هل يغيّر الغاز "الإسرائيلي" الهيكل الاقتصادي للمنطقة؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 16-06-2014 الساعة 23:27
واشنطن - الخليج أونلاين


أفاد تقرير صادر عن معهد أمريكي متخصص أن إسرائيل، وعلى الرغم من صغر رقعتها الجغرافية، سيكون لها - من خلال مواردها من الطاقة - دور رئيسي في قطاع الطاقة، وكذلك في الخريطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط وخارجها، كما أن الموارد من الغاز الطبيعي، الموجود في الأراضي المحتلة عام 1948، يمكن أن تسمح لها بالتأثير في العلاقات الرئيسية في المنطقة وتغيير هيكل الاقتصاد السياسي الإقليمي.

وقال "معهد الشرق الأوسط"، أحد أبرز المراكز البحثية المعنية بشؤون الشرق الأوسط في واشنطن، وتأسس في عام 1946 على يد مجموعة من العلماء ورجال الدولة البارزين، بهدف زيادة المعرفة عن المنطقة، في تقرير حديث: إن اكتشافات الغاز الطبيعي في إسرائيل في السنوات الماضية لديها القدرة على تحويل البلاد إلى مورد رئيسي للغاز إلى دول شرق المتوسط وأوروبا.

وتمتلك إسرائيل منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية سبعة حقول للغاز الطبيعي في مياه البحر المتوسط، تعمل منها ثلاثة حقول، فيما تنتظر الحقول الأربعة الأخرى استثمارات لتشغيلها. وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل لديها احتياطات تقدر بنحو 680 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي (24.3 تريليون قدم مكعب) حسب آخر إحصائيات متوافرة وتعود لعام 2012.

وتعتبر هذه الاحتياطات من الغاز الطبيعي صغيرة جداً، (أقل من 0.4 % من احتياطات العالم المؤكدة من الغاز)، مقارنة بالاحتياطات المؤكدة في إيران (18 %)، وروسيا (17.6 %)، وقطر (13.4 %). وحتى مصر لديها احتياطات مثبتة (2 %)، تساوي 5 أضعاف ما لدى إسرائيل.

أكبر اكتشاف للغاز

ويعتقد أن حقل ليفياثان الإسرائيلي يحوي كميات من الغاز الطبيعي تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات. وهو أكبر اكتشاف على مستوى العالم للغاز البحري خلال العقد الماضي. ويمثل مصدراً هائلاً لتلبية احتياجات الطاقة المحلية الإسرائيلية.

وحسب بيانات وزارة البنى التحتية الإسرائيلية، فقد بلغ استهلاك الغاز في إسرائيل خلال عام 2009 نحو 4.2 مليار متر مكعب، مقابل 2.7 مليار متر مكعب في عام 2007، ونحو 1.6 مليار متر مكعب فقط في عام 2005. وفي عام 2009 تم إنتاج 40 % من التيار الكهربائي في إسرائيل باستخدام الغاز الطبيعي، وهي النسبة نفسها المستخدمة في بريطانيا.

ومن المرجح أن يؤدي اكتشاف الغاز الطبيعي في إسرائيل إلى تحقيق مكاسب كبيرة لتل أبيب، ويمكن أن يؤثر بشكل واضح في الاقتصاد السياسي للدول المجاورة.

وذكر التقرير أنه في الوقت الذي تهدد فيه روسيا أوروبا بوقف إمدادات الغاز الطبيعي بعد الأزمة الأوكرانية، يمكن للغاز الإسرائيلي أن يساعد أوروبا في تنويع إمدادات الطاقة، والنأي بنفسها عن منتجات الطاقة الروسية.

شراكات اقتصادية

وتساءل كاتب التقرير، مايكل هوشبرغ، وهو مدرس لسياسة الطاقة والموارد الطبيعية والتحكم البيئي في جامعة ديلاوير الأمريكية، هل يمكن لإسرائيل ونظرائها في المنطقة الأورومتوسطية التعاون لتحقيق ما يمكن أن يمثل أكبر فرصة في المنطقة، لإقامة شراكات إستراتيجية، وتحقيق الرخاء والاستقرار.

ويضيف هوشبرغ أن إسرائيل، بعد أن وقعت صفقات تصدير غاز بقيمة 1.7 مليار دولار مع الشركات الأردنية والفلسطينية، أصبحت في مرتبة متقدمة في صناعة تصدير الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وهو ما قد يؤدي إلى تحسن العلاقات الإقليمية بين إسرائيل وجيرانها في الإقليم.

ونقل التقرير عن عوزي لانداو، وزير المياه والطاقة في إسرائيل، قوله إنه يعتقد أن تصدير الغاز الطبيعي إلى الدول المجاورة لإسرائيل سوف يعزز الثقة التي يمكن بدورها أن تعزز السلام في المنطقة.

ويرى واضع التقرير أن إسرائيل، وهي تمارس اختيار الشركاء التجاريين وأساليب التصدير للغاز، ومع أنها تقود قطاع الغاز الطبيعي لديها في واحدة من أكثر المناطق المضطربة سياسياً في العالم، يمكنها أن تقوم في الوقت نفسه بدور أساسي في تحديد ديناميات السياسة والاقتصاد في منطقة أوروبا– البحر المتوسط.

ويذكر أنه على الرغم من أن الصفقات الخاصة بتصدير الغاز لـ"جيران" إسرائيل يمكن أن تؤدي إلى تعزيز العلاقات، وتقرب إسرائيل إلى مصر ودول أخرى بالمنطقة في حاجة ماسة إلى الطاقة غير المكلفة، فإن الحقائق السياسية الحالية تجعل الاتفاقات الإقليمية لتصدير الغاز صعبة.

ورصد التقرير الاتفاقات القائمة بين إسرائيل ودول المنطقة في قطاع الغاز. ففي يناير/ كانون الثاني 2014، وقعت إسرائيل أول اتفاق لتصدير الغاز الطبيعي إلى السلطة الفلسطينية. وبموجب الاتفاق تشتري شركة فلسطين لتوليد الطاقة ما قيمته 1.2 مليار دولار من الغاز الطبيعي الإسرائيلي لمدة 20 عاماً.

وسيجري شحن الغاز إلى محطة توليد كهرباء تخطط الشركة الفلسطينية لبنائها بتكلفة 300 مليون دولار، في مدينة جنين في الضفة الغربية، على أن تبدأ مبيعات الغاز في عام 2016 أو 2017، عندما يبدأ حقل ليفياثان الإنتاج. ويمكن للصفقة أن تقلل الاعتماد الفلسطيني على الشبكة الكهربائية لإسرائيل، التي يتم من خلالها تلبية احتياجات الطاقة الفلسطينية حالياً.

يذكر أن السلطة الفلسطينية أصبحت مدينة بمبالغ كبيرة، تصل إلى مليار و400 مليون شيكل، لشركة الكهرباء الإسرائيلية؛ بسبب عدم سداد مستحقات الشركة مقابل إمداد الفلسطينيين بالكهرباء.

ويرى أنه في حين أن الصفقة لن تخفض الاعتماد الأساسي للضفة الغربية على الطاقة الإسرائيلية، إلا أنها حفزت بناء محطة فلسطينية كبيرة لتوليد الكهرباء، والتي ستسمح للفلسطينيين بإنتاج الكهرباء الخاصة بهم، وزيادة قدرتهم على إدارة الطاقة، وخلق فرص عمل في الضفة الغربية، وتوفير أسس يمكن من خلالها إطلاق شراكات الطاقة في المستقبل.

ويتوقع التقرير أن يستغرق الأمر عدة سنوات، قبل أن يبدأ الغاز الطبيعي في إمداد الضفة الغربية بالطاقة. ويسمح الاتفاق في الوقت ذاته للشركة الفلسطينية لتوليد الطاقة، أن تحد من كمية الغاز الذي تشتريه من إسرائيل.

وعلى الرغم من هذه الشكوك، فإن هذا الاتفاق يمثل انفراجة في العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين. ويرى واضع التقرير أن هذا الاتفاق لن يؤدي فقط إلى زيادة سيطرة الفلسطينيين على قطاع الطاقة في الضفة الغربية، بل سيؤدي أيضاً إلى مساعدة السلطة الفلسطينية في توفير حياة أفضل لمواطنيها.

عقد الأردن

وفيما يتعلق بالأردن؛ وقع مسؤولون من إسرائيل والأردن في فبراير/ شباط الماضي عقداً تبيع بموجبه إسرائيل للأردن ما قيمته 500 مليون دولار من الغاز الطبيعي من إنتاج من حقل تامار،"أصغر حقولها"، على مدى 15 عاماً.

ومن المقرر أن تبدأ المبيعات إلى الأردن في عام 2016، وذلك بعد الانتهاء من إقامة البنية التحتية الأولية لخط الأنابيب الذي سينقل الغاز، وستجري زيادة قيمة العقد فيما بعد إلى شراكة بقيمة 30 مليار دولار، وهو ما سيحول إسرائيل إلى المورد الأساسي للغاز إلى الأردن.

ويقول التقرير إن الاتفاق مهم بشكل خاص للأردن، الذي يعاني فقراً في مجال الطاقة. كما أن الغاز المصري الذي كان يغطي حتى وقت قريب 80% من احتياجات الكهرباء الأردنية، أصبح لا يمكن الاعتماد عليه بشكل متزايد، بسبب كثرة التفجيرات التي تعرض لها خط الأنابيب الناقل للغاز في شبه جزيرة سيناء. وتقدر الحكومة الأردنية خسائر البلاد من الانقطاعات المتكررة للغاز التي حدثت خلال السنوات الثلاث الماضية بأكثر من مليون دولار يومياً.

ويذكر التقرير أن الولايات المتحدة التي ساعدت في التوصل إلى اتفاق الغاز بين البلدين حريصة على أن ترى الأردن يشتري الغاز الطبيعي الإسرائيلي، وترى في هذا الأمر حماية لسياسات ومصالح الغرب في الأردن، بعد أن كان من المحتمل أن تتجه المملكة شرقاً إلى الدول العربية المجاورة أو روسيا لتلبية احتياجاتها من الطاقة.

ويقول إن تسييل الغاز الطبيعي يسمح لإسرائيل أن تشحن منتجاتها إلى آسيا، حيث يرتفع سعر الغاز الطبيعي مقارنة بالمنطقة الأورومتوسطية، مشيراً إلى أن التكاليف الأولية لمحطات الغاز الطبيعي المسال مرتفعة، فضلاً عن أن بناءها يتطلب مساحات كبيرة من الأراضي، الأمر الذي تفتقر إليه إسرائيل.

ويوضح أن إسرائيل ربما تصدر بعض الغاز الطبيعي الذي تنتجه إلى دول في المنطقة، بما في ذلك تركيا وقبرص اليونانية، ويرى أن تركيا هي الأوفر حظاً من حيث إبرام اتفاقات لاستيراد الغاز الإسرائيلي، وذلك بالنظر إلى احتياجاتها المحلية الضخمة من الطاقة، والتي ترتفع بمعدلات سريعة.

ويذكر كاتب التقرير أن العلاقات الإسرائيلية التركية تدهورت بشكل كبير في مايو/أيار2010، عندما قُتل تسعة مواطنين أتراك على أيدي الجنود الإسرائيليين على متن سفينة "مرمرة" التي كانت متوجهة لتقديم مساعدات إنسانية لسكان قطاع غزة، ولكن اعتذار إسرائيل فيما بعد، والاتفاق على تعويض عائلات الضحايا، جنباً إلى جنب، مع احتمال قيام شراكة مربحة للغاية في قطاع الغاز الطبيعي، ساهم كل هذا في ذوبان الجليد في العلاقات، فيما يجري حالياً حوار لوضع شراكة في مجال الطاقة.

مشاريع إقليمية

ورصد التقرير أيضاً محاولات لإقامة مشروع مشترك بين إسرائيل وقبرص اليونانية، وقال إنه في 16 من الشهر الجاري وقع تحالف شركات لديها حصة في حقل ليفاثان اتفاقاً لتزويد شركة الغاز الطبيعي المملوكة للدولة في قبرص بالغاز بقيمة 210 ملايين دولارات سنوياً لمدة تصل إلى 10 سنوات.

ويتضمن الاتفاق بناء خط أنابيب بين إسرائيل وقبرص اليونانية، والذي سيبدأ بإمداد الشركة القبرصية العامة للغاز الطبيعي بالغاز في عام 2016، أو عام 2017.

ويقول التقرير إنه مع تزايد الطلب على الطاقة في تركيا، والقدرة على إحياء شراكة إستراتيجية ذات أهمية جيوسياسية، فإن إسرائيل ستشرك تركيا في صفقات الغاز الطبيعي على المدى الطويل.

ويتعين على مصر أيضاً، وبرغم احتياطات الغاز الطبيعي الكبيرة لديها، أن تبحث عن موردين جدد للغاز؛ وذلك لعدة أسباب، من بينها التزام مصر بتصدير الغاز وفقاً لاتفاقيات موقَّعة مع شركات أجنبية، وارتفاع الطلب المحلي، هذا إلى جانب الأوضاع الصعبة التي تواجهها عمليات التنقيب عن الغاز، فضلاً عن سوء الإدارة العامة.

ويمكن لخط الأنابيب الذي يمر عبر منطقة سيناء غير المستقرة حالياً، والذي كان يزود إسرائيل يوماً ما بنحو 40% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، أن ينقل الغاز من إسرائيل إلى مصر، ولكن مع احتمال استئناف الغارات على خط الأنابيب، خاصة في الظروف الحالية، فقد يكون خط الأنابيب البحري الذي يمر بدلتا النيل في مصر خياراً أكثر سلامة.

ويرى التقرير أنه في كل الأحوال فإن مبيعات الغاز لمصر قد تسمح لإسرائيل بالاستفادة من مرافق الغاز الطبيعي المسال القائمة في مصر، والتي من شأنها أن تسمح بتصدير الغاز الإسرائيلي إلى أسواق بعيدة (وأبرزها آسيا). ولكن نظراً للمخاوف الأمنية، فإن العملاء المحتملين في آسيا قد يترددون في نقل الغاز الطبيعي الإسرائيلي عبر قناة السويس. وحتى في حالة تأمين الوسائل اللوجستية، فإن إسرائيل قد تعزف عن الدخول في شراكة مع مصر غير المستقرة سياسياً، كما يبدو حالياً وفقاً للتقرير.

ملاحظة: "معهد الشرق الأوسط" أحد أبرز المراكز البحثية المعنية بشؤون الشرق الأوسط في واشنطن، وتأسس في عام 1946 على يد مجموعة من العلماء ورجال الدولة البارزين، بهدف زيادة المعرفة عن المنطقة. ويعرف عنه أنه إسرائيلي الهوى.

ويذكر أن هوشبرغ خريج من جامعة تولين، وقد كتب أطروحة حول اكتشافات الغاز الطبيعي لإسرائيل.

مكة المكرمة