حلقات الحصار تشتدّ.. أزمة السيولة النقدية تُطيح باقتصاد غزة

لم يدخل لغزة منذ شهور عملات صعبة وخاصة الدولار

لم يدخل لغزة منذ شهور عملات صعبة وخاصة الدولار

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 31-05-2018 الساعة 11:22
غزة- الخليج أونلاين (خاص)


يعاني قطاع غزة المحاصر من أزمة سيولة نقدية هي الأشدّ والأخطر منذ سنوات، بعد تشديد الاحتلال "الإسرائيلي" حصاره الاقتصادي ومنعه إدخال الأموال الصعبة للقطاع، وكساد الأموال القديمة ورفض البنوك والمصارف التعامل بها بحجّة أنها أموال "غير نظيفة".

لم يدخل لغزة منذ شهور طويلة العملات الصعبة، وخاصة الدولار الأمريكي الذي يعدّ شريان حياة لتحريك السيولة النقدية في أيدي المواطنين، بعد "الشيقل" العملة الرئيسية في السوق، وما زاد الطين بلةً وأربك الدورة المالية رفض "إسرائيل" استبدال الأموال القديمة المتكدّسة؛ كجزء من سياسة الخنق الاقتصادي التي تنتهجها ضد القطاع.

هذه الأسباب، إضافة لحال الانكماش الاقتصادي، وقلّة الطلب بسبب تراجع دخل المستهلك، ولجوء نسبة كبيرة من المستهلكين إلى الادّخار تحسّباً لتفاقم حدّة الأوضاع المعيشية المتردّية في غزة، خلق أزمة سيولة نقدية طاحنة، والتي بدورها عرّضت المنشآت الاقتصادية والتجّار والمستوردين لخسائر فادحة، ألقت بظلالها السلبية على حياة مليوني مواطن بغزة اشتدّت عليهم حلقات الحصار الخانقة.

اقرأ أيضاً :

بالصور.. الحصار والأزمات تسرقان فرحة رمضان في غزة

- من المسؤول؟

ويقول نايف حرز الله، صاحب مكتب صرافة "حرز الله للصرافة"، وسط مدينة غزة: إن "الأوضاع الاقتصادية والمالية التي يعيشها قطاع غزة خلال هذه الشهور هي الأسوأ والأخطر منذ سنوات طويلة؛ بفعل الحصار المشدّد المفروض على القطاع، وكذلك تأثير العقوبات التي فرضها الرئيس محمود عباس على غزة".

وفي تصريح خاص لـ "الخليج أونلاين" يوضّح أن هذه الأوضاع أثّرت سلباً في السيولة النقدية، التي باتت كالعملة النادرة في الأسواق، بعد تشديد الاحتلال تضييقه المالي بمنعه إدخال أوراق نقدية جديدة من العملات الصعبة كالدولار الأمريكي والدينار الأردني، ورفضه حتى استبدال العملة الموجودة في غزة".

"لا توجد أي عملات نقدية جديدة في غزة، وما يتم تداوله الآن بين المواطنين هي العملة القديمة المهترئة التي مرّ عليها سنوات وتغيّر شكلها، وقد تكون ملامحها قد اختفت تماماً، الأمر الذي خلق أزمة جديدة وزادت الأمور تعقيداً"، يضيف حرز الله.

ويشير إلى أن كافة البنوك والمصارف لا تقبل أي عملة بالية أو بطبعتها القديمة، وتقوم على الفور بإرجاعها للمواطنين فور فحصها؛ بحجّة أنها (أموال غير نظيفة)، وكذلك المواطن يُرجع أي عملة من البنوك والمصارف تكون قديمة، ما خلق أزمة كبيرة وتسبّب بتكدّس مئات الملايين من الأوراق النقدية دون أي حركة في السوق، خاصة بعد انخفاض سعرها بالنسبة إلى السوق.

واتهم حرز الله الاحتلال بالمسؤولية عن تفاقم أزمة السيولة النقدية والمالية بغزة، لكنه في الوقت ذاته حمّل سلطة النقد الفلسطينية جزءاً من المسؤولية؛ بعد ما أسماه بـ "تقاعس" و"مماطلة" سلطة النقد في الضغط على الاحتلال بالسماح بإدخال العملة الصعبة واستبدال العملة القديمة الموجودة بغزة.

وذكر أن السلطة الفلسطينية لها يد "خبيثة" في الحصار الاقتصادي المشدّد المفروض على قطاع غزة، مؤكّداً أن عقوبات الرئيس عباس التي شملت على وجه الخصوص تقليص رواتب موظّفي السلطة بغزة لأكثر من 50% ساهمت في تفاقم الوضع الاقتصادي وتقريبه من حافة الانهيار الكامل.

ويفرض الاحتلال حصاراً على غزة منذ وصول حركة "حماس" إلى السلطة بعد فوزها بالانتخابات التشريعية عام 2006، حيث أغلق أربعة معابر تجارية، وأبقى على معبرين فقط؛ هما معبر كرم أبو سالم كمنفذ تجاري، ومعبر بيت حانون كمنفذ للأفراد.

وزادت الأوضاع سوءاً وتدهوراً بعد قرارات الرئيس عباس، في أبريل من العام الماضي، بتقليص الدعم الموجه لغزة من الكهرباء، وخصومات على رواتب موظّفي السلطة، وإيقاف التحويلات البنكية، في حين تصرّ الحكومة على عدم إدراج غزة ضمن موازنتها السنوية، أو حتى صرف أي أموال للقطاع.

اقرأ أيضاً :

إطلاق أول سفينة لكسر الحصار من غزة

- اقتصاد يموت

الخبير الاقتصادي نهاد نشوان، حذّر في تصريحات خاصة لـ "الخليج أونلاين" من استمرار أزمة السيولة النقدية التي ضربت قطاع غزة بقوة خلال الشهور الأخيرة، مؤكّداً أن ذلك ستترتّب عليه نتائج في غاية الخطورة على الوضع الاقتصادي المتردّي والميت للقطاع.

ويضيف نشوان: "هذه الأزمة في حال استمرّت شهوراً إضافية ستؤدّي في النهاية لانهيار اقتصادي يشمل كافة القطاعات الحيوية والهامة، أبرزها البنوك والمصارف، ويصيب اقتصاد غزة بحالة موت تامّ تتوقف فيها العجلة الاقتصادية والمالية بشكل نهائي".

"السيولة النقدية وتوفّر العملات الصعبة الجديدة هي محرّك للاقتصاد، لكن اختفاء ذلك يعني فعلياً أنّنا متجهون نحو المرحلة الأكثر خطورة والأسرع إن لم تتحرّك كافة الجهات الرسمية وعلى رأسهم سلطة النقد في إنقاذ ما يمكن إنقاذه"، يقول الخبير الاقتصادي.

ويلفت لـ "الخليج أونلاين" إلى أنه "في ظلّ أزمة السيولة الحالية فإن سحب أي مبلغ بسيط من البنوك كمليون أو مليوني دولار ستكون لها نتائج كارثية كبيرة، خاصة بعد أن قرّرت سلطة النقد التابعة للسلطة في السابق سحب مئات الملايين من الدولارات من بنوك غزة، الأمر الذي خلق أزمة طاحنة في السيولة النقدية بنسبة 50%".

غياب السيولة النقدية، بحسب نشوان، إضافة لمساهمتها في تدهور الوضع الاقتصادي، يخلق أزمات بين التجار وأصحاب الشيكات والكمبيالات المرجعة؛ بسبب عدم قدرتهم على الإيفاء بالتزاماتهم المالية، ما يعرّضهم للملاحقة القضائية والسجن.

وعن الحل الذي يمكن أن يساعد في تخطّي هذه الأزمة في ظل الحصار "الإسرائيلي" المشدّد ورفض استجابة سلطة النقد لنداءات غزة، قال نشوان: "الحل يكمن في فتح باب التصدير للخارج وزيادة عدد الصادرات، وهذا الأمر سيساعد بشكل كبير في الأموال الصعبة والجديدة للسوق واستبدال القديمة وتحريك عجلة السيولة النقدية".

- فقدان 500 مليون دولار سنوياً

وفي ذات السياق قال رئيس جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بغزة، علي الحايك، لـ "الخليج أونلاين": إن "أسواق قطاع غزة تفقد سيولة نقدية بقيمة 500 مليون دولار سنوياً"، موضحاً أن "حركة دوران السيولة النقدية تعاني من خلل كبير ونقص حادٍّ لم يسبق له مثيل على مدار السنوات الأخيرة؛ بفعل توقّف أعمال غالبية الشرائح الاقتصادية بغزة، وأصبح اليأس التامّ يسيطر على السكان بفعل اشتداد الأزمات المعيشية وفقدان السيولة".

من جهته قال مدير دائرة الدراسات والتخطيط في وزارة الاقتصاد الوطني، أسامة نوفل، إن نقص السيولة أثر في أعمال البنوك والمصارف في قطاع غزة.

وبيّن نوفل أن البنوك تواجه مشكلة الآن في تحصيل الأقساط التي أعطتها لعملائها، وأنه على أثر ذلك قلّلت من منح تسهيلات ائتمانية جديدة خشية عدم قدرة المنتفعين على تسديدها، مضيفاً: "البنوك تأثرت أيضاً بنقص الودائع الموجّهة لها، ما يعني استمرار النقص في أرباحها السنوية".

وأشار في تصريحات صحفية إلى أن الإحصائيات الصادرة عن سلطة النقد أظهرت أن نسبة ودائع قطاع غزة في البنوك لا تمثّل أكثر من 10% من إجمالي الودائع الفلسطينية، لافتاً إلى أن (400) مليون شيقل مخزّنة في مصارف غزة لا يتم التداول بها في الأسواق؛ نظراً لتراجع القوة الشرائية، مؤكّداً أن استمرار نقص السيولة في الأسواق يؤثّر في دورة رأس المال بين المنتجين والمستهلكين.

وحسب المؤشرات الاقتصادية فإن 49.1% نسبة البطالة في قطاع غزة خلال الربع الأول من العام الجاري، و53% معدلات الفقر، كما شكّلت 72% نسبة انعدام الأمن الغذائي لدى الأسر في غزة، وإن 80% من الغزيين يعتمدون على المساعدات المقدَّمة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".

مكة المكرمة