بعد اغتيال خاشقجي.. اقتصاد السعودية أمام منحدر خطير

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GJW4BX

العقوبات تهدد السعودية للمرة الأولى في تاريخها

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 19-10-2018 الساعة 09:49
حنين ياسين - الخليج أونلاين

منذ بدء تكشف خيوط عملية قتل الإعلامي السعودي المعارض جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول التركية، قبل نحو أسبوعين، هوت المؤشرات الاقتصادية السعودية للمنطقة الحمراء في انحدار اهتزت معه خطط المملكة المالية.

وتسببت حالة الإرباك هذه بانهيارات كبيرة في سوق الأسهم السعودية، كما أعلنت شركات غربية عملاقة ورجال أعمال انسحابهم من رعاية مؤتمر "دافوس الصحراء" الاقتصادي، المزمع عقده بالمملكة نهاية الشهر الجاري.

وفي خضم ذلك أوقفت شركات أوروبية وأمريكية كبيرة تعاونها رسمياً مع مؤسسات سعودية ومشاريع ضخمة يرعاها ولي العهد محمد بن سلمان.

- انهيار البورصة

وبدأت تظهر تداعيات اغتيال خاشقجي على الاقتصاد السعودي منذ بداية الأسبوع الجاري، ففي أول أيام الأسبوع انهار مؤشر السوق المالية السعودية ليخسر كل المكتسبات التي حققها منذ بداية العام 2018.

وهبط مؤشر البورصة، الأحد، بنسبة 7% مسجلاً أكبر خسائره منذ ديسمبر 2014، وتكبدت أسهم 182 شركة في البورصة خسائر متفاوتة.

وبحسب ما ذكرت وكالة "رويترز"، فإن أبرز هذه الخسائر تلقتها أسهم الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك)، أكبر منتج للبتروكيميائيات في المنطقة، بنسبة تقارب 8%.

وخلال جلستي الخميس من الأسبوع الماضي والأحد المنصرم فقط، تلقت السوق المالية السعودية خسائر تزيد على 50 مليار دولار، بحسب شركة السوق المالية السعودية "تداول".

كما افتتحت البورصة السعودية جلساتها هذا الأسبوع أيضاً بخسارة، وأغلقت جلساتها، الخميس (18 أكتوبر)، بانخفاض بنسبة 0.12%.

وتراجعت السيولة في سوق الأسهم، الخميس، بنسبة 50%، في حين انخفضت الأسهم المتداولة بمعدل 45% بنحو 129 مليون سهم متداول، لتصل إلى 156 مليون سهم متداول.

أما الصفقات في سوق المال السعودي فقد تراجعت بنسبة 31%، أي ما يعادل 46 ألف صفقة، لتصل إلى 105 آلاف صفقة، بحسب بيانات "تداول".

وعلقت وكالة بلومبيرغ الأمريكية على هبوط الأسهم السعودية بالقول: إن "الأوضاع الجيوسياسية هبطت بالبورصة السعودية، وإن استمرار إصرار المملكة على موقفها النافي لأي علاقة لها باختفاء خاشقجي لن يكون في مصلحة السوق".

وضمن تبعات عملية الاغتيال وصل سعر الريال السعودي إلى 3.7514 مقابل الدولار، وهو أضعف مستوى له منذ يونيو 2017.

ويثبت البنك المركزي السعودي العملة عند 3.75 ريال للدولار، وغالباً ما تتحرك العملة في نطاق بين 3.7498 و 3.7503.

وعلى خلفية قضية اغتيال خاشقجي، انسحب عدد من المؤسسات الإعلامية والشركات الأجنبية ورجال الأعمال من اتفاق رعاية المؤتمر الاستثماري السعودي "دافوس الصحراء".

ومن أهم الشركات التي انسحبت من رعاية المؤتمر، الذي يعقد في الرياض بين 23 -26 أكتوبر الجاري، شركة "نيكاي" الإعلامية اليابانية، ووكالة بلومبيرغ الاقتصادية الأمريكية، وشبكة "سي إن إن" و"سي إن بي سي" الأمريكيتان، وصحيفة "ذا فايننشال" تايمز البريطانية، و"نيويورك تايمز" الأمريكية.

كما أعلن الإعلامي الاقتصادي الأمريكي أندرو روس سوركين، وكذلك رئيسة تحرير مجلة "ذا إيكونومست" البريطانية، زاني مينتون بيدوكس، الانسحاب من المشاركة في المؤتمر على خلفية ذات القضية.

دارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي لشركة خدمات سيارات الأجرة "أوبر"، أعلن كذلك مقاطعة شركته للمؤتمر الاقتصادي في الرياض.

ووفق ما أوردت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) فإن بريطانيا والولايات المتحدة تدرسان أيضاً فكرة مقاطعة المؤتمر الاقتصادي بالرياض.

- هروب الاستثمارات الأجنبية

وإضافة إلى مقاطعة مؤتمر "دافوس الصحراء" فقد أوقف رجال أعمال غربيون تعاونهم مع مؤسسات سعودية ومشاريع ضخمة يرعاها ولي العهد محمد بن سلمان.

وبحسب تقرير للإذاعة الألمانية "دويتشه فيله"، فقد أعلن الملياردير البريطاني، ريتشارد برانسون، أنه سيجمد مشاريع عدة مع السعودية، وحث الرياض على كشف ما حصل مع خاشقجي.

وقال برانسون: "إذا كان ما ذكر عن اختفاء الصحافي جمال خاشقجي صحيحاً، فهذا سيغير بشكل جذري كل مشاريع الغربيين للقيام بأعمال مع الحكومة السعودية".

وأضاف رجل الأعمال البريطاني أنه طلب من السلطات السعودية "مزيداً من المعلومات وتوضيحاً لموقفهم" من القضية.

وأشار إلى أنه سيعلق "مشاركته في مشروعين سياحيين".

كما ذكر برانسون أن مجموعة "فيرجن" البريطانية متنوعة الاستثمار، ستعلق محادثاتها مع صندوق الاستثمار السيادي (السعودي) حول استثمار محتمل في شركتي "فيرجن غالاكتيك" و"فيرجن أوربيت الفضائيتين".

من جانبه، أعلن وزير الطاقة الأمريكي السابق إرنست مونيز أنه قرر تعليق دوره الاستشاري في مشروع مدينة "نيوم" الاقتصادية، التي يرعاها ولي العهد السعودي، لحين معرفة مزيد من المعلومات عن خاشقجي.

وكان الوزير مونيز واحداً من 18 شخصاً يشرفون على مشروع نيوم الذي تبلغ كلفته 500 مليار دولار.

وأنهت مجموعة "هاربور غروب"، وهي شركة في واشنطن تقدم خدمات استشارية للسعودية، عقداً مع المملكة حجمه 80 ألف دولاراً في الشهر.

ولعل من أهم ما أربك الاقتصاد السعودي وهبط بمؤشراته، تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمملكة، السبت الماضي، بـ"العقاب الشديد" في حال ثبت تورطها في قضية خاشقجي.

وقال ترامب، في مقابلة تلفزيونية أجراها مع قناة "CBS" الأمريكية، إن ما حدث مع خاشقجي "فعل مشين ومقرف".

وشدد على أن واشنطن ستفرض "عقاباً شديداً" على المملكة السعودية في حال ثبوت ضلوعها باغتيال الصحفي السعودي.

وألمح الرئيس الأمريكي إلى أن العقوبات التي قد تفرضها بلاده على السعودية لن تشمل صفقات الأسلحة المشتركة بينهما، حيث قال: "إن هناك وسائل للتعامل مع مثل هذه القضايا، دون أن يتضرر سوق السلاح الأمريكي".

 - مأزق كبير

وفي قراءته لتبعات أزمة اغتيال خاشقجي، قال المحلل الاقتصادي محمود الفقي: إن "السعودية وقعت في مأزق كبير عقب الاتهامات التي وجهت إليها بقتل خاشقجي، فالعديد من الشركات ورجال الأعمال باتوا يسحبون استثماراتهم من السوق السعودي، فالوضع هناك لم يعد مستقراً كما كان بالسابق، واقتصاد المملكة ينحدر بتسارع مخيف".

وأضاف الفقي لـ"الخليج أونلاين" أن "حالة الإرباك التي أصابت اقتصاد المملكة ظهرت بقوة حجم الخسائر الكبيرة التي أصابت البورصة السعودية بداية الأسبوع لأول مرة منذ العام 2014، وهبوط قيمة عملتها".

وتوقع أن يصل حجم الاستثمارات الأجنبية التي ستغادر السعودية في حال ثبت تورطها باغتيال خاشقجي، إلى أكثر من 100 مليار دولار.

واستند الفقي في تقديره الأخير إلى تقرير سابق لمصرف "جي بي مورغان" (أكبر المصارف الأمريكية)، أصدره قبل أزمة خاشقجي، وذكر فيه أن حجم الاستثمارات التي غادرت وستغادر السعودية سيصل إلى 60 مليار دولار.

ولا يستبعد المختص الاقتصادي أن تتواصل خسائر البورصة السعودية مع بداية تعاملات الأسبوع المقبل، إذا لم تنته أزمة خاشقجي.

وقال: إن "رأس المال جبان، لذلك فإن رجال الأعمال يبحثون عن أسواق آمنة ومستقرة، وهذه الشروط لم تعد تنطبق على السوق السعودية، خاصة بعد تهديدات ترامب للمملكة في حال ثبت تورطها باغتيال خاشقجي".

- الرياض تخشى العقوبات الأمريكية

وحول تكلفة فرض أي عقوبات أمريكية على السعودية، قال المحلل الاقتصادي وليد سيف، لـ"الخليج أونلاين": إن "الرياض ستتكبد خسائر بالمليارات في حال فرضت واشنطن عقوبات عليها، ولن تستطيع مواجهتها".

وأوضح أن تطبيق قانون "ماغنيتسكي"، الذي يخول الحكومة الأمريكية فرضَ عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم، منها تجميد أصولهم وحظرهم من دخول الولايات المتحدة، سيعني تجميد أموال كل من يثبت تورطه في جريمة خاشقجي.

ولدى السعودية استثمارات تقدر بترليون دولار في الولايات المتحدة، وتجميد جزء من هذه الاستثمارات يعني تلقي الرياض خسائر بمليارات الدولارات، كما يقول سيف.

وفيما يتعلق بقدرة الرياض على الضغط على واشنطن من خلال إلغاء صفقات الأسلحة، ذكر سيف أنه "بعيداً عن أي اعتبارات اقتصادية، فإن السعودية لا تملك القدرة السياسية على اتخاذ هذه الخطوة التي ستعني معاداة الولايات المتحدة".

وأضاف أنه "سيكون من المستحيل على السعودية التحول إلى أسواق أخرى كروسيا والصين مثلاً لتزودها بالسلاح، لأن القوات الجوية السعودية تعتمد بشكل شبه كامل على الدعم الأمريكي لأسطولها؛ من طائرات (إف 15) ومروحيات الأباتشي والطائرات النفاثة (تورنادو)، والجيش السعودي يعتمد كلياً على قِطع الأسلحة الغربية".

ووفق صحيفة "نيويورك تايمز" فإن بيانات وكالة الأمن الدفاعي والتعاون الأمريكية تشير إلى أن وقف مبيعات الأسلحة الأمريكية للسعودية لن يكون مكلفاً لسوق السلاح في الولايات المتحدة أو للوظائف الأمريكية.

ويوضح النقطة الأخيرة ما ذكره بروس ريدل، الخبير في شؤون السعودية بمعهد "بروكينغز" الأمريكي، في تصريحات صحفية، الأسبوع الماضي، قال فيها: إن "الرئيس دونالد ترامب لم يوقع عقوداً رسمية مع الرياض لبيع أسلحة أمريكية لها، وإنما حصل على مجموعة خطابات نوايا ورغبات فقط".

وأضاف ريدل أن "أكبر صفقة محتملة بين واشنطن والرياض هي شراء منظومة الدفاع الصاروخي (ثاد) بقيمة 15 مليار دولار أمريكي، وقد أُجلت بعد تخلف السعوديين عن موعد التسليم المتفق عليه في سبتمبر الماضي".

- اقتصاد متهالك

وبعيداً عن أزمة خاشقجي أو العقوبات الأمريكية المحتملة، فإن الاقتصاد السعودي يواجه صعوبات قاسية في السنوات الأخيرة.

والعام الماضي حقق اقتصاد المملكة نمواً يقترب من الصفر عند 0.2%، بحسب بيانات البنك الدولي، الذي توقَّع في تقرير حديث له تحسُّناً متواضعاً لاقتصاد المملكة، نهاية العام الجاري، عند 1.7%.

وسيكون هذا النمو مدعوماً بزيادة إنتاج البلاد من النفط وارتفاع أسعاره، ولن يكون هناك أي زيادة حقيقية في عائدات الاقتصاد غير النفطي.

وبحسب تقرير لوكالة "بلومبيرغ"، فإن نموّ الاقتصاد غير النفطي في المملكة لم يتخطَّ أكثر من 0.6%، وهو رقم ضئيل جداً بالنسبة إلى خطط الحكومة الطموحة.

كما ارتفعت قيمة الدَّين العام حتى نهاية السنة الماضية، حسب بيانات موازنة 2018، إلى 438 مليار ريال (116.8 مليار دولار)، مقابل 316 مليار ريال (84.4 مليار دولار) نهاية 2016.

ويأتي ذلك في حين أن الدَّين العام لم يتجاوز نحو 11.8 مليار دولار في نهاية 2014، وفق بيانات سابقة لوزارة المالية السعودية.

ومنذ 2014، فقد احتياطي النقد الأجنبي السعودي نحو 36% من قيمته، حيث كان يبلغ 737 مليار دولار، قبل أن ينخفض إلى 500.58 مليار دولار، في فبراير الماضي.

وإضافة إلى السحب من الاحتياطي النقدي لتغطية عجز الإنفاق، عملت الحكومة السعودية، منذ بداية العام الجاري، على رفع أسعار الوقود وفرض ضرائب جديدة أسهمت في مزيد من الانتكاس بالأوضاع الاقتصادية للمواطنين.

كما توجهت السلطات السعودية، لأول مرة منذ نحو 25 عاماً، نحو الاقتراض من بنوك دولية لتغطية عجز نفقاتها.

ووفق صحيفة "فايننشيال تايمز"، فإن الصندوق السيادي السعودي اقترض ما يصل إلى 12 مليار دولار من 16 بنكاً عالمياً.

مكة المكرمة