الأغنية السياسية.. صوت العرب ولكل مرحلة أغنيتها

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LAy3BB

الأغنية السياسية في العالم العربي بدأت بالتبلور تحت نير الاستعمار بداية القرن الفائت

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 13-12-2018 الساعة 14:49

العلاقة بين الأغنية كحالة تنتمي لمساحة أوسع نطاقاً اسمها "الفن"، وبين السلطة، علاقة اشتباك؛ وتحديداً ما تسمى بالأغنية السياسية؛ إذ إن الموقف من هذا المصطلح تعرض لانقسام بين الدراسين لا يقل حدة عن تأثير هذه الأغنيات داخل المجتمعات العربية.

باسترجاع تاريخي فإن الأغنية السياسية في العالم العربي بدأت بالتبلور تحت نير الاستعمار بداية القرن الفائت، وكان يراد للأغنية آنذاك أن تلهب الجماهير العريضة وتشكل الوعي الجمعي ضد القوات الأجنبية، ويحفل الأرشيف العربي بمجموعة من الأعمال الخالدة.

كان رائد تلك المرحلة الفنان سيد درويش، الذي عبّر من خلال أغانيه وألحانه عن وجدان الشعب المصري والشعوب العربية، ورغبتها في التحرر من قبضة الاستعمار، أغاني درويش قريبة من الوجدان بكلماتها البسيطة ذات الإيحاء العميق، "أهو ده اللي صار"، و"شد الحزام"، و"بلادي بلادي"، وهي نماذج حية ليومنا هذا خلال ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني.

وفي مرحلة ما بعد الاستعمار العسكري تعرض بعض الفنانين الملتزمين لموجات سخطٍ من قبل السلطات الحاكمة؛ لإدراكها للدور الحساس الذي يؤديه الفن داخل هذه المجتمعات، وبعض هذه الأغنيات تحول لما يشبه النشيد الوطني، وبات صداها يتردد من المحيط إلى الخليج.

إحدى التجارب الخالدة تلك التي صاغها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في أوبريت "الوطن الأكبر" عام 1960، وقد شكّلت علامة فارقة في تاريخ الغناء العربي الحديث، وشارك فيها عدد كبير من فناني الوطن العربي، ومثلوا حالة وحدوية ألهبت الجماهير العربية لسنوات.

في الستينيات أيضاً كان اللقاء الأول الذي جمع بين الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم، ليشكلا معاً حالةً فنية فريدة ألهبت مخيلة الجمهور العربي لعقود عديدة.

وبعد هزيمة العرب في حربهم مع "إسرائيل" هدأت الأغنية السياسية، وانتكس الفن مثل باقي المجالات الأخرى، محاولة واحدة قاومت هذا كله، ووحدهم الرحابنة قدموا رؤية موسيقية جديدة بصوت فيروز التي غنت للعرب جميعهم، للوطن وللحرية.

 

فلسطينياً شهدت الأغنية السياسية تطوراً دراماتيكياً رافق الأحداث التي مرت بها فلسطين منذ احتلالها، وكان للأغنية دورها الفارق في حثّ الجماهير على النضال وكفاح المحتل، وقد ألهبت كلمات محمود درويش وسميح قاسم وتوفيق زياد وحسين حمزة وغيرهم الجمهور لعقود.

ومن لبنان أيضاً مثلت تجربة مارسيل خليفة، وهو منحنٍ على عوده، ويرافق موسيقاه صوته الشجي، حالة فارقة رافقت أجيالاً عديدة وأحداثاً كبرى مرّت على العالم العربي.

وعلى الصعيد الآخر غنّى كثير من الفنانين للزعماء السياسيين ولبعض الأنظمة العربية، مما جعل هناك التباساً لدى الجمهور العربي، متسائلين من يستفيد من الآخر؟

كانت البداية مع كوكب الشرق أم كلثوم، التي غنت للملك فاروق أغنية بعنوان "جنة الوادي"، وغنت لنجيب وعبد الناصر، وهذا ما حدث مع عبد الوهاب، وعبد الحليم الذي كان مطرباً للثورة لكنه غنى لاحقاً بشروط السادات.

بلا شك أن الفنان هو إنسان في نهاية المطاف ومن حقه أن يتبنى موقفاً سياسياً، دون استغلال مشاعر الجمهور وتجاوز آماله "المشروعة".

الملك بين يديك في إقباله .. عوّذت ملكك بالنبي وآله
حر وأنت الحر في تاريخه .. سمح وأنت السمح في أقياله
يفديك نصرانيّه بصليبه .. والمنتمي لمحمد بهلاله
يجدون دولتك التي سعدوا بها .. من رحمة المولى ومن أفضاله
يا جنة الوادي ونزهة روحه .. ونعيم مهجته وراحة باله
فاروق جمّلها وزان ضفافها .. عرش يلوذ الشعب تحت ظلاله
وكأنّ عيدك عيدها لما مشى .. فيها البشير ببشره وجماله

مؤخراً مع غياب العناوين الكبيرة، تراجع الغناء الجاد أمام الأغنيات التجارية، وأغاني ما "يطلبه الجمهور"، ليبرهن ذلك على صحة ما قاله ابن خلدون قديماً في مقدمته الشهيرة: "إن الغناء ينحدر دائماً بصورة موازية للانحطاط الحضاري في أي مجتمع".

ثم جاءت مرحلة جديدة مع دخول موجات "الربيع العربي" التي أعادت تعريف المفاهيم والأشياء، ومن ضمنها الفن والغناء، وانقسم فنانو المواقف الثورية بالأمس في تبني إفرازات الربيع وتوجهاته، تزامن ذلك كله مع دخول البشرية مرحلة جديدة من الحداثة تطورت فيها أشكال التواصل، وظهرت معها أنماط جديدة من الغناء، استخدمت التكنولوجيا وأدوات العصر في انتزاع الصدراة من الأغنية التقليدية.

وقد رافق الربيع العربي مجموعة من الأغنيات التي عبّر من خلالها فنانوها عن مواقفهم من الأحداث الجارية، والتغيير المفاجئ الذي أُريد له أن يغير المشهد السياسي والاجتماعي في الدول العربية.

في مصر وإبّان ثورة الخامس والعشرين من يناير رافقت الجموع مجموعة كبيرة من الأغنيات الثورية التي اختزلت مشاعر المحتجين، أغنية يا الميدان ربما هي أشهرها، وما زالت تعيد للأذهان ذكريات ميدان التحرير.

ومن الأغاني اللافتة التي طغت على الربيع العربي "يا الله ارحل يا بشار" التي يرددها السوريون المعارضون لنظام بشار الأسد، وأصبحت هذه الأغنية رمزاً لقوة رسالة المحتجين، وللعنف الذي تستخدمه الحكومة لقمع معارضتهم.

والأغنية الأخيرة معنا حملت عنوان "أجراس العودة" والتي جاءت في مرحلة حرجة يمر بها العالم العربي، حيث ألهب الفنان التونسي لطفي بوشناق الجماهير في لبنان بهذه الأغنية التي تفضح ما يسمى بـ "صفقة القرن"، منتقداً فيها غفلة العرب وتفرقهم وانشغالهم عن طموحات الأمة.

 

مكة المكرمة