الوقف في دول الخليج.. ثروة اقتصادية تنتظر التفعيل

الوقف شجرة وارفة الظلال تصل بثمرتها الأرض بالسماء

الوقف شجرة وارفة الظلال تصل بثمرتها الأرض بالسماء

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 01-07-2015 الساعة 13:52
إبراهيم العلبي


منذ عام تقريباً، تتسارع جهود الجهات المشرفة على الأوقاف في دول مجلس التعاون الخليجي لإحياء "سنة الوقف" وزيادة استثمار مردوداتها في هذه الدول، بعد التنبه إلى أهمية هذا القطاع الحيوي، ببعديه الاقتصادي والاجتماعي.

وبدأت هذه الجهود باجتماع لوزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية في الدول الخليجية، عقد في 11 أبريل/ نيسان 2014 في الكويت بهدف تفعيل "سنة الوقف"، كما أعلن في ذلك الحين.

وناقش المجتمعون الاقتراحات المقدمة من دول المجلس، بهدف بلورة تصور مشترك يجمع جهود المؤسسات العاملة في خدمة سنة الوقف وتوحيدها، بالإضافة إلى رعاية تنفيذ المشاريع الوقفية المشتركة بين دول المجلس والإعلام عنها، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الوقفية العاملة في برامج مشتركة، وتبادل الخبرات بين المؤسسات الوقفية في دول مجلس التعاون بما يثري العمل الوقفي وينميه.

وتنفيذاً لمقررات الاجتماع الأول الذي عقد في الكويت، عقد الوزراء المعنيون اجتماعهم الثاني، في 16 مايو/ أيار في الدوحة، أقروا خلاله إنشاء مركز للدراسات الوقفية، واعتماد أسبوع خليجي للوقف، وإقامة مشروعات وقفية مشتركة.

حجم هائل

وفي السعودية، شهدت الغرفة التجارية الصناعية في مكة المكرمة، الأربعاء الماضي، اللقاء الأول الذي يجمع وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صالح آل الشيخ، بأكثر من 300 رجل أعمال، إضافة إلى المهتمين والعاملين في مجال الأوقاف في منطقة مكة المكرمة.

وهذا اللقاء وصفه مراقبون بالأهم من بين جميع اللقاءات ذات الصلة بهذا الشأن في المملكة، نظراً لكون مكة المكرمة هي أكبر حاضنة للأوقاف على مستوى البلاد، حسبما ذكرت صحيفة الاقتصادية السعودية.

الشريف علاء الدين شاكر آل غالب، رئيس لجنة الأوقاف في الغرفة التجارية الصناعية بمكة المكرمة، أشار إلى أن الدراسات العالمية تقدر مجموع معدل أموال الوقف والتكافل والاستثمارات العائلية في القطاع الخاص بنحو تريليون دولار في دول الخليج، تستحوذ السعودية على ما نسبته نحو 90% منها.

وأوضح أنه فيما يتعلق بالحجم الإجمالي للقطاع العامل في الأوقاف، فهناك ما يفوق 5 تريليونات دولار، منها أكثر من تريليوني دولار في السعودية، تستحوذ مكة المكرمة على نسبة كبيرة منها.

الوقف في الحضارة الإسلامية

والوقف هو سنة إسلامية محضة، تتسم بطابع خيري اجتماعي، إلا أنها أيضاً نوع من الاستثمار الذي تعود منفعته على جهات محددة.

والوقف لغةً هو الحبس، وفي الاصطلاح الشرعي هو حبس المال على فرد أو جهة أو أكثر، وذلك كأن يقِف المالك مصنعه، مثلاً، على الفقراء أو طلاب العلم أو أي جهة كانت، ما يعني أن ريع المصنع سيصرف حصرياً على أفراد هذه الجهة، وذلك من خلال تعيين "ناظر" له يشرف على عملية الصرف وجودة العمل.

وشاع في الحقب التاريخية الإسلامية القديمة هذا النوع من العمل الخيري، ومثّل حالة فريدة توائم بين العمل الاجتماعي الخيري، وبين الاستثمار الاقتصادي الناجح، مستنداً إلى قانون إسلامي يمنحه الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، ما يمكنه من المنافسة في مجاله الاقتصادي، زراعياً كان أو تجارياً أو غير ذلك، والعودة بالفائدة والمنفعة والتنمية على الجهات المستفيدة من الوقف.

وتحدث الدكتور علي القره داغي، الأمين العام لعلماء المسلمين، في دراسة خاصة بهذا الشأن، عن دور الأوقاف تاريخياً في المساهمة في صناعة الحضارة الإسلامية والنهضة الشاملة للأمة.

وأوضح أن الوقف شمل مختلف جوانب الحياة؛ من الجامعات والمستشفيات إلى الأوقاف الخاصة بالحيوانات، ضارباً المثل لذلك بـ"خيول الجهاد" التي لم تعد صالحة للاستعمال، فحينئذٍ تُحال إلى المعاش وتصرف لها أعلافها وما تحتاج إليه من هذه الأوقاف، وكذلك الأوقاف على الأواني التي تنكسر بأيدي الخادمات حتى لا يعاقبن فيجدن بدائل عنها في مؤسسات الوقف.

ويضيف: "إعادة دور الوقف تعني إعادة دور كبير للجانب الطوعي المؤسس لخدمة الحضارة والتقدم، ولخدمة تنمية المجتمع وتطويره"، معتبراً أن "استثمار أموال الوقف يؤدي للحفاظ عليها حتى لا تأكلها النفقات والمصاريف، ويساهم في تحقيق أهداف الوقف الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، والتنموية".

أهداف التفعيل

وتسعى الدول الخليجية من خلال تفعيل الوقف وإشاعته إلى مواجهة التطرف من جهة، واستثمار الحجم الهائل للأوقاف في رفع اقتصاد البلاد ومضاعفة إمكانياته من جهة أخرى.

وقال الدكتور خليفة بن جاسم الكواري، مستشار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية القطري، الذي حضر اجتماع وكلاء وزراء الأوقاف الخليجيين تمهيداً لاجتماع الوزراء في مايو/ أيار الماضي، إن أهم التوصيات التي اتفق عليها في اللقاء هي ترسيخ العمل التطوعي لدى الشباب الخليجي، وإبعادهم عن التطرف والتكفير، وإنشاء صندوق وقف خليجي موحد يعنى بتبني المشاريع البحثية لشباب الخليج، لهذا الغرض.

وحول الجوانب الاقتصادية والتنموية للأوقاف، قال رئيس لجنة الأوقاف في الغرفة التجارية والصناعية بمكة المكرمة، إن الخبراء الدوليين المعنيين بإدارة الثروات الإسلامية، يرون أن "الاستثمار في مجال الأوقاف لم يجد حظه كغيره من مجالات الاستثمار الأخرى"، وهو ما جعل أولئك الخبراء يدعون إلى ضرورة تقييم الأوقاف كحقل استثمار، من خلال الوقوف على واقع الأوقاف وتشخيصها بشكل دقيق.

وأوضح علاء الدين شاكر آل غالب أن غياب الدراسات والأبحاث المتخصصة في هذا الشأن "أضاع الفرصة الحقيقية أمام تنمية الأوقاف وتطوير عملية الاستثمار فيها"، داعياً إلى البدء بشكل جاد في عملية "تطوير مفهوم الأوقاف والانطلاق به بالشكل الذي يتناسب مع التجربة الإسلامية الأولى، وأن يجعل منها حقلاً جاذباً للاستثمار".

مكة المكرمة