معارك درعا تقطع "الحوالات" آخر الشرايين الاقتصادية للسكان

يعاني النازحون السوريون إلى الحدود ظروفاً صعبة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 06-07-2018 الساعة 11:44
درعا - الخليج أونلاين (خاص)

أدت المعارك التي تشهدها محافظة درعا جنوبي سوريا إلى توقف جميع الأنشطة الاقتصادية للسكان، ومن ضمنها وصول الحوالات المالية الخارجية التي كانت تشكل الشريان الاقتصادي الأبرز، الذي يمد السكان بالحياة، ويعزز من صمودهم وتشبثهم بأرضهم.

يأتي ذلك بعد الخراب والدمار الذي حل بالمدينة، إثر شن النظام السوري وحلفائه، روسيا والميليشيات الإيرانية، حملة قصف منذ أواخر يونيو الماضي، ما شرد أكثر من 350 ألف مدني من المحافظة السورية إلى حدود الأردن.

وقال ناشطون إن مناطق درعا، التي تخضع لسلطة الفصائل المسلحة (المعارضة)، تتعرض لحرب "إبادة جماعية" على أيدي قوات النظام وحلفائها من الروس والميليشيات الطائفية، التي تستخدم أعتى الأسلحة، وأشدها فتكاً، وذلك في ظل صمت عربي شعبي ورسمي وعالمي مطبق. 

 

 

ولفت الناشط الحقوقي أبو معتز الدرعاوي إلى أن الحرب التي يشنها النظام على مناطق درعا أفقدت السكان معظم مقومات حياتهم المعيشية، وجميع مصادر رزقهم، ومن ضمنها المساعدات التي كانت تأتيهم على شكل حوالات مالية من ذويهم في دول الاغتراب واللجوء.

وبيَّن الدرعاوي، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن غالبية السكان الذين فروا من ديارهم على عجل طلباً للأمان باتوا عاجزين عن تأمين احتياجاتهم اليومية من طعام وشراب، في ظل غياب كامل لجميع أشكال المساعدات الإنسانية من أي منظمة عربية أو دولية.

 

- اعتماد على الحوالات 

وحول الأوضاع الاقتصادية في المدينة السورية، قال الاقتصادي سامر عيسى: "إن أكثر من 50% من سكان المناطق المحررة في درعا، يعتمدون بشكل ما في معيشتهم على مساعدات الأقارب المالية، وبعض المنظمات الخيرية، التي تصلهم من خارج سوريا، لا سيما من الأردن ودول الخليج العربي، ولاحقاً من دول اللجوء".

وبين في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن حجم الحوالات التي تصل إلى الأهالي عبر مكاتب التحويل في المناطق المحررة (مكاتب غير قانونية ولا تخضع لسلطة حكومة النظام)، يقدر بملايين الدولارات شهرياً.

ولا تعتمد آلية عمل هذه المكاتب على وثائق أو حسابات بنكية أو رسمية، بل تعتمد على عوامل الثقة والأمانة والعلاقات الشخصية، وأدواتها ووسائل عملها مواقع التواصل الاجتماعي (واتساب، فيسبوك)، وفق ما أوضح الاقتصادي.

وتابع عيسى: "يكفي أن تصل رسالة نصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي المتفق عليها، من أحد مندوبي مكاتب الحوالات المعتمدين خارج سوريا، إلى مكاتبهم في الداخل، تطلب إعطاء فلان مبلغ مالي قدره كذا، ليتم التسليم فوراً للشخص المقصود، بعد التأكد من هويته ورقم هاتفه.

ويدير هذه المكاتب وفق ما قال عيسى: تجار، ومندوبون وسماسرة من داخل سوريا وخارجها، ينشطون داخل مناطق المعارضة، وتربطهم علاقات مالية واسعة، تقوم بشكل أساسي على تحقيق الربح، مقابل تقديم خدمات مالية محددة.

- مكاتب مستقلة

وأشار عبد القادر محمد، وهو صاحب مكتب حوالات، إلى أن هذه المكاتب تعمل باستقلالية تامة عن جميع السلطات الثورية، وهي أيضاً غير محمية من أي جهات، تتبع للنظام أو لغيره، بل على العكس هي ملاحقة من قبل أجهزة النظام الأمنية.

وأضاف في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن "مكاتب الحوالات المالية المنتشرة في العديد من المناطق المحررة، تحصل على نسب أرباح جيدة؛ نتيجة الأجور والخدمات المالية التي تقدمها"، موضحاً أن "عشرات الأسر تعتمد في معيشتها على المكاسب المادية، التي تحققها من هذه الأعمال".

ولا تحتاج هذه المكاتب داخل المناطق الخارجة عن سلطة النظام إلى تراخيص عمل، ولا إلى شروط ممارسة مهنة، ويمكن أن يمارسها أي شخص لديه ملاءة مالية، أو أي شخص لديه نشاط اقتصادي معين، مثل بائعي الملابس والمواد الاستهلاكية وغيرهم، وفق ما أوضح محمد.

- مهنة أفرزتها الحرب

وقال صاحب مكتب الحوالات: "إن مهنة استقبال وإرسال الحوالات، وتبديل الأموال، هي واحدة من المهن التي أفرزتها الحرب السورية؛ بهدف التغلب على بعض الصعوبات المالية وتأمين الأموال من خارج الحدود، ويتركز نشاطها في المناطق الحدودية، لا سيما في محافظتي درعا وإدلب، اللتين خرجتا مبكراً عن سلطة نظام بشار الأسد.

وأي تهديد أو أي خلل ميداني تتعرض له المناطق المحررة؛ يتسبب بتوقف ضخ الأموال عبر هذه المكاتب، خوفاً من ضياعها، وفق محمد، الذي أوضح أن معظم المكاتب الخارجية، التي تتعامل مع مكاتب درعا، أوقفت تحويلاتها إلى جميع مناطق المدينة إلى فترة غير محددة، بالتزامن مع حملة النظام العسكرية غير المسبوقة عليها.

وأكد محمد أن عشرات مكاتب الحوالات في مناطق درعا، فقدت عملها وأنشطتها المالية، خلال الأيام القليلة الماضية، لا سيما في الريف الشرقي والأوسط والغربي، سواء في المناطق التي دخلها النظام بقوة السلاح، أو عبر المصالحات والتسويات.

ولن تعود هذه المكاتب إلى استئناف عملها تحت سيطرة قوات النظام، لأنها غير قانونية وفق قوانينه، كما أن أصحابها معرضون للملاحقات الأمنية من قبل تلك السلطات، بذريعة دعم وتمويل الجماعات المسلحة، وفق ما قال محمد.

وفاقم توقف عمل هذه المكاتب من أوضاع السكان المالية، وأصبح القسم الأكبر من المعتمدين على هذه الحوالات في معيشتهم غير قادرين على تأمين ثمن قوت يومهم.

وهذا ما أكده أبو عبد الرحمن، وهو رجل سبعيني من ريف درعا الغربي، إذ إنه لم يعد قادراً على شراء حاجات أسرته من الخبز؛ بسبب عدم وجود المال. 

وأضاف لـ"الخليج أونلاين" أنه كان يعتمد في معيشته على حوالات مالية، كانت تصله من أولاده في تركيا، لكنه الآن لم يعد يستطيع استلامها، ولا يعرف من أين يستلمها بعد أن أغلقت المكاتب بمدينته أبوابها، ونزح جميع السكان. وبين أن كل شيء متوقف في درعا؛ بسبب الحرب وأن جواب أصحاب مكاتب الحوالات عند الاتصال بهم هو: "ما في حوالات، لم يصل شيء".

ويعيش النازحون من درعا الراغبون بالعبور إلى الجانب الأردني، ظروفاً إنسانية قاسية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة إلى 45 درجة مئوية، وهبوب رياح صحراوية، حيث لا يجد النازحون خيمة يستظلون بظلها. كما يعانون من غياب مصادر مياه شرب نظيفة.

ومنذ 20 يونيو الماضي، أطلق النظام السوري، بالتعاون مع حلفائه والمليشيات الشيعية الموالية له، هجمات جوية وبرية مكثفة على محافظة درعا راح ضحيتها عشرات المدنيين.

مكة المكرمة