سوق الفقراء في غزة.. جيوب فارغة وعيون تتسوق بحسرة

يعتبر بائعون أن هذا العام هو الأسوأ على الإطلاق

يعتبر بائعون أن هذا العام هو الأسوأ على الإطلاق

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 26-08-2017 الساعة 16:08
غزة - الخليج أونلاين (خاص)


كعادته قبل أيام من قدوم موسم العيد، يُشمر التاجر إياد السنداوي بكل نشاط عن ساعديه، ويبدأ تجهيز محله التجاري داخل سوق "فراس" وسط مدينة غزة، وتوزيع الملابس المستعملة "البالة" داخل رفوفه وعلى أبوابه، قبل عرضها عند الساعة الخامسة فجراً للمارة والمشترين.

السنداوي كان يعول كثيراً على موسم عيد الأضحى لتعويض الخسائر الكبيرة التي تكبدها الشهور الأخيرة نتيجة انخفاض مستوى البيع، وعزوف المواطنين عن شراء الملابس "البالية"، رغم أن أسعارها منخفضة جداً مقارنة بأسعار المحال التجارية الأخرى.

3

"سوق البالة"، أو ما يطلق عليه أهل غزة "سوق الفقراء"، هذه المرة لم يُثلج قلوب عشرات التجار والباعة الصغار، وأصابهم الركود وقلة حركة المشترين بحالة من الحسرة والضيق إضافة إلى خسائر مالية الكبيرة؛ لكون هذا الموسم هو الأمل الأخير لهم لبيع بضائعهم التي تتكدس أمام محالهم التجارية.

- ضياع الموسم

ويقول الأربعيني السنداوي، الذي يقف على مدخل السوق وهو محدق في المارة يميناً ويساراً، بعد أن فقد الأمل في دخول أحد الزبائن إلى محله: "منذ يومين تقريباً لم يدخل محلي أي مواطن ليشتري أي قطعة من الملابس، وجميعهم ينظر ويهرب مسرعاً".

1

ويضيف لـ"الخليج أونلاين": "تكبدنا خسائر كبيرة خلال موسمي رمضان وعيد الفطر الماضيين، وكنا نعول كثيراً أن تنشط حركة البيع خلال موسم عيد الأضحى الحالي، لكن "المكتوب باين من عنوانه"، فحال المواطنين لا تسر، ويبدو أن خسائرنا ستتضاعف أكثر من توقعاتنا".

ويشير إلى أن "سوق البالة" الشعبي كان ينشط ويعج بالمواطنين والمشترين من كل مكان في قطاع غزة منذ ساعات الفجر، حتى إن بعض البضائع كانت تباع وتنفد فقط بعد ساعات قليلة من عرضها للناس، لكن هذا الموسم مختلف تماماً والجميع يشاهد ويعاين ولا يشتري.

4

وتنتشر في قطاع غزة الأسواق الشعبية؛ فهناك سوق السبت والأربعاء في مدينتي رفح وخانيونس جنوبي القطاع، إضافة إلى سوق الأحد والاثنين والخميس في وسطه، وسوق الجمعة في حي الشجاعية ومنطقة فراس في شرقي مدينة غزة.

ويقول السنداوي: "من المفترض أن يكون السوق مليئاً بالمشترين في هذا الوقت من السنة تحديداً، ونشهد حالة بيع كبيرة، ورغم أن الأسعار مناسبة للجميع ولا تتعدى الـ5-10 شواقل للقطعة الواحدة، إلا أن حالة عزوف المواطنين عن الشراء غريبة، ولم نشهد لها مثيلاً منذ سنوات طويلة".

اقرأ أيضاً :

"حقوق الإنسان" القطرية تطالب السعودية برفع القيود عن الحج

السنداوي كغيره من عشرات المحلات الصغيرة التي تبيع ملابس البالة في سوق فراس تعاني من أزمة كبيرة؛ بسبب قلة الزبائن المرتادين للمحلات التجارية، وهم يفكرون جدياً في إغلاق محلاتهم بعد أن كان لها صيت كبير لسنوات طويلة.

6 --

فحالة الحسرة التي يشعر بها التاجر السنداوي شاركه فيها الشاب رأفت قديح، أحد باعة "البالة" المتجولين داخل سوق "فراس"، الذي فضل أن يأخذ قسطاً من الراحة على أكوام من الملابس موزعة على أحد الطرق على مدخل سوق فراس الشعبي.

ويقول قديح لـ"الخليج أونلاين"، إنه منذ ساعات الصباح وحتى منتصف اليوم لم يبع أي قطعة قماش من التي يعرضها على الطريق؛ لذلك فضل أن ينام ويأخذ قسطاً من الراحة، في ظل حرارة الشمس التي أحرقته وهو ينتظر أي زبون يتجه نحو بسطته.

7

ويضيف: "أعمل في بيع الملابس البالية منذ 4 سنوات، ولكن هذا العام هو الأسوأ على الإطلاق؛ فما نعرضه اليوم للبيع نعود ونعرضه غداً دون أي نقصان ولا نجد من يشتري شيئاً، وبالنسبة لنا الموسم انتهى تماماً حتى قبل قدوم العيد بأيام؛ لذلك قررت أن أترك هذه المهنة وأبحث عن عمل جديد".

ويشير قديح إلى وجود مئات الأطنان من البضائع المكدسة عند التجار والباعة داخل السوق، ولا تجد من يشتريها، ويبدو أن أوضاع المواطنين الاقتصادية والحصار الإسرائيلي وسياسة قطع رواتب الموظفين، وموسمي العيد ورمضان والمدارس، قد أفلست جيوب المواطنين، وحتى بضائع البالة الرخيصة أصبحت عبئاً كبيراً عليهم.

8

وسوق "البالة"، هو السوق الذي تباع فيه الملابس المستعملة التي يتم جلبها من إسرائيل، التي تستوردها بدورها من البلاد الأجنبية.

ومن المعروف أن زبائن هذا السوق هم الفقراء الذين لا يستطيعون شراء ملابس جديدة بثمن غالٍ، غير أن الظروف تبدلت هذه الأيام، فأصبح زبائن هذا السوق من كل شرائح المجتمع، الفقراء والأثرياء لعدة أسباب؛ منها ما يتعلق بالفقر، أو بتوفر الماركات العالمية بأسعار منافسة لمثيلاتها التي تتوفر في المحلات التجارية الجديدة، وما يصاحبها من أسعار "باهظة".

9

وانتشرت محلات البالة في أغلب محافظات قطاع غزة، حيث يعكس هذا الانتشار الواسع حالة البؤس التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة، في ظل ارتفاع نسب الفقر والبطالة نتيجة للحصار المفروض عليهم منذ 10 سنوات، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار نتيجة ندرة البضائع المستوردة في القطاع.

- أعباء اقتصادية

وتلاحق المواسم والأعياد الدينية بالنسبة لأهالي قطاع غزة يُشكل عبئاً ثقيلاً آخر، يضاف إلى قائمة الأعباء والأزمات الاقتصادية الطويلة التي تضرب القطاع من كل جانب ولا حصر لها، ويعاني منها الغزيون منذ سنوات.

وتبدو الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها آلاف السكان، لا سيما في ظل تقليص الرواتب وعدم تقاضي موظفي حكومة غزة السابقة لرواتبهم بشكل كامل منذ عدة سنوات، حاضرة بقوة هذا العام إذ يتوافق افتتاح العام الدراسي مع حلول عيد الأضحى؛ وهو ما يجعل العبء الملقى على أرباب هذه الأسر مضاعفاً.

ويقول معين رجب، الخبير في الشأن الاقتصادي، لـ"الخليج أونلاين": إن "أوضاع القطاع الاقتصادية والإنسانية دخلت مرحلة الخطر الشديد، والأعباء على المواطنين تزداد يوماً بعد يوم، حتى باتت مقلقة للجميع".

ويضيف: "عزوف المواطنين، وخاصة أصحاب الدخل المحدود والموظفين الذين قطعت أو تقلصت رواتبهم من قبل السلطة الفلسطينية أو الحكومة في غزة، أمر طبيعي نتيجة للوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه تلك الأسر، وتعدد المواسم الدينية والاجتماعية التي تحتاج الكثير من الأموال".

وأشار رجب إلى أن الأوضاع التي تشهدها الأسواق الحالية وخاصة "سوق البالة" المختص ببيع البضائع بأرخص الثمن، هو مؤشر حقيقي لمدى تأثر المواطنين سلباً بالحصار والأوضاع الاقتصادية القاسية والصعبة التي يعيشها سكان غزة.

وذكر الخبير في الشأن الاقتصادي أن معدلات الفقر والبطالة ترتفع بشكل مخيف في قطاع غزة، حتى تجاوزت الخط الأحمر لأكثر من 50%، مع انعدام أي رؤية سياسية واقتصادية واضحة تنشل مليوني فلسطيني من الفقر والكوارث القادمة، الأمر المرشح لمرحلة أكثر خطورة وضيقاً على أهل غزة.

وقال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان: إن "الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة للعام العاشر على التوالي رفع نسبة الفقر بين سكانه إلى 65%".

وذكر المركز أن نسبة البطالة في غزة ارتفعت في الآونة الأخيرة إلى 47%، وأن 80% من سكان القطاع باتوا يعتمدون على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة اليومية.

وكان البنك الدولي أصدر تقريراً في سبتمبر 2016، أفاد بأن نسبة البطالة في غزة بلغت 43%، وأن نسبة الفقر بلغت 60%.

مكة المكرمة