 46.9%، وبنزين 92 إلى 3.5 جنيه للتر بدلاً من 2.6 جنيه بزيادة 34.6%، والسولار إلى 2.35 جنيه للتر بدلاً من 1.8 جنيه بزيادة 30.6%، كما ارتفع سعر غاز السيارات إلى 1.6 جنيه للمتر المكعب من 1.1 جنيه بزيادة 45.5%.

اقرأ أيضاً :

"تعويم الجنيه" يغرق المصريين ويدفع الدولار للجنون

-توفير عملة أم مسرحية؟

كريس جارفيس، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي المعنيّة بمصر، رحّب بما "قرّره البنك المركزي المصري من تحرير نظام الصرف الأجنبي واعتماد نظام مرن لسعر الصرف". ولفت إلى أنه "في ظل النظام الجديد سيكون الناس على استعداد لبيع العملة الأجنبية وشرائها، وبذلك يوفر العملة في السوق".

وعلى عكس ذلك رأى بعض المراقبين في ما حدث خلال الشهور الأخيرة "مسرحية" نفّذها النظام في مصر، حيث تم -وفقاً لهؤلاء المراقبين- ترك الدولار ليصل إلى معدل قياسي، ثم يتم تحرير الجنيه ليصل الدولار إلى ضعف قيمته الرسمية التي كانت 8.88 قروش.

واعتبر هؤلاء أن قرار التعويم يعبّر عن انبطاح مصري في مواجهة قرارات صندوق النقد، من دون دراسة حقيقية لكيفية تنفيذ تلك القرارات مع أقل نسبة خسارة.

وتعتبر الواردات من أهم المتأثرين بتعويم الجنيه؛ حيث سترتفع المبالغ المطلوبة للاستيراد، ما يؤثر من ثم في سعر المنتج المستورد، والذي سيتحمله المستهلك بالتأكيد، وإلى جانب الواردات يؤدي التعويم إلى ارتفاع قيمة الدين الخارجي، وانخفاض القيمة الشرائية للجنيه.

وفي تصريحات صحفية، أوضح عمرو الألفي، رئيس قطاع البحوث والدراسات العالمية بمجموعة "مباشر" للخدمات المالية، أن "التأثيرات المباشرة للقرار تتضمن بطبيعة الحال ارتفاع عجز الموازنة؛ بسبب ارتفاع تكلفة استيراد الحكومة للقمح في الأساس من ناحية، وارتفاع تكلفة خدمة الدين الحكومي، بالإضافة إلى قرار رفع سعر الفائدة 3%، والذي تزامن مع قرار التعويم، وذلك على نحو يؤثر بشكل مباشر على تكلفة اقتراض الحكومة".

وعلى مستوى الإيجابيات فإنه من المفترض أن يؤدي خفض قيمة الجنيه إلى تعزيز القدرة التنافسية للصادرات المصرية، كما يشكل عامل جذب للاستثمارات الأجنبية، بحسب الألفي.

-قرار صحيح أم تجويع وإفقار؟

من جانبه أشار الدكتور حازم حسني، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، إلى أن تعويم الجنيه بعد ساعات من حملة حكومية عن انهيار الدولار يعتبر اتفاقاً غير أخلاقي لنهب مدخرات المصريين، منتقداً الحملة الإعلامية التي استهدفت دفع المصريين للتخلص مما في حوزتهم من دولارات.

وأشارت مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" البحثية، في تقرير أصدرته الخميس، إلى أنه "من المرجّح أن يرتفع التضخم بنسبة إضافية قدرها 6% على مدار 12 شهراً؛ نتيجة ارتفاع سعر الدولار إلى 13 جنيهاً".

وفي حال لم تستتبع قرارات التعويم قرارات مماثلة برفع رواتب الموظفين، فإن ذلك يرجّح نشوب احتجاجات متوقعة، حيث سيؤدي انخفاض قيمة الجنيه إلى انخفاض مماثل في قيمة رواتب الموظفين؛ بسبب تدني القيمة الشرائية للجنيه.

وفي حين أشاد رجل الأعمال، نجيب ساويرس، رئيس شركة "أوراسكوم"، بتعويم الجنيه، أكد الدكتور أحمد مطر، ‏رئيس المركز العربي للبحوث السياسية والاقتصادية،‏ أن ما حدث هو أحد سياسات التجويع والإفقار؛ "فأسعار السلع الأساسية سترتفع بنسبة 50%"، حسب قوله.

مكة المكرمة