بين ضرائب ومستحقين.. تدوير الأموال يكشف عجز الخطط السعودية

تراجع ترتيب المملكة خلال السنوات الأخيرة في عدة مؤشرات دولية

تراجع ترتيب المملكة خلال السنوات الأخيرة في عدة مؤشرات دولية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 11-02-2018 الساعة 18:06
الرياض - الخليج أونلاين (خاص)


تكشف الأيام تباعاً، استمرار خطط المملكة العربية السعودية و"رؤية 2030"، التي تهدف إلى تنويع مصادر وموارد دخلها، منها خصخصة مؤسسات حكومية وفرض الضرائب وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، إلا أن متابعة تفاصيل تلك الخطط والأموال التي تُصرف والمشاريع المعلنة، لا تدع مجالاً للشك في أنها ليست أكثر من عملية تدوير لأموال، في حين يحثُّ اقتصاد المملكة خطاه نحو التراجع.

أعلنت المملكة العديد من الخطط لتنويع مصادر دخلها، ضمن ما بات يُعرف بـ"رؤية 2030"، منها خصخصة شركة أرامكو النفطية، ومؤسسات صحية وتعليمية، فضلاً عن فرض ضريبة القيمة المضافة مطلع 2018، والتي واجهت استياء وانتقاداً كبيرَين من المواطنين السعوديين، المثقَلين بالأعباء الشهرية مع تدني مستوى الأجور وارتفاع الأسعار وفرض الضرائب، في حين ارتفع عدد المستحقين للدعم إلى الثلثين من نسبة سكان البلاد الكلي.

- خصخصة وضرائب

مع تراجع نمو القطاع الاقتصادي غير النفطي في المملكة إلى الصفر تقريباً نهاية العام الماضي، وإجراءات تقشفية أثقلت كاهل الاقتصاد بشدة، اقتنعت المملكة بأن الخصخصة وفرض الضرائب ورفع أسعار المحروقات هي الرهان الأفضل لإنقاذ "رؤية 2030" من الانهيار.

وعلى أساس تقييم المسؤولين السعوديين لـ"أرامكو"، البالغ تريليوني دولار، فإن بيع حصة 5% قد يدرُّ 100 مليار دولار، رغم أن معظم المحللين المستقلين يتوقعون تقييماً أقل بكثير، وقد تجني الحكومة منه 50 مليار دولار أو أكثر.

ويقول مسؤولون سعوديون إن مبيعات الأصول الحكومية غير النفطية، من المستشفيات والمرافق التعليمية إلى المطارات وخدمة البريد، قد تجلب في نهاية المطاف 200 مليار دولار، لكن العقبات القانونية والبيروقراطية تقف حائلاً أمام عملية بيع تلك الأصول؛ ولهذا ستكون شركة أرامكو "كبش الفداء".

اقرأ أيضاً:

بالابتزاز والتهديد.. هكذا دعمت السعودية خزينتها المتهاوية

وراهنت الحكومة على بيع حصة 5% من أصول الشركة، رغم أن الكثير من محللي الشؤون الاقتصادية يُجمعون على أن قيمة هذه الأموال لا تكفي لسد عجز الموازنة الناتج عن انخفاض أسعار النفط، وتباطؤ الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة، وكذلك حجم المشاريع التي أطلقها ولي العهد، محمد بن سلمان، بهدف صناعة رأي عام عالمي وجذب المستثمرين، لكنه قوَّض جهوده بالاعتقالات الأخيرة التي طالت أمراء ومسؤولين ووزراء سابقين وقبلها رجال دين ودعاة، لكنه في المقابل نال بالتسويات معهم أموالاً، ذهبت ليد الدولة "من تحت الطاولة".

- سعوديون ومعاناة

أثار رفع الحكومة السعودية أسعار الكهرباء والمحروقات وفرض ضريبة القيمة المضافة على السلع والخدمات بنسبة 5%، مطلع 2018، حفيظة قطاع كبير من السعوديين، وأحدثت موجة انتقادات غير مسبوقة على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يتدارك العاهل السعودي الأمر باستحداث برنامج "حساب المواطن".

و"حساب المواطن"، هو برنامج يستهدف الفئات متوسطة وقليلة الدخل من المواطنين؛ إذ يُمنحون مبالغ مالية لمواجهة الارتفاعات في أسعار الوقود والكهرباء والمياه، وحزمة الضرائب والرسوم على السلع والخدمات. وصرفت المملكة بالفعل 6.3 مليارات ريال (1.7 مليار دولار)، ضمن أول برنامج للدعم النقدي لمواطنيها في ديسمبر 2017.

وخصصت الحكومة السعودية في موازنة العام الجاري (2018)، نحو 32.4 مليار ريال (8.64 مليارات دولار) للبرنامج، بعدما أثارت زيادات الأسعار والضرائب التي استحدثها ولي العهد على عدد من الخدمات، غضب شريحة كبيرة من السعوديين، لتعود تلك الإجراءات بنتائج عكسية على الاقتصاد والحكومة والمشاريع التنموية.

اقرأ أيضاً:

السعودية تراهن على الخصخصة.. والعجز يهدد "رؤية 2030"

وأودعت الحكومة 533 مليون دولار في حسابات مستحقي الدعم، خلال ديسمبر، كدفعة أولى من البرنامج؛ في حين صرفت، في يناير الماضي، 560 مليون دولار كدفعة ثانية، ثم 587 مليون دولار، الأحد 11 فبراير 2018، كدفعة ثالثة لشهر فبراير (بزيادة بلغت قيمتها 54 مليون دولار في غضون ثلاثة أشهر)، حسب بيان لوزارة العمل السعودية.

- نتائج عكسية

ومع تخصيص المملكة مبلغ 8.64 مليارات دولار لبرنامج "حساب المواطن"، فقد صرفت الحكومة مبلغ 1.77 مليار دولار، خلال الأشهر الثلاثة الأولى فقط من بداية الدعم؛ إذ شملت الدفعة الثانية أكثر من 3 ملايين و300 ألف أسرة، بإجمالي 11.6 مليون شخص، في حين كان عدد الدفعة الأولى 10.6 ملايين من العدد الكلي للسكان، البالغ 31 مليون نسمة. وتشير تلك الأرقام إلى أن أكثر من ثلث سكان المملكة بحاجة إلى الدعم.

وفي خطة عام 2018، راهنت المملكة العربية السعودية على رفع أسعار الوقود والكهرباء وفرض الضرائب على السلع والخدمات لدعم اقتصادها، وقدَّرت وزارة المالية العائدات من تلك الضرائب، خلال عام 2018، بنحو 85 مليار ريال (22 مليار دولار)، وتشكيل عوائد غير نفطية بنسبة 30%، إلا أنها ملزمة بدفع المليارات لبرنامج "حساب المواطن" سنوياً إذا استمرت الزيادة الواضحة في الأشهر الثلاثة الماضية، الأمر الذي يجعل عملية جني أرباح قيمة الضرائب وأسعار المحروقات من المواطن، ثم صرفها عليه من باب آخر، عملية تدوير للمال بين المواطن والحكومة (أخذ ضرائب مقابل دعم حساب المواطن).

وخلال حملة الفساد التي أطلقها بن سلمان ضد مسؤولين وأمراء ووزراء في 4 نوفمبر 2017، أراد ولي العهد السعودي تعزيز ميزانية البلاد من أموال المعتقلين في إطار ما عُرف بـ"التسويات". وبالفعل، حصل على نحو 100 مليار دولار، إلا أنها لم تسند الاقتصاد، الذي تتصاعد مؤشرات انهياره بسبب تضارب الخطط الحكومية، وتصاعد حجم الفساد بين المسؤولين والأمراء، والذي يهدد المؤسسات.

اقرأ أيضاً:

طموحات السعودية بأموال "تسويات الريتز" تذهب أدراج الرياح

- نزوح الأموال

أدى النزوح السريع لأموال الخزينة السعودية بسبب الحرب في اليمن وتراجع أسعار النفط، إلى تصاعد حجم الدين العام للدولة إلى 91 مليار دولار في أغسطس 2017، بحسب وزارة المالية، تضاف إليها صكوك محلية طرحتها الحكومة، خلال سبتمبر وأكتوبر الماضيَين، بقيمة 9.9 مليارات دولار، وسندات دولية بقيمة 12.5 مليار دولار، ليقفز بذلك حجم الدين السعودي إلى 113.4 مليار دولار، دون الحديث عن تأثير الحرب في مناخ الاستثمار بالبلاد.

ومع تكشُّف حقيقة الخطط الاقتصادية للمملكة، تراجَع احتياطي النقد الأجنبي بشكل غير مسبوق؛ فبعد أن كان 737 مليار دولار في 2014، انخفض إلى 487 ملياراً في يوليو 2017، إضافة إلى التزايد السريع في وتيرة لجوء الحكومة إلى أسواق الدَّين.

اقرأ أيضاً:

مصارف سويسرا ترفض تحويل أموال سعوديين ضمن "حملة الفساد"

لكن رغم تدهور الوضع المالي، تصرف الرياض أموالاً "طائلة" على التجهيزات العسكرية لجيشها داخلياً وخارجياً، حيث قدَّرت تقارير سنة 2015، لوسائل إعلامية مختلفة بينها قناة "العربية"، الإنفاق الشهري للسعودية على الحرب بنحو 175 مليون دولار على الضربات الجوية ضد مقاتلي "الحوثي" في اليمن، باستخدام 100 طائرة. في حين توقعت أن تُكلّف حملة الرياض العسكرية أكثر من مليار دولار، وهو ما اتضح عدم صحته مع استمرار الحرب.

فبعد ستة أشهر من تدشين السعودية معركتها في اليمن، تحدثت مجلة "فوربس" الأمريكية عن تكلفة بلغت نحو 725 مليار دولار، أي إن التكلفة الشهرية تصل إلى 120 مليار دولار. لكن دراسة أخرى لجامعة هارفارد الأمريكية أشارت إلى أن تكلفة الحرب تصل إلى 200 مليون دولار في اليوم الواحد.

- فشل متراكم

أسهم إعلان الرياض، في ديسمبر 2016، خطةً لإنهاء العجز بحلول عام 2020، من خلال رفع أسعار الوقود وفرض الضرائب والإجراءات التقشفية، وتوفير 450 ألف وظيفة وخفض الإنفاق العام بنسبة 40%، في تهدئة مخاوف المستثمرين بشأن الاستقرار المالي للسعودية، إلا أن الإحصاءات الرسمية المنشورة تُظهر بوضوحٍ أن أهداف خطة 2020 كانت مغرقة في التفاؤل، بحسب خبراء واقتصاديين.

ودفعت إجراءات التقشف الاقتصاد إلى الركود، في ظل انكماش الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2017، في حين يهدد التباطؤ الإصلاحات الاقتصادية الطموحة التي أعلنها ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يريد من خلالها تعزيز نمو القطاع الخاص وتطوير الصناعات غير النفطية.

اقرأ أيضاً:

السعودية: 8.5 مليار دولار أرباح ضريبتَي "المضافة" و"الانتقائية"

وعكس تجارب الماضي، فإن عواقب فشل عملية التحول الكبير في السعودية ستكون باهظة، كما أن إمكانية إنقاذ أسعار النفط الاقتصاد "المأزوم" تبدو ضئيلة.

إذ تهدد أزمات المنطقة، ومنها سوريا والعراق، وتدخُّل السعودية في حرب اليمن ومحاصرتها دولة قطر، تحقيق التنمية في المملكة وتعرقل عملية التحول، بحسب تقرير لوكالة "بلومبيرغ" نُشر في 3 أكتوبر 2017.

ومنذ أكثر من عامين على بدء حملة الإصلاح، يواجه المسؤولون السعوديون مسائل شائكة في كيفية توفير الأموال، وتسريع التغيير الاجتماعي دون شل الاقتصاد والاشتباك مع المؤسسة الدينية المحافظة، حسبما نقلت "بلومبيرغ" عن رجل الأعمال السعودي تركي الرشيد.

ورجح تقرير "بلومبيرغ" أن المسؤولين السعوديين الذين يقودون جهود نقل المملكة لعصر ما بعد النفط؛ قد لا يولون اهتماماً كبيراً لأسباب ركود أداء الاقتصاد المحلي ربعين متتاليين، ولأول مرة منذ عام 2009، في حين تكافح الشركات والمستهلكين السعوديين من أجل مواجهة تداعيات سياسات التقشف الحكومية.

- فشل رؤية 2030

والعام الماضي، توقعت تقارير اقتصادية، نشرتها صحف ومواقع عالمية، منها موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، مؤخراً، و"فايننشيال تايمز"، فشل "رؤية السعودية 2030"، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل.

وأشارت تلك التقارير إلى عدد من الأسباب؛ منها صعوبة توقُّف اعتماد المملكة على النفط، ومشاكل تواجه بيع الممتلكات الضخمة لتمويل المشاريع الاستثمارية، الأمر الذي دعا الحكومة السعودية، في سبتمبر الماضي، إلى إجراء مراجعة لخطط التحول الوطني ورؤية 2030.

وتنبأت العديد من التحليلات والتقارير الدولية، بعد إصدار الرؤية، بعدم ملاءمتها لأوضاع المملكة، سواء على مستوى الاقتصاد الوطني أو حتى على مستوى المواطن السعودي، حيث اعتبر الكاتب البريطاني روبرت فيسك، بمقال له نُشر في أبريل عام 2017، أن الرؤية "مغامرة جديدة" للأمير الشاب محمد بن سلمان، لا تقلُّ خطورة عن مغامرته السابقة في اليمن.

ويشير فيسك إلى أن "الإصلاحات الاقتصادية سيُطاح بها جميعاً قبل وقت طويل من الموعد النهائي للرؤية في 2030"، على حد قوله.

اقرأ أيضاً:

بِثورة سعودية.. هل تلحق أحلام "بن سلمان" بإخفاقات "جمال مبارك"؟

ونقلت "فايننشيال تايمز" عن مستشارين في الحكومة السعودية، قولهم إن هذه الخطوة المفاجئة تُشكِّل اعترافاً، لا لبس فيه، بأن الكثير من الأهداف الواردة بالرؤية "مندفعة بشكل مفرط"، وقد يكون لها تأثير سلبي كبير للغاية على أداء الاقتصاد المحلي والمستهلك.

وفي الوقت الذي يُتَوَقَّع فيه تحسُّن الاقتصاد بفضل إعلان "رؤية 2030"، تراجع ترتيب المملكة في عدة مؤشرات دولية؛ منها تنافسية الاستثمارات من المركز الـ18 عام 2013 من أصل 44 دولة، إلى المركز الـ20 عام 2014، والـ24 عام 2015، والـ25 عام 2016، في حين تراجعت بسنةِ عرض رؤية المملكة إلى المركز الـ29، بحسب تقرير الهيئة العامة للاستثمار.

مكة المكرمة