الإعلام في إرتريا.. غياب الحرية وبقاء المؤسسات

الإعلام ككل المؤسسات الحكومية محتكر في قراره وسياساته من قبل الحزب الحاكم

الإعلام ككل المؤسسات الحكومية محتكر في قراره وسياساته من قبل الحزب الحاكم

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 14-05-2016 الساعة 20:14
أسمرة - الخليج أونلاين (خاص)


للعام الثامن على التوالي تتذيل إرتريا "التصنيف العالمي لحرية الصحافة" الذي تصدره منظمة "مراسلون بلا حدود" شاملاً 180 دولة، ما يثير التساؤلات حول هذه الدولة الشرق أفريقية.

وذكر التقرير أن البلاد تقع "تحت حكم ديكتاتوري منذ أكثر من 20 عاماً، حيث لا مكان لحرية الأخبار والمعلومات"، مؤكداً أن 15 صحفياً يقبعون في السجون الآن، وبعضهم في الحبس الانفرادي، وأن كل شيء في البلاد يخضع كلياً لأهواء الرئيس، إسياس أفورقي، الذي نقل عنه قوله مؤخراً: "هؤلاء الذين يفكرون أن من الممكن أن تكون هناك ديمقراطية في هذه البلاد يستطيعون التفكير هكذا في عالم آخر".

غير أن الصورة لا تبدو بهذا الشكل وفق رواية الحكومة الإرترية؛ فبحسب ما نشره في وقت سابق المركز الإرتري للدراسات الإستراتيجية المقرب من السلطة في البلاد، مستنداً إلى تقارير في صحف فرنسية، فإن "مراسلون بلا حدود" هي من تفتقد المصداقية، وتقاريرها عن إرتريا "حملة تشويه (...) مدفوعة الثمن"، وذلك، كما يؤكد الإعلام الحكومي، في إطار مؤامرة دولية ضد البلاد تقودها الولايات المتحدة؛ نتيجة انحياز الأخيرة لإثيوبيا في صراعها المستمر مع إرتريا منذ عام 1998، وتستخدم في هذه الحملة المنظمات الدولية والإعلام في الخارج؛ لتشويه النظام، وفي الداخل لبث البلبلة وشق الصف الوطني.

ووفق ما أكده مسؤول إرتري سابق لـ"الخليج أونلاين"، رافضاً التصريح باسمه، فإن اعتقال الحكومة الإرترية الصحفيين، وإغلاق المؤسسات الصحفية المستقلة في 2001/1/18؛ كان نتيجة "عمل هذه الصحافة غير المسؤول، وتهديدها الوحدة الوطنية، ممّا استدعى إغلاقها"، كما أن هناك تسريبات حكومية تربط هؤلاء الصحفيين بمجموعة "تخريبية انقلابية"، بحسب التوصيف الحكومي، بالإضافة إلى ارتباطهم بتمويل أجنبي.

- إعلام إرتريا بين الأمس واليوم

وتاريخياً مرت حرية الإعلام في البلاد بأطوار مختلفة، كما أفاد "الخليج أونلاين" الإعلامي الإرتري المقيم في أستراليا جمال همد، المؤسس والمشرف العام على موقع عدوليس الإخباري.

فقد "أنهى الاستعمار الإثيوبي، بشطريه الإمبراطوري والعسكري، عهداً من ازدهار الصحافة والمطبوعات في إريتريا، حيث صدر عدد من الصحف باللغات العربية، والتجرينية (لغة محلية)، بجانب الإنجليزية، والإيطالية، في نهايات العهد الإيطالي، والاحتلال البريطاني الذي حل محله"، ومع نيل الاستقلال وبدء مرحلة الدولة الوطنية 1991، صدرت "صحف حكومية (إريتريا الحديثة) بنسختيها العربية والتجرينية، مع صحف فئوية كـ(النبض) الناطقة باسم اتحاد الشبيبة، وأعداد من نشرات بعضها تختص بالآداب (تجرينية)، وانتظام مجلة الحزب الحاكم (الأمانة)، في نهايات التسعينيات وبداية الألفية صدرت 7 من الصحف المستقلة بمعونة الاتحاد الأوروبي كلها ناطقة بالتجرينية، وأسست التجربة - رغم محدوديتها زمنياً وفنياً - بداية لحياة صحفية حرة، إلا أن السلطات سرعان ما أغلقتها، وشردت الصحفيين، وغيبت عدداً آخر يربو على 20 صحفياً وكاتباً وإدارياً في غياهب المعتقلات".

ومن واقع تجربته العملية كمعد ومقدم للبرامج في الإذاعة الوحيدة في البلاد "صوت الجماهير" بين 1992-1995، فإن همد يؤكد مصداقية ما ورد في تقرير "مراسلون بلا حدود" الأخير، فقد "استطاعت التقارير الدولية تقديم صورة جيدة عن وضع الحريات الإعلامية البائس في إرتريا، وكان وصفها بالضلع الثالث للمثلث الجهنمي صحيحاً، وعلى كل حال فالوضع الإعلامي لا ينفصل عن الحياة العامة في إرتريا، والمعطلة تماماً في كل مناحيها".

- مأزق الإعلام والإعلاميين

وتوافق الإعلامية الإرترية المقيمة في بريطانيا، آمال علي محمد صالح، في تصريح خاص لـ"الخليج أونلاين"، على ما ذهب إليه جمال همد من صحة ما ورد في هذا التقرير، مؤكدة تعرض الصحفيين "للتضييق والحد من الحريات الإعلامية في كل المجالات، في البداية كان ذلك يُمارس تحت مبرر أن القائمين على المؤسسة الإعلامية من مناضلي الجبهة الشعبية وإعلامييها أكثر معرفة ودراية بالواقع الإريتري واحتياجاته، ومن ثم بخطابه الإعلامي وأولوياته (..) ولكن ومع الوقت اتضح أن الإعلام ككل المؤسسات الحكومية محتكر في قراره وسياساته من قبل الحزب الحاكم ورئيسه أفورقي مباشرة".

وتبين معدة البرامج والمذيعة التي عملت في التلفزيون الإرتري منذ تأسيسه 1992 حتى مغادرتها البلاد 2001، أن هناك آلية واحدة تتحكم في الإعلام في البلاد، "وترتكز هذه الآلية على التعبئة المباشرة لمصلحة النظام ورئيسه، وتحكّم هذه الآلية بمفاصل الإعلام في البلاد حوّله إلى إعلام أحادي، ومضلل، وخادم لمصالح فئة ضيقة تسيطر عليه".

ونتيجة المضايقات على المستوى الشخصي، والحد من الحرية، والإحباطات في الشأن العام، فقد عمدت آمال إلى الاستقالة ومحاولة المغادرة مرات عدة، لكنها جوبهت بالرفض، فليست الاستقالة من الخيارات المتاحة للصحفي على ما يبدو، إلى أن تسنت لها فرصة الوجود في الخارج لظرف خاص، "وصادف ذلك موجة الاضطرابات في 2001، وما تلاها من اعتقالات، فلم أرجع بعدها"، مؤكدة وجود عدد كبير من معتقلي الرأي من سياسيين وغيرهم من فئات اجتماعية يقبعون في السجن لسنوات دون محاكمة، "ومنهم زملاء إعلاميون عملنا معاً؛ كصالح جزائري، وحامد محمد سعيد، وسيوم صهيي، وغيرهم".

أما من هرب إلى الخارج من الإعلاميين، فرغم أن يد النظام الأمنية لا تطالهم "لكنه بين الحين والآخر يستخدم وسائل الترهيب لإسكاتهم، ولا سيما المعارضين، ممّن بقيت عائلاتهم داخل إرتريا، فيعمد إلى تهديدهم بالتعرض لها".

- الخارج.. الفضاء الإعلامي البديل

وفي ظل هذا الواقع كان لا بد للإعلاميين الإرتريين من أن يبحثوا عن فضاء بديل للتعبير عن آرائهم، وشكل العمل خارج البلاد المنفذ والنافذة الوحيدة أمامهم، وبحسب ما صرح لـ"الخليج أونلاين" الصحفي الإرتري في قناة الجزيرة، والروائي حجي جابر، فـ"لولا هذه المؤسسات لأصبح من المتعذر أن يعمل إعلامي إرتري بمعزل عن النظام في إرتريا، هذه المؤسسات مثلت البديل مع بقاء الأمل بالطبع في تغيير يطال إرتريا ككل، وينال الإعلام حظه من ذلك"، وفي تقييمه للعمل الإعلامي الإرتري في الخارج أكد أن المواقع الإلكترونية الناشطة على الشبكة الدولية تعاني من "الضعف وعدم المهنية، ولذلك لم تضف لها أعوام العمل الطويلة أي شيء ملموس".

وعن تغطية الإعلام العربي والعالمي لمجريات الأمور في إرتريا يقول جمال همد في لهجة لا تخلو من عتب: "نستطيع القول بثقة إن وسائل الإعلام العالمية الغربية قد أتاحت مساحات جيدة لفضح الوضع في إرتريا، بعكس الإعلام العربي الذي يتجاهل تماماً ما يحدث في جواره!".

كما يرى حجي جابر أن "الإعلام مسكون بالمركز والأطراف، وإرتريا لا تعنيه إلا في حدود الحوادث الكبرى أو الطريفة"، وأن الطريق للوصول إلى أجندة أولويات الإعلام مرتبط بالإرتريين أنفسهم، "إذا أدركنا أهمية الإعلام فينبغي العمل على تطوير أدواتنا والبحث عن التأثير، وليس مجرد الوجود (..) حينها سيلتفت الآخرون لإرتريا".

يُذكر أن التصنيف العالمي لحرية الصحافة يُنشر سنوياً منذ عام 2002 بمبادرة من منظمة "مراسلون بلا حدود"، ويستند إلى قياس حالة حرية الصحافة؛ انطلاقاً من تقييم مدى التعددية؛ واستقلالية وسائل الإعلام، ونوعية الإطار القانوني، وسلامة الصحفيين.

مكة المكرمة