غزة بلا غاز.. أزمة جديدة تضرب السكان وتعيدهم لوسائل بدائية

حبل الحصار يشد خناقه.. أزمة غاز طاحنة تضرب غزة
الرابط المختصرhttp://cli.re/gkkeMY

أزمة الغاز في غزة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 20-07-2018 الساعة 12:02
غزة - نادر الصفدي - الخليج أونلاين

تتفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في غزة ككرة ثلج متدحرجة، حتى وصلت حالة القطاع إلى حافة الانهيار الكامل؛ بفعل حبل الحصار الخانق الذي تلفّه سلطات الاحتلال الإسرائيلي حول رقاب أكثر من مليوني مواطن، وشدّته بقوة خلال الفترة الأخيرة حتى قتلت حياتهم اليومية بعد أن أصابتها بالشلل.

"كهرباء وماء ووقود ومعابر وصرف صحي وأدوية"، كلها أزمات عاش تفاصيلها المريرة سكّان غزة طوال سنوات الحصار وأذاقتهم الكثير من مرارتها، لتُضاف للقائمة أزمة متجدّدة وهي "غاز الطهي"، الذي اختفى من محطّات الوقود بعد إغلاق الاحتلال لمعبر "كرم أبو سالم" التجاري، كنوعٍ جديد من عقاب أهل القطاع.

في الساعات الماضية تفاقمت حياة الغزيّين بسبب أزمة "غاز الطهي"، وأعادت مشاهد طوابير المواطنين الطويلة التي تقف بجانب أسطوانات الغاز الفارغة أمام محطات الوقود المغلقة، أعادت إلى الذاكرة أشدّ حلقات الحصار قسوة على السكان، وكأن الصورة ثابتة والمتغيّر فقط هي فصول الألم والمعاناة.

وقرّر الجيش الإسرائيلي، الاثنين (16 يوليو)، إغلاق معبر كرم أبو سالم التجاري الوحيد مع القطاع أمام حركة البضائع من القطاع وإليه، في إطار محاولاته لوقف إطلاق الطائرات الورقيّة والبالونات الحارقة تجاه المستوطنات الإسرائيلية المحاذية للقطاع.

عودة للعصور القديمة

الأربعيني فتحي أبو عاصي، يجلس على أسطوانته الفارغة بعد أن حجز لنفسه مكاناً في طابور طويل يصطفّ أمام محطة "الأصيل" لتعبئة الغاز غربي مدينة غزة، ينتظر دوره في تعبئة نصف أسطوانته على الأقل لتستطيع زوجته أن تدير أمور المنزل اليومية بعد تعطّلها لعدم توفّر غاز الطهي منذ أيام.

ويقول أبو عاصي لـ"الخليج أونلاين": "أقف أمام محطة الوقود منذ أكثر من 5 ساعات، وبسبب إغلاق الاحتلال لمعبر كرم أبو سالم ومنعه إدخال غاز الطهي لغزة نعيش في أزمة كبيرة تتشابه مع أزمة عشناها في العام 2015 كانت طاحنة وقاسية للغاية".

ويضيف: "حلقات الحصار الإسرائيلي اشتدّت علينا كثيراً، وأنا أنتظر بفارغ الصبر أن يصل دوري اليوم أو غداً لأتمكّن من تعبئة نصف أسطوانتي، وأستطيع بها أن أكمل حياتي اليومية التي أثقلتها الأزمات الاقتصادية، وإلا فسنعود للعصور القديمة في استخدام الأخشاب لإشعال النيران في حال لم نجد حلولاً".

ويشير "أبو عاصي" إلى أن خطوة الاحتلال بعقاب سكان غزة بهذه الطريقة بسبب الطائرات الورقية "ما هي إلا نوع من العقاب الجماعي والإنساني المخالف لكافة القوانين الدولية"، مشدّداً على أن المقاومة بكل أشكالها ستستمرّ مهما كانت الضغوطات والتحدّيات التي تعصف بسكان غزة.

ويُعدّ غاز الطهي سلعة استهلاكية لا غنى عنها في قطاع غزة، ولا سيما أن الوقود، وخاصة غاز الطهي، لا يمكن إدخاله إلا من معبر كرم أبو سالم التجاري، الأمر الذي تسبّب بالدخول في أزمة لا يُتوقّع أن تُحلّ خلال الفترة المقبلة.

وجاء القرار الإسرائيلي بإغلاق المعبر بعد أسبوع واحد من قرار حكومة الاحتلال تقليص إدخال البضائع للقطاع ومنع التصدير عبره، في إطار الضغوط على حركة "حماس" لوقف إطلاق البالونات تجاه المستوطنات والمواقع العسكرية المحاذية لغلاف القطاع.

 

تفاقم الأزمة

رئيس لجنة الغاز في جمعية أصحاب شركات الوقود في قطاع غزة، سمير حمادة، أكّد أن قطاع غزة يعيش هذه الأيام أزمة "غاز طهي" هي الكبرى والأكثر خطراً منذ سنوات الحصار بأكملها.

وفي تصريحات خاصة لـ"الخليج أونلاين"، أكّد أن مواصلة الاحتلال إغلاق معبر كرم أبو سالم ومنعه إدخال الوقود بمشتقّاته لغزة سيؤدّي بالقطاع وسكانه نحو أزمة حقيقية ستكون لها عواقب وخيمة على حياة المواطنين اليومية.

ولفت حمادة إلى أن محطّات الوقود المنتشرة في قطاع غزة رصيدها من "غاز الطهي" صفر، ولا تملك أي مخزون يُستخدم وقت الطوارئ؛ وذلك نظراً لتقنين الاحتلال الكميات التي تدخل القطاع، والتي يتم استهلاكها محلياً وبشكل يومي من قبل المواطنين.

وأشار إلى أن الكميات التي تدخل غزة في الأيام العادية كانت تبلغ ما بين 280 إلى 290 طناً، وهي تكفي أقلّ من نصف حاجة السكان، الذين يحتاجون لأكثر من 550 إلى 650 طناً من "غاز الطهي" بشكل يومي، موضحاً أن إغلاق المعبر "أدخلنا في أزمة كبيرة سيصعب الخروج منها".

وطالب حمادة  المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي بالضغط على الجانب الإسرائيلي لفتح معبر كرم أبو سالم، وإدخال جميع المحروقات التي يُدفع ثمنها مسبقاً للاحتلال.

وفي ذات السياق أعلنت جمعية أصحاب شركات البترول في قطاع غزة، الخميس (19 يوليو)، توقّف معظم محطّات تعبئة الغاز عن تقديم الخدمة؛ وذلك بسبب نفاد المخزون الاحتياطي لديها.

وقال مدير محطّة "الشمال للغاز والبترول"، محمد درويش: إن "المراكز الرئيسية لتوزيع الوقود وغاز الطهي في غزة أقفلت أبوابها في وجه مراكز بيع وتوزيع الغاز الفرعية، واعتذرت عن عدم العمل بسبب نفاد مخزونها من الوقود وغاز الطهي".

وبحسب درويش: "عشرات آلاف أسطوانات الغاز الفارغة التي يريد المواطنون تعبئتها موجودة في محطاتنا، ولكن منذ بدء إغلاق المعبر ومنع دخول الغاز لم نستطع تعبئة ولو أسطوانة غاز واحدة".

وتابع: "في حال لم يتم فتح معبر كرم أبو سالم خلال أيام أتوقع توقّفاً كاملاً وشللاً تاماً لعجلة الحياة في قطاع غزة، خاصة أن الغاز من الحاجات الأساسية في كل بيت، فضلاً عن عدم وجود بدائل كهربائية في ظل عدم توفّر الوقود اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء".

شلل الحياة

وتعقيباً على التطوّرات الجديدة، أكّد الخبير الاقتصادي ماهر الطباع، أن أزمة "غاز الطهي" تفاقم بشكل كبير وخطير الأوضاع المعيشية واليومية لدى سكان غزة، الذين يعانون الكثير من ويلات وألم الحصار.

وأضاف الطباع لـ"الخليج أونلاين": "غاز الطهي سلعة تعدّ من أساسيات الحياة اليومية للسكان في غزة، وغيابها سيؤدّي إلى خلل كبير في المنظومة، وسيشلّ الحياة بشكل كامل ويفاقم من الأوضاع المعيشية والإنسانية؛ لكون البديل المتوفّر سيكون الحطب فقط".

وبيّن أن وسائل العقاب الجديدة التي يستخدمها الاحتلال ضد سكان غزة ستؤدّي للانهيار الكامل خلال فترة قريبة، خاصة في ظل ارتفاع مخيف ومقلق لمعدلات الفقر وتفشّي البطالة بين السكان، وانعدام توفّر أي حلول واضحة وعمليّة تنتشل غزة من أزماتها وويلاتها.

ومعبر كرم أبو سالم هو المدخل التجاري الوحيد الذي يخدم نحو مليوني فلسطيني يحاصرهم الاحتلال الإسرائيلي والسلطات المصرية، إذ حذّر رئيس أركان هيئة الجيش، غادي آيزنكوت، في اجتماع لمجلس الوزراء المصغّر (الكابينيت) من أن غزة على وشك الانهيار بسبب الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

وفي نفس الاجتماع قدّر آيزنكوت أن المزيد من التدهور قد يؤدّي إلى احتمال حدوث مواجهة شاملة خلال عام 2018، مؤكّداً أن على "إسرائيل" اتخاذ خطوات مهمّة لمنع انهيار القطاع.

وبحسب المعطيات الرسمية فإن قرابة 243 ألف شخص بغزة عاطلون عن العمل، بنسبة 46.6%، "وهي الأعلى عالمياً"، وإن نسبة البطالة بين الخريجين في الفئة العمرية (20-29) سنة وصلت إلى 67%، في حين بلغت معدّلات الفقر والفقر المدقع في غزة 65%، ووصلت نسبة انعدام الأمن الغذائي إلى 50%.

مكة المكرمة