الغرامات بالسعودية.. خطوة إصلاح أم وسيلة لجمع المال؟

صورة تعبيرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 09-07-2018 الساعة 10:03
حنين ياسين- الخليج أونلاين

لم تتوقّف السلطات السعودية، منذ منتصف العام الماضي، عن فرض الغرامات المالية على العشرات من المخالفات القانونية والأخلاقية، في وسيلة جديدة ابتكرتها لجمع المزيد من الأموال في ظلّ الأزمات الاقتصادية التي تلاحقها. 

ويرى مراقبون اقتصاديون أن العشرات من الغرامات التي فُرضت حديثاً في المملكة؛ إضافة إلى أنها وسيلة لجمع المال، فإنها تعكس فشل المنظومة الأخلاقية والتعليمية في البلاد.

ويقول هؤلاء إنه من الأولى أن تطبَّق إصلاحات في نظام التعليم والتربية بدلاً من إرهاق كاهل المواطنين بتلك الغرامات التي تضاف لارتفاعات جنونيّة بالأسعار.

ويواجه الاقتصاد السعودي، الذي يصنَّف على أنه الأقوى عربياً، تحدّيات قاسية؛ بدأت بتراجع أسعار النفط عالمياً منذ 2014، والتكلفة الباهظة التي فرضتها مشاركة الرياض في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة.

أضف إلى ذلك تدخّلها في اليمن من خلال قيادة تحالف عربي بدأ منذ 2015، ضد مليشيا الحوثيين في اليمن، المتّهمة بتلقّي دعم من إيران.

وإضافة للتكلفة المالية للحروب والعمليات العسكرية فإن الصواريخ الباليستية التي يُطلقها عناصر الحوثي باتجاه أراضي المملكة، خاصة العاصمة الرياض، تسبّبت بتراجع تدفّق الاستثمارات الأجنبية وبهروب المستثمرين من البلاد.

وفي العام الماضي، حقّق الاقتصاد السعودي نمواً يقترب من الصفر؛ عند 0.2%، بحسب بيانات البنك الدولي، الذي توقّع في تقرير حديث له تحسّناً متواضعاً لاقتصاد المملكة، نهاية العام الجاري، عند 1.7%.

كما ارتفعت قيمة الدَّين العام للمملكة حتى نهاية السنة الماضية، بحسب بيانات موازنة العام 2018، إلى 438 مليار ريال (116.8 مليار دولار)، مقابل 316 مليار ريال (84.4 مليار دولار) بنهاية العام 2016.

يأتي ذلك في حين أن الدَّين العام لم يتجاوز نحو 11.8 مليار دولار في نهاية 2014، وفق بيانات سابقة لوزارة المالية السعودية.

وإضافة إلى الدين فإن عجز الموازنات في المملكة بات طقساً سنوياً منذ العام ذاته؛ بسبب تراجع إيرادات النفط.

وقد سجّلت المملكة عجزاً في موازنتها العامة في 2014 قُدّر بـ14.40 مليار دولار، وفي 2015 بلغ العجز 89 مليار دولار، وتبعه عجز في 2016 بقيمة 79.2 ملياراً، قبل أن ينخفض في 2017 لنحو 61.33 ملياراً، و52 مليار دولار في 2018، وفق بيانات الموازنات العامة المنشورة على موقع وزارة المالية السعودية.

ومنذ 2014، فقد احتياطي النقد الأجنبي السعودي نحو 36% من قيمته، حيث كان يبلغ 737 مليار دولار، قبل أن ينخفض إلى 500.58 مليار دولار، في فبراير الماضي.

ولتغطية عجز موازناتها السنوي، وإيقاف نزف احتياطي النقد الأجنبي، والتوقّف عن الاستدانة، بدأت الحكومة السعودية بالاتجاه إلى تغريم المواطنين جزءاً من نفقاتها الكبيرة؛ فعملت منذ بداية العام الجاري على رفع أسعار الوقود وفرض ضرائب جديدة ساهمت في مزيد من الانتكاس بالأوضاع الاقتصادية للمواطنين.

وفي الأول من يناير الماضي، قرّرت السلطات السعودية رفع أسعار البنزين بنسب تراوحت بين 82 و126%.

وبالتزامن مع رفع أسعار الوقود بدأت المملكة، مطلع يناير الماضي، تطبيق ضريبة القيمة المضافة بواقع 5% على مجموعة كبيرة من السلع والخدمات.

وسبق ذلك إقرار الحكومة، في أبريل من عام 2017، ضريبة بنسبة 2.5% على الأراضي التجارية والسكنية التي لم تُطوَّر بعد.

وإضافة إلى تلك الضرائب كثّفت المملكة، منذ يونيو 2017، من فرض الغرامات المالية عالية القيمة التي بلغ مجموع قيمة 10 منها فقط نحو 17 مليون ريال سعودي (قرابة 4.6 ملايين دولار)، بحسب رصد "الخليج أونلاين".

بداية هذه الغرامات كانت بإقرار السلطات السعودية، في 9 يونيو 2017، تعميماً للمرافق السياحية بحذف الفضائيات التي تتضمّن مخالفات، ومن ضمنها شبكة "الجزيرة" القطرية.

وحذّرت هيئة السياحة السعودية، آنذاك، من أن من يخالف هذا التعميم فسيقع تحت طائلة عقوبات قد تصل إلى غرامة قيمتها 100 ألف ريال سعودي (26.6 ألف دولار).

وجاء إقرار هذه الغرامة بعد 4 أيام على إعلان السعودية والإمارات والبحرين قطع علاقاتها مع قطر وفرض حصار عليها؛ بذريعة أن الأخيرة تدعم الإرهاب.

وهذا الأمر تنفيه الدوحة بشدّة، وتقول إنها تواجه حملة افتراءات وأكاذيب من الدول الأربع المشاركة بحصارها، تهدف إلى فرض الوصاية على قرارها الوطني.

وقبل نهاية 2017، أعلنت السعودية، في 28 نوفمبر الماضي، فرض غرامة مالية كبيرة بحق الوافدين العاملين في قطاع الذهب والمجوهرات، قدرها 20 ألف ريال سعودي (نحو 5300 دولار أمريكي)، بإطار مساعيها لسعودة القطاع بالكامل.

ويوجد في المملكة نحو 6 آلاف محلّ ومعرض للذهب والأحجار الكريمة، يعمل فيها ما بين 23 إلى 25 ألف موظّف سعودي وغير سعودي.

وضمن سلسلة الغرامات أصدرت رئاسة الأركان السعودية تعليمات لضباط وجنود الجيش السعودي تقضي بإلزامهم المشاركة في حربها باليمن أو دفع مبالغ مالية مقابل عدم المشاركة؛ لتُدفع لبدائل لهم من جنسيات أخرى.

ونقلت وسائل إعلام يمنية عن مصادر في الرياض، لم تكشف عن هويتها، أن تعليمات هيئة الأركان السعودية فرضت أولاً على الضباط غير الراغبين في المشاركة بالحرب دفع مبلغ 7000 ريال سعودي (1800 دولار) للشهر الواحد.

كما فرضت المملكة على الجنود غير الراغبين بالمشاركة في الحرب دفع مبلغ 5000 ريال (1300 دولار) في الشهر، بحسب المصادر ذاتها.

غرامة أخرى أُقرّت بالمملكة، في مارس الماضي، على الأزواج الذين يتجسّسون على هواتف أزواجهم تصل قيمتها إلى 500 ألف ريال (نحو 133 ألف دولار)، إضافة إلى العقوبة بالسجن لمدة تصل إلى عام.

ووفق ما ذكر مركز التواصل الدولي التابع لوزارة الثقافة السعودية، في بيان له، فإن هذه العقوبات دخلت حيز التنفيذ في الأسبوع الأخير من مارس الماضي، كجزء من قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية الذي يُجرّم مثل هذه الأعمال.

وقبل أن يدخل قانون السماح للمرأة بقيادة السيارة بالسعودية، في 25 يونيو الماضي، حذّرت الإدارة العامة للمرور مَن يحملن رخص قيادة من قيادة العربات في الشوارع قبل بدء سريان قرار السماح لهن بالقيادة.

وقالت إدارة المرور إنه في حال سمح قائد المركبة أو مالكها لامرأة بقيادة السيارة فسيعاقب بغرامة مالية تصل لـ900 ريال سعودي.

وفي ذات إطار قيادة المرأة للسيارة، ذلك الحدث المهمّ في تاريخ المملكة، فرضت السلطات السعودية عقوبات على كل من يصوّر نساء البلاد أثناء قيادتهن السيارة.

وأكّد مستشار قانوني أن كل من يقوم بتصوير النساء أو يتهكّم بهنّ أثناء قيادتهن السيارة سيعاقب بالسجن مدة لا تزيد على 5 سنوات، وغرامة لا تزيد على 3 ملايين ريال (800 ألف دولار)، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وبعيداً عن النساء، أعلنت النيابة العامة السعودية، الشهر الماضي، أنه ستتم معاقبة من يثير الرأي العام عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ بالسجن خمس سنوات، وغرامة مالية تقارب الثلاثة ملايين ريال (800 ألف دولار).

المديرية العامة للجوازات في المملكة قرّرت هي الأخرى فرض غرامة مالية تصل قيمتها إلى 100 ألف ريال (نحو 26 ألف دولار أمريكي)، إضافة للسجن 6 أشهر، كعقوبة لمن ينقل أو يشغّل المخالفين لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود، أو يتستّر عليهم، أو يُؤويهم، أو يقدّم أي وسيلة من وسائل المساعدة لهم.

وفي الإطار ذاته، قرّرت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية السعودية، الأسبوع الماضي، فرض غرامة مالية قدرها 25 ألف ريال (6.6 آلاف دولار) بحقّ مخالفي الأنظمة والقرارات المتعلّقة بالسلامة والصحة المهنية.

وزارة البيئة والمياه والزراعة في المملكة هي الأخرى فرضت غرامة جديدة تصل قيمتها إلى 10 ملايين ريال (2.6 مليون دولار) على كل من يخالف أحكام النظام الزراعي أو لوائحه أو شروط الترخيص.

وتشمل المخالفات التي تستوجب العقوبة المالية؛ ممارسة أي نشاط أو تقديم خدمة زراعية دون ترخيص، أو إعاقة المراقبين أو المختصّين بالضبط والتحقيق، أو إخفاء المعلومات والبيانات أو تقديمها بشكل مضلِّل أو غير صحيح.

المحلّل الاقتصادي محمد الشهري، علّق على تكثيف السعودية إصدار الغرامات المالية قائلاً لـ"الخليج أونلاين": إن "الأمر يتعلّق باتّباع كل الطرق التي تؤدّي إلى جمع المزيد من الأموال، فالمملكة تقع تحت ضغط أزمة اقتصادية خانقة".

وأوضح أن ما يدفع المملكة إلى اللجوء للضّرائب والغرامات عدة عوامل؛ من أهمها ارتفاع الدَّين العام السعودي بشكل متواصل ليصل أخيراً إلى مستويات قياسية، واستمرار عجز الموازنات السنوية، إضافة إلى أن النمو الاقتصادي ضعيف وبطيء، ونفقات حرب اليمن الباهظة لا تتوقَّف عن استنزاف الأموال السعودية.

وأضاف الشهري: "لدينا هذا العام الموازنة الأكبر في تاريخ المملكة من حيث حجم النفقات، وفي الوقت نفسه فإن هناك إيرادات نفطية متراجعة مقارنة مع ما كان عليه الحال قبل أعوام، ونموّ محدود للاقتصاد غير النفطي، ويتزامن كل ذلك مع تراجع حجم الاستثمارات القائمة، وفقدان البلاد لعوامل جذب الاستثمار الأجنبي".

ونهاية العام الماضي، أعلن العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، موازنة موسّعة للعام 2018، بإجمالي نفقات عامة بلغ 978 مليار ريال (260.8 مليار دولار)، مع تسجيل عجز بقيمة 195 مليار ريال (52 مليار دولار). ووصف العاهل السعودي موازنة العام الجاري بأنها "الأكبر في تاريخ المملكة".

وبحسب تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، الصادر في 7 يونيو الماضي، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية قُدّر في 2017 بـ1.4 مليار دولار، انخفاضاً من 7.5 مليار دولار عام 2016، ومن 12.2 مليار دولار في عام 2012.

وفي السياق، تابع الشهري: "المملكة منذ بداية العام الجاري رفعت أسعار البنزين، وفرضت ضرائب جديدة، وسبق ذلك حملة اعتقالات طالت العشرات من رجال الأعمال والأمراء، الذين دفعوا مليارات مقابل تسوية أوضاعهم وإطلاق سراحهم، وفي سياق كل ذلك جاءت الغرامات لتؤكّد أن هناك مساعيَ حقيقية لجمع الأموال".

ومن زاوية أخرى، لا يعتقد المحلل الاقتصادي أن تنجح هذه الغرامات في وقف المخالفات المرتبطة بها؛ لأن الأمر -كما يرى- مرتبط بفشل المنظومة التعليمية في المملكة، والأَولى بدلاً من فرض الغرامات إصلاح نظام التعليم والتربية، الذي تنفق عليه مئات المليارات دون نتائج حقيقية.

الاكثر قراءة

مكة المكرمة