ببيع احتياطيِّها.. هل تزيح أمريكا السعودية عن عرش النفط دولياً؟

يستهلك العالم 85 مليون برميل نفط يومياً تستهلك منها الولايات المتحدة وحدها نحو 21%

يستهلك العالم 85 مليون برميل نفط يومياً تستهلك منها الولايات المتحدة وحدها نحو 21%

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 28-10-2015 الساعة 21:49
عبدالله حاتم - الخليج أونلاين


تعيش الولايات المتحدة الأمريكية أزمة حادة في موازنتها بسبب ارتفاع الدين العام إلى مستويات قياسية بلغت نحو 20 ترليون دولار أمريكي، وهو ما يناهز 98% من الناتج المحلي الإجمالي.

ووسط صراع أخذ وجذب بين نواب الكونغرس الأمريكي بشأن خفض الدين العام، وبعد رفض الجمهوريين لخطة أوباما الاقتصادية، اتفق قطبا السياسة الأمريكية على البدء بالتخطيط لبيع ملايين البراميل من الاحتياطي الاستراتيجي النفطي بين عامي 2018 و2025.

ويقضي الاتفاق ببيع 58 مليون برميل بمعدل خمسة ملايين برميل كل سنة، لكن هذه الخطوة طرحت تساؤلات واسعة حول تأثير تلك الخطوة على إنتاج "أوبك"، لا سيما العضو الأبرز فيها، وهي السعودية.

وتحتفظ الولايات المتحدة بكميات هائلة من البترول في كهوف وخزانات آمنة، في أماكن مختلفة من البلاد، إذ يوجد ما يقرب من سبعمئة مليون برميل من النفط مدفونة تحت الأرض، وستون نفقاً محفورة في الملح الصخري، تمثل مخزون الولايات المتحدة الاحتياطي الهائل من الخام.

- مسار جديد

الصراع على الموازنة الأمريكية بين قطبي السياسة الأمريكية؛ الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، أخذ مساراً جديداً عندما وصل حدوداً قصوى، وظهرت خطورة تأثيره مع الأزمة المالية الأخيرة، حيث بدأت المؤسسات المالية العالمية بالسؤال عن قدرة الدولار على المحافظة على قيمته، ومن ثم قيمة ما التزمت بدفعه الولايات المتحدة على دَينها.

وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما، قدّم خطته على أساس أن خفض العجز في الميزانية لن يحدث إلا من خلال مسارين؛ أولهما رفع الإيرادات الحكومية، وهذا لن يحدث ما لم يتم إصلاح النظام الضريبي من خلال رفع الضرائب وتعديلها على بعض الفئات، وإلغاء كثير من الإعفاءات، كذلك ملاحقة الملاذات الضريبية حول العالم.

والمسار الثاني خفض الإنفاق إلى مستويات غير معهودة، وهي ما سمي بالهاوية المالية، وأثار هلع الأسواق المالية الأمريكية من الخطة التي تتضمن اقتطاعات تلقائية بمجرد عدم تمرير خطة رفع الضرائب، وذلك أن الحكومة الأمريكية ستعمل خلال عام 2018 بسقف أعلى للعجز المسموح به، فإذا لم تتحقق الإيرادات المطلوبة، فلا مفر من حدوث اقتطاعات تلقائية في بنود ميزانية كثير من الوزارات، ومنها وزارة الدفاع والتعليم والصحة.

stock-footage-new-york-circa-march-national-debt-clock-in-manhattan-midtown

ورفض الجمهوريون خطة أوباما لرفع الضرائب على أساس أنها ستقود للكارثة الاقتصادية نفسها إذا ما حدثت الهاوية المالية بالاقتطاعات التلقائية للمصروفات.

حيث قال آنذاك بول راين، رئيس لجنة الموازنة في الكونغرس الأمريكي، إن تهديد الديمقراطيين والإعلام بالهاوية المالية غير مجد، بسبب أن حدوث زيادات في الضرائب وفقاً لخطة أوباما سيشوه الاقتصاد بطريقة تصعب معالجتها فيما بعد، فزيادة الضرائب ورفع معدلاتها سيتسبب حتماً- وفقاً لنظرية منحنى لافر، التي يتبناها الجمهوريون- من ناحية الناس إلى تفضيل الراحة على العمل، ومن ثم تقليل مستويات الإنتاج، فتنخفض الأرباح، ومن ثم تنخفض الإيرادات الحكومية وتعود الميزانية الاتحادية إلى نقطة الصفر والتخفيضات التلقائية والهاوية المالية.

لكن حدوث هذا الأمر- بحسب راين- سيكون مع كارثة أكبر؛ وهي انخفاض مستويات الإنتاج والنمو الاقتصادي وخفض مستويات الإنتاج، ليدخل الاقتصاد الأمريكي في ركود طويل أو حتى كساد.

في المقابل يقترح الجمهوريون الحل آنذاك، في أن يتخلى الديمقراطيون عن بعض مشاريعهم الطموحة، نحو الإصلاحات الصحية والاجتماعية وقانون الهجرة، وهو ما يبادر بالرفض.

- رابح وخاسر

ويستهلك العالم 85 مليون برميل نفط يومياً، تستهلك منها الولايات المتحدة وحدها نحو 21%، أي إن 4% من سكان العالم يستهلكون نحو 25% من الإنتاج العالمي للبترول، تساهم المملكة العربية السعودية بحصة نفطية قدرها 11.6 مليون برميل يومياً من النفط الخام، منها 1.8 مليون برميل من الغاز الطبيعي".

لكن خبراء اقتصاديين أشاروا إلى أن "السعودية"، التي تقود منظمة "أوبك"، ستكون المتضرر الأكبر؛ لأن الخطوة الأمريكية سوف تؤثر على كمية إنتاجها، خاصة في وقت تعاني فيه من خسائر مالية بسبب انهيار سعر النفط.

وكشف تقرير أصدرته وكالة الطاقة الأمريكية، في يناير/كانون الثاني الماضي، أن السعودية صدّرت 1.4 مليون برميل يومياً للولايات المتحدة خلال العام 2012، أي ما يصل إلى 16% من الاستهلاك الأمريكي.

041415_1622_4 - Copy

ويعتبر التقرير الأمريكي السعودية مصدراً أساسياً للنفط، وليس الأمر جديداً، لكن تقديرات الإنتاج الأمريكي من النفط والطاقة بشكل عام، سببت حالة من الارتباك في الأوساط السياسية السعودية، وسارع الكثيرون للقول إن الولايات المتحدة الأمريكية ستستغني قريباً عن منابع النفط العربية، وهي تفكك مصالحها في المنطقة، بحسب مراقبين.

وذكر تقرير وكالة الطاقة الأمريكية أن الولايات المتحدة أنتجت خلال العام 2011 نحو 5.7 مليون برميل يومياً، وسيتصاعد حجم الإنتاج الأمريكي من النفط إلى معدلات أقصاها 7.5 مليون برميل يومياً في العام 2019.

ووسط تصاعد إنتاج الولايات المتحدة من النفط والغاز سريعاً خلال هذا العام وصولاً إلى العام 2020، مرحلة الاكتفاء الذاتي من موارد الطاقة، التي تسعى إليها واشنطن، ما يعني أن سوق أوبك- لا سيما المملكة- سوف تفقد سوقاً استراتيجياً لطالما اعتبر العمود الفقري لها، وهو ما سيحتم عليها البحث عن سوق جديدة أكثر حاجة واستقراراً.

-كيف نشأت؟

تسببت أزمة الطاقة التي وقعت في عام 1973، عندما قطع مصدرو البترول العرب إمداداتهم عن الغرب خلال حرب أكتوبر إلى دفع الولايات المتحدة الى العمل على بناء مخازن احتياطات نفطية.

حيث إن العالم آنذاك كان معتمداً على نفط الشرق الأوسط إلى حد جعل الأسعار تحلق، كما أصبح توزيع البترول في محطات الوقود الأمريكية بـ"نظام الحصص"، وفي بعض الحالات اختفى البترول تماماً، لدرجة جعلت الأمريكيين يخشون على أي كمية من النفط يمتلكونها من أن تتعرض للسرقة.

1 - Copy

وبعد سنتين من ذلك العام الأسود على الأمريكيين، شرعت الولايات المتحدة في بناء احتياطي النفط الاستراتيجي، عن طريق ملء الكهوف بالنفط الخام، الهدف منها إذا ما حدث مستقبلاً أن تأثرت إمدادات النفط بشدة، يصبح لدى الولايات المتحدة مخزونها الخاص للتغلب على الأزمة عن طريق رفع الأسعار وتخفيف الضغط على الأسواق العالمية.

ووصفت الحكومة الأمريكية خطوتها آنذاك بأن "حجم احتياطي النفط الاستراتيجي الهائل يجعله رادعاً لقطع واردات النفط وأداة محورية في السياسة الخارجية الأمريكية".

ويتم تخزين النفط الخام الأمريكي في كهوف ملحية تقع تحت مجمع حكومي في ولايتي تكساس وقبالة ساحل خليج لويزيانا، وتعد تشكيلات الملح إحدى أفضل الطرق للاحتفاظ بالنفط الخام بشكل يحافظ على البيئة، ويمنع تسريبه.

ويمكن لخزينة الاحتياطي أن تتسع لحوالي 727 مليون برميل نفط، وكانت تحوي 490 مليون برميل عام 1985 وهي كمية كانت تكفي أمريكا لمدة 118 يوماً، أما الآن فإن الخزين يحوي 696 مليون برميل نفط خام، ويمكن أن تستبدل كمية النفط المستورد لحوالي 94 يوماً.

Was6223389

كما يمكن للنفط الخام أن يبلغ الأسواق بعد 13 يوماً من موافقة الرئيس الأمريكي على استخدامه، والتي لا يمكنها أن تطبق إلا في حالات ثلاث: قلة في كمية النفط لدرجة "حرجة"، أو انخفاض قليل بمعدل النفط المستورد والذي يمكنه أن يؤدي إلى أزمة كبيرة بالمستقبل، أو تجربة بيع النفط أو تبديله بشرط ألا تتعدى الكمية في هذه الحالة خمسة ملايين برميل.

وقد وصلت أول شحنة نفطية إلى الخزينة الأمريكية في العام 1977 قادمة من المملكة السعودية، واضطرت الولايات المتحدة إلى السحب منها 3 مرات؛ أولها في العام 1991 عندما أمر جورج بوش الأب بسحب أول كمية من النفط الخام للطوارئ، والمرة الثانية في العام 2000 عندما وافق الرئيس الأمريكي بيل كلينتون على سحب 30 مليون برميل، من الخزينة لخفض أسعار النفط والغاز في البلاد، والمرة الثالثة كانت في العام 2011 عندما أطلقت وزارة الطاقة الأمريكية 30 مليون برميل في السوق لسد العجز بعد اضطراب الاستيراد من ليبيا.

والمرة الوحيدة التي أوقفت فيها واشنطن زيادة مخزوناتها النفطية كانت في العام 2008 عندما أمر الرئيس جورج بوش الابن بذلك، أملاً في تخفيض أسعار النفط.

مكة المكرمة