تحليل خاص: الدولار يصارع على عرش العملات وهيمنته مهددة

الدول الصاعدة تلجأ للتحوط بالذهب وعملات أخرى للتخلص تدريجياً من هيمنة الدولار

الدول الصاعدة تلجأ للتحوط بالذهب وعملات أخرى للتخلص تدريجياً من هيمنة الدولار

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 03-04-2015 الساعة 08:07
لندن - عبد الكريم حمودي - الخليج أونلاين


على الرغم من ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي أمام العملات العالمية الأخرى، فإن هيمنة الدولار على النظام النقدي الدولي أصبحت مهددة لأسباب اقتصادية بنيوية عديدة تضرب الاقتصاد الدولي منذ مدة في أكثر من منطقة حول العالم.

ارتفاع قيمة الدولار في الفترة الماضية كان بسبب عاملين اثنين؛ الأول يستند إلى توقع قرب رفع البنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الأمريكية الذي لا يزال بحدود صفر% إلى 0.25%. الثاني يستند إلى التوقعات بزيادة قوة تعافي الاقتصاد الأمريكي، والذي لا تزال نسبة نموه بحدود 2.5%، مقارنة بأقل من 1% في الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من انخفاض اليورو أمام الدولار الأمريكي والجنيه الإسترليني والين الياباني خلال الفترة الماضية، فإن العاملَين اللذين ساعدا على ارتفاع الدولار في الفترة الماضية يبدوان في غير محلهما، في الوقت الحاضر على الأقل أو في المستقبل القريب، بعد إعلان البنك الاحتياطي الفيدرالي في النصف الثاني من مارس/ آذار الجاري أنه ليس في عجلة من أمره لرفع سعر الفائدة؛ لأن كل مؤشرات النمو لا تشير إلى مزيد من التعافي في الاقتصاد الأمريكي، كما لا تنبئ بارتفاع معدلات التضخم.

في ظل هذا الواقع، فإنه من المنطقي توقف صعود الدولار إزاء اليورو والعملات العالمية الأخرى، الأمر الذي عزز الشكوك حول استمرار الهيمنة العالمية للدولار بعد 64 عاماً من السيطرة على الاقتصاد العالمي، وحيازته على حركة التجارة والتحويلات وخزائن احتياطات العملات الصعبة في المصارف المركزية، سواء في الدول الصديقة للولايات المتحدة أو تلك المعادية لها.

أما الأسباب الحقيقية التي تقف خلف تراجع هذه الهيمنة، فنلخصها في عدد من الأسباب الاقتصادية التالية:

أ- ارتفاع حجم الدين الأمريكي إلى أكثر من 18 تريليون دولار؛ أي ما يزيد على الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي المقدر بنحو 17 تريليون دولار. وإذا أخذنا بعين الاعتبار التزامات صناديق الدعم الاجتماعي فإن ديون الولايات المتحدة تصبح أعلى من ديون اليونان، قياساً إلى الناتج الإجمالي المحلي، والتي فشل الاتحاد الأوروبي في انتشالها من الأزمة المالية التي ضربتها وأضعفت منطقة اليورو برمتها.

ب- تراجع القوة التصديرية للاقتصاد الأمريكي، واستمرار أزمته البنيوية التي تسببت بالأزمة المالية العالمية منذ عام 2008، وأزمات أخرى كادت تودي بالنظام النقدي الدولي الحالي إلى الهاوية.

ج- استمرار البنك المركزي الأمريكي بطباعة مئات المليارات من الدولارات ليضخها في الأسواق بحجة محاربة الانكماش وإنعاش الاقتصاد الأمريكي.

د- إيجاد مؤسسات مالية بديلة عن صندوق النقد والبنك الدوليين، حيث تقوم دول البريكس، وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، بإقامة مؤسسات مالية لا يهيمن عليها الغرب واليابان، كما هو الحال في الوقت الحاضر. وتعمل دول البريكس حالياً على إرساء دعائم هذه المؤسسات، التي ينبغي عليها تمويل مشاريع البنية التحتية وحل الأزمات المالية، إذ تم رصد مبلغ لا يقل عن 150 مليار دولار لهذه الغاية.

هـ- اعتماد اليوان الصيني كعملة احتياط دولية، فقد قامت الصين التي فاق ناتجها الإجمالي نظيره في الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ عقود، بحسب تقارير، لتفقد الولايات المتحدة وضعها باعتبارها أكبر اقتصاد في العالم. وقالت التقارير الاقتصادية إنه في شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 2014، تجاوزت الصين الولايات المتحدة من حيث الناتج الإجمالي المحلي؛ فقد زادت حصة الصين من الناتج العالمي إلى 16.48% مقابل 16.28% للاقتصاد الأمريكي.

وهكذا، فإن الاقتصاد الصيني يتحول إلى أكبر اقتصاد في العالم، متجاوزاً، لأول مرة في التاريخ الحديث، حجم الاقتصاد الأمريكي. ففي مقابل الناتج الأمريكي في عام 2014 والذي يساوي 17.416 ترليون دولار، بلغت تقديرات الناتج المحلي الإجمالي الصيني بتعادل القوة الشرائية 17.632 ترليون دولار؛ أي إن الاقتصاد الصيني أكبر من الاقتصاد الأمريكي بنحو 1.2%، كما أن النمو الاقتصادي الأمريكي للعام 2014 بلغ 2.5%، مقابل 7.4% لاقتصاد منافسه الصيني؛ أي إن النمو الصيني يعادل ثلاثة أضعاف الأمريكي.

و- وأخيراً جاءت الخطوة الكبرى في هذا السياق من العالم العربي ومن أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، حيث تنتج قرابة 10 ملايين برميل يومياً، والتي تتمثل في إقدام السعودية على فتح بورصتها أمام المستثمرين الأجانب بشكل يسهّل على الصينيين وغيرهم الاستثمار في الشركات والصناديق السعودية. وهو الأمر الذي سيساعد الأخيرة على التخفيف من اعتمادها على النفط الذي يباع بالدولار وزيادة أرباحها من الاستثمارات.

لهذه الأسباب مجتمعة، بالإضافة إلى حالة عدم الاستقرار التي تسود الاقتصاد العالمي، تتراجع قيمة العملة الأمريكية عالمياً، مما دفع الكاتب الأمريكي المعروف جيمس ريكاردس للحديث في كتابه "الانهيار النقدي" (The death of Money) عن مؤشرات انهيار النظام الحالي لحساب نظام لم تتضح معالمه حتى الآن، كما أن الوضع المقلق للدولار دفع الكثير من الدول، وفي مقدمتها الصين وروسيا والهند، إلى تقليص احتياطاتها من العملة الأمريكية بشكل تدريجي وسري، لحساب التحوط باليورو والذهب وقيم أخرى.

ونظراً للأزمة التي تضرب منطقة اليورو، أقدمت الكثير من الدول على التحوط بالذهب، إذ تشير المعطيات المتوافرة إلى أن هناك موجة قوية صاعدة في مختلف أنحاء العالم لشراء الذهب، إلى الحد الذي يبدو فيه الأمر كأن هذه الدول تعمل على تشكيل احتياطي ذهبي على غرار ما كان عليه الحال حتى سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت قيمة العملة مرتبطة بحجم التغطية الذهبية.

وترى العديد من دول العالم المؤثرة أن الدولار لن يستمر كعملة مهيمنة، لذلك ترى ضرورة الانتقال الهادئ لنظام نقدي دولي يعتمد على سلة عملات وليس عملة واحدة كما هو الحال الآن، غير أن الصين، بحسب ريكاردس، لا تكتفي على هذا الصعيد بالعمل في إطار دول مجموعة البريكس، بل تكثف شراءها للذهب وتعقد اتفاقات لتمويل صفقات دولية بالعملة الصينية "اليوان". ولعل أبرزها اتفاق للمقايضة بين الفرنك السويسري واليوان، مما يفتح المجال لاعتماد العملة الصينية كعملة احتياط دولية بشكل متزايد.

وعليه؛ فإن مختلف البلدان، وبخاصة تلك التي لديها احتياطات كبيرة من الدولار، ليس لديها مصلحة في التخلص من الدولار بسرعة بشكل يؤدي إلى انهيار دراماتيكي يهدد قيمة احتياطاتها منه. ومن هنا فإن تخفيف تلك الاحتياطات منه بشكل تدريجي وهادئ أمام بدائل أخرى من جهة، وإقامة مؤسسات مالية إقليمية ودولية تنهي نظام الهيمنة من جهة أخرى، قد يكون أحد أنسب السبل نحو بناء نظام نقدي دولي جديد يشكل الدولار أحد ركائزه، بدلاً من أن يكون المتحكم به.

ويرى الكثير من الخبراء أن العملة الأمريكية لا تخضع للمنطق الذي تخضع له العملات الرئيسية الأخرى في العالم؛ لكونها العملة العالمية المتحكمة بالتبادل التجاري العالمي، والعملة شبه الوحيدة لشراء المواد الأولية وبيعها، وفي مقدمتها النفط والغاز، وعليه؛ فإن جميع دول العالم بحاجة إلى الدولار كعملة ثانية إلى جانب عملاتها الوطنية؛ من أجل تجارة سلعها، ولا سيما الاستراتيجية منها، لكن هذه الهيمنة تضعف تدريجياً لحساب دول وعملات أخرى تساعدها الظروف الحالية السائدة على إقامة نظام مالي دولي أكثر عدلاً واستقراراً بدل النظام السائد حالياً.

مكة المكرمة