مكافحة الفساد بالجزائر.. تصفية للحسابات أم حماية للمال العام؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GydzzJ

الجزائر

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 16-10-2018 الساعة 10:43
الجزائر - أيمن حمودة - الخليج أونلاين

في خطوة غير مسبوقة، قرّر قاضي التحقيق بالمحكمة العسكرية لمحافظة البليدة بالجزائر إحالة 5 جنرالات متقاعدين إلى الحبس الاحتياطي لاستكمال التحقيقات في تُهم تتعلَّق بالثراء غير المشروع واستغلال الوظيفة.

ولأول مرة يُزجّ دفعة واحدة بـ5 جنرالات في السجن، كانوا قبل أسابيع قليلة من أقوى قيادات الجيش، وحسب تقارير إخبارية محلية فقد تم إيداع هؤلاء الضباط الكبار السجن الاحتياطي بأمر من قاضي التحقيق لدى المحكمة العسكرية بمحكمة البليدة (60 كم جنوبي العاصمة الجزائرية).

ورغم أن قيادة الجيش وصفت التغييرات التي تشهدها المؤسسة العسكرية بأنها "مجرد تغييرات روتينية وتداول على المناصب"، فإن سجن الضباط الخمسة أثار الكثير من التساؤلات بشأن أبعاد ودلالات ذلك. 

تساؤلات أُثيرت أيضاً بشأن مدى وجود إرادة لدى السلطة في مكافحة الفساد، أو أن الأمر مجرد تصفية حسابات بين عصب السلطة ضمن إطار ترتيبات الرئاسيات القادمة، في ربيع العام المقبل.

"تسونامي" التغييرات في دواليب السلطة المدنية والعسكرية التي لها أسباب متّصلة بالفساد بدأ مع ما يُعرف بقضية 701 كغ من الكوكايين المحجوزة على متن باخرة بسواحل وهران، غربي العاصمة الجزائر.

قضية الكوكايين هذه هي الفضيحة التي أعقبتها موجة إقالات وتوقيفات واسعة؛ أبرزها إقالة الجنرال النافذ عبد الغاني هامل، قائد الشرطة السابق، الذي كان من المقرّبين من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ومن أبرز الأسماء المرشّحة لخلافته في قصر المرادية.

وبعدها بأسبوع أُعلن إنهاء مهامّ قائد سلاح الدرك، اللواء مناد نوبة، ليعلن بعدها تباعاً إنهاء مهام قيادات بارزة بوزارة الدفاع.

الجنرالات الخمسة الذين أُحيلوا إلى التقاعد هم: "القائد السابق للدرك الوطني اللواء مناد نوبة، والقائد السابق للناحية الأولى (منطقة عسكرية) اللواء حبيب شنتوف، واللواء سعيد باي القائد السابق للناحية الثانية، ومدير المالية بوزارة الدفاع اللواء بوجمعة بودواور، والقائد السابق للناحية الرابعة اللواء عبد الرزاق الشريف".

وأفادت قناة "النهار" المقرّبة من دوائر السلطة أن "قرار الإحالة جاء بناء على تهم تتعلَّق بالفساد وسوء استغلال المنصب".

سجن قيادات عسكرية نافذة ليست سابقة في الجزائر؛ فمنذ 2015 تم الزجّ بعدة ألوية في السجن؛ أبرزهم القائد السابق لوحدات مكافحة الإرهاب التابعة لجهاز المخابرات الجنرال آيت واعراب، المعروف باسم الجنرال حسان، الذي لا يزال مسجوناً، منذ أغسطس 2015، والجنرال جمال مجدوب، القائد السابق في جهاز الأمن الرئاسي، والجنرال حسين بن حديد، الذي اعتُقل في شهر مارس 2016، وقضى 3 أشهر في السجن؛ بسبب مداخلة تلفزيونية هاجم فيها الرئيس بوتفليقة وشقيقه السعيد.

 

- تغييرات روتينية

الرأي العام من جانبه يتابع أطوار القضية باهتمام بالغ؛ فللمرة الثانية في تاريخ الجزائر يُحاسب ضباط من أعلى مستوى في الجيش في قضايا فساد وثراء غير مشروع، بعد قضية الجنرال بلوصيف، الذي أُدين عام 1994.

تأتي هذه الموجة بعد أن نُقل عن الرئيس بوتفليقة تأكيده عدم التسامح مع الفاسدين مهما تكن رتبهم ومناصبهم، وأصدر تعليمات بعدم استثناء أي مسؤول مدني أو عسكري من المتابعة القضائية، لكن بعض الأطراف تتخوَّف من تحوّل هذه الحملة إلى غطاء لتصفية الحسابات بسبب المواقف السياسية المرتبطة بالانتخابات الرئاسية القادمة.
 

- تصفية حسابات

هذه القضيّة لقيت تفاعلاً عاماً في الشارع الجزائري، توضّح أيضاً من خلال تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي أدلى فيها مشاهير بدلوهم.

في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي"فيسبوك"، كتب المعلّق الرياضي الشهير حفيظ دراجي: "جميل أن نحارب الفساد والمُفسدين، لكن كل الفساد وكل المفسدين دون استثناء، كل الأوقات وليس في المناسبات".

وتساءل دراجي: "ماذا عن كبار الفاسدين من المدنيين الوزراء والبرلمانيين ورجال الأعمال؟"، مستطرداً بالقول: "ماذا لو قلنا لكم اليوم بأن الجزائر بخير ولا يوجد بها فساد، وبأن ما تفعلونه مجرد تصفية حسابات؟ ألم تقولوا بأن من يحارب الفساد يجب أن يكون نظيفاً؟ وكنّا نرى الفساد في أعينكم ونلمسه في ممارساتكم".

ورغم أن الجزائر دولة بترولية، خصّصت منذ 1999 برامج للتنمية، فإن تفشّي الفساد واستفحاله في مؤسسات الدولة أفشل تلك البرامج، ومنع الجزائر من الخروج من التبعيّة النفطية.

وفي كل عام تحذّر مختلف المؤسسات الدولية المتخصّصة في مكافحة الفساد الحكومة الجزائرية من تغوّل هذه الظاهرة.

ووفقاً لمؤشر مدركات الفساد لعام 2017، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، احتلّت الجزائر المرتبة 112 من أصل 180 دولة.

وفي تقرير التنافسية العالمية 2017-2018، احتلَّت المرتبة 92 من بين 137 دولة في مؤشر "المدفوعات غير النظامية والرِشى"، لكن الحكومة لا تعتدّ بهذه التقارير.

بدوره أعلن وزير العدل، حافظ الأختام الطيب، في سبتمبر الماضي، أن وزارته ستواصل مكافحة الفساد، مؤكّداً أن "القضاء المحايد هو السبيل الوحيد لمواجهة هذه الظاهرة"، وأنه "لا أحد يعلو فوق القانون مهما كانت درجته أو مكانته".
الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، في بيان لها تسلّم "الخليج أونلاين" نسخة منه، عبَّرت عن ارتياحها لتصريحات الوزير، وجاء في بيانها: "الرابطة تطالب الحكومة بإظهار حزم شديد في محاربة الفساد، والمطلوب ليس مجرّد تصريحات جوفاء موجّهة للاستهلاك في الداخل والخارج، لأن معظم دول العالم تنظر إلى الجزائر كتلميذ غير نجيب في مجال مكافحة الفساد، على الرغم من توقيع الجزائر على الاتفاقية الأممية لمحاربة الفساد".

من جانبه أكّد الأمين العام لحركة النهضة، محمد ذويبي، في إفادة لـ"الخليج أونلاين" أن "الجزائر باعتبارها دولة بترولية فإن انتشار الفساد يعدُّ حتمياً بسبب تمويل الحكومة لبرامجها التنموية بمبالغ ضخمة من خزينة الدولة".

وحسب حديثه فإن "الدولة اعترفت بتفشّي هذه الظاهرة من خلال إنشاء عدة مؤسسات حكومية لمكافحة الفساد، لكن هذه المؤسسات لا تقوم بدورها".

ووفقاً لتقديره فإن "مكافحة الفساد لا تكون إلا بوضع آليات لحماية المال العام، وذلك لا يكون إلا بتكريس دولة القانون وإقرار مبدأ الفصل بين السلطات، حيث تكون هناك عدالة مستقلّة وبرلمان قوي وصحافة مستقلّة"، ولأن "هذه الشروط غائبة في الجزائر فإن ما يُعلن عنه من حملات لمكافحة الفساد غير كافية؛ لأنها ظرفيّة ومناسباتيّة"، بحسب قوله.

وعن موقفه بخصوص تخوّفات من تحوّل الحملة على مكافحة الفساد إلى وسيلة لتصفية الحسابات السياسية بين أجهزة نافذة في السلطة، أكّد ذويبي أن "الأمر مرتبط حتماً بدولة القانون والمؤسسات، فحينما تكون الدولة خاضعة للقوانين تكون محاربة الفساد مسألة دائمة وليست ظرفية، ولا يمكن حينها للسلطة أن تتعسّف لأغراض انتخابية".

مكة المكرمة