التضليل الإعلامي.. وسيلة الأنظمة الديكتاتورية لصنع أمجاد واهية

عملت قنوات التضليل الإعلامي الروسي على بث إشاعات وأكاذيب

عملت قنوات التضليل الإعلامي الروسي على بث إشاعات وأكاذيب

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 04-12-2015 الساعة 19:11
محمد عبّود - الخليج أونلاين


فرض التزاوج الذي نشأ بين الإعلام والتكنولوجيا الحديثة هاجساً قوياً لدى الساسة والحكام، فألغى الكثيرون منهم وسائل إعلامية شتى بدعوى عرقلتها لمصالح الدولة، وسعوا إلى إنتاج بديل مصطنع أطلقوا عليه رجال الأعمال "الإعلاميين".

وسعت الآلة الإعلامية الموالية للأنظمة الحاكمة إلى تزييف الحقائق وبث الشائعات وترويج الكذب، فنسجوا من كل هذا انتصارات واهية، تصب جميعها فيما يخدم مصالحها، فأصبح الترغيب والترهيب هو السائد وفق أجندتها، فتتوعد فئة، وتكسب فئة أخرى.

وجاء الربيع العربي ليكشف عن وجه الإعلام الزائف، حيث سعى إلى تشويهه، محذراً الشعوب من الانجرار وراءه، وتهويل ما سيحدث بعده، فشعوب مصر وليبيا وسوريا لم تنج من تحذيرات الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة، وإسرائيل سعت إلى تزييف حربها على غزة، والإعلام الأمريكي استبدل الباطل بالحق ليضيع على أهل فلسطين استرداد حقهم المسلوب.

- بوق الإعلام المصري

انطلقت ثورة 25 يناير 2011، وكان من بين مطالبها "الشعب يريد تطهير الإعلام"، إلا أن ما حدث هو تضليل وتشويه للحقيقة وتغييب للعقل، من خلال الآلة الإعلامية التابعة لرجال أعمال المخلوع حسني مبارك، فزاد الإعلام من ضحالته برغم مرور 4 أعوام على الثورة وسيطرة الثورة المضادة.

لقد كان للإعلام المصري دور بارز في تشويه الثورة، حتى نجح في إجهاضها، بابتعاده عن تقديم الحقائق، فتحول الإعلام المصري إلى مصنع للكذب والتزييف، فكان يعرض عكس ما تعرضه باقي الفضائيات الأخرى، بالإضافة إلى اختلاق وقائع واستخدام بعض المشاهير للترويج لخطته الإعلامية.

وعلى الرغم من أن ثورة 25 يناير 2011 المصرية أبهرت العالم بسلميتها، ورفضها للعنف، فإن "إعلام مبارك" بات يوجه تحذيرات، ويتوعد الثوار، ويبث الرعب في النفوس، ليعلنها الرئيس المخلوع حسني مبارك، آنذاك: "أنا أو الفوضى".

- الإعلام الروسي.. رأس حربة

منذ بداية الحرب على سوريا، عملت قنوات التضليل الإعلامي الروسي على بث إشاعات وأكاذيب لا صحة لها على أرض الواقع، بل عمدت إلى التهويل والمبالغة في عرض الأخبار، بهدف توجيه الرأي العام لمنحى آخر، وتحذيره من دعم الثورة.

ومؤخراً، زاد التضليل الإعلامي الروسي، وخاصةً فيما يتعلق بالأخبار المرتبطة بمدينة إدلب ومدينة جسر الشغور، التي أكدت الشواهد كلها تقدم المقاومة ومحاصرتها للمسلحين، في وقت سعت الأبواق الروسية إلى بث أخبار عن تدمير سلاح الجو الروسي مواقع "الإرهابيين"، حسب ما يزعمون، إلا أن الواقع فرض ذاته في نهاية المطاف، وتبين كذب وتدليس الإعلام الروسي.

وكان مما بثته قناة "روسيا اليوم"، مظاهرة ادعت أنها "حاشدة" في شوارع باريس تهتف للرئيس الروسي ورئيس النظام السوري، وما يُسمى بحلف المقاومة والممانعة، بيد أن الحقيقة تتنافى تماماً مع ما بثته القناة التي نسفت كل المعايير المهنية، إذ لم تظهر الصور مشاهد عامة للساحة أو الشارع الذي كانت فيه، بل كانت الكاميرا قريبة لعدد لا يتجاوز العشرين شخصاً ليتم تضخيم الصورة والعدد.

وحرص المصور ألا تبتعد الصورة عن "المتظاهرين" لكي لا يعرف المشاهد تزوير هذه القناة، في وقت أفاد شهود عيان بأن عدد المشاركين لا يتجاوز 20 شخصاً، مستغربين مما وصفته قناة روسيا اليوم بـ"الحشد الجماهيري".

- الإعلام الأمريكي وحق فلسطين

في الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014، عرضت قناة سي إن إن 4 خرائط لفلسطين المحتلة، وأظهرت فيها تمدد الاحتلال واستحواذه على الأرض على فترات زمنية معينة، وأظهرت دقة الخرائط وأهميتها، إلا أن البرنامج عاد للبث مرة أخرى ليعتذر عن عدم دقة الخرائط التي بثها، في محاولة لطمس الحقيقة عن أعين المشاهد.

وقبل نشأته، عمد الاحتلال الإسرائيلي إلى البروباغندا لخدمة أطماعه في المنطقة، بل سعى إلى تهيئة الجميع لقبول فكرة إقامة دولته المزعومة.

واتسمت دعايات الاحتلال الإسرائيلي بالمكر والدهاء، فاستخدم أسلوب التكرار والتعمية والتلميع، بل نجح في تحقيق أهداف كثيرة، بدءاً من توجيه الرأي العام الغربي، ثم قيادته السياسية، إلى أن أقنعتهم بأحقيته في فلسطين، في وقت اهتم إعلامه بترسيخ فكرة الدولة المسالمة التي تعاني من تهديد مستمر من دول الجوار، كما استمرت في وصف الشخصية الإسرائيلية باعتبارها ذكية وفعالة ومنتجة، والشخصية العربية بربرية، ومتخلفة وعدوانية.

خبراء ومحللون أكدوا أن التضليل الإعلامي الإسرائيلي من أعتى أدوات الاحتلال، حيث يتركز على كثير من الكذب والتدليس، بأساليب وصيغ متباينة، وبقوالب مختلفة، فلا يترك سبيلاً للمتردد سوى الاقتناع.

وفي هذا الشأن، يؤكد أول رئيس وزراء لإسرائيل ديفيد بن غوريون: "لقد أقام الإعلام دولتنا واستطاع أن يتحرك للحصول على مشروعيتها الدولية"، حيث ثبت فيما بعد أن إسرائيل تدير أمورها وفق ثلاث زوايا رئيسية، هي العسكري والسياسي والإعلامي، فكان الإعلام هو أداة السياسة والعسكر لتبرير أعمالهم العدوانية.

- لم يسلم العرب

الآلة الإعلامية الإسرائيلية لم تنس العرب في أهدافها، بل قدمت برامج موجهة للعرب، سواء كانت البرامج من خلال اليهود المقيمين سابقاً في مصر أو العراق عبر الراديو، أو عبر الفضائيات.

واللافت للانتباه أن الآلة الإعلامية للاحتلال الإسرائيلي لم تتغير بتغير حكومات الاحتلال، بل كان له دور قوي في حرب لبنان 2006، حيث طالب الجيش بمزيد من التدمير وإظهار أن الحرب هي الخيار الأوحد لدولته المزعومة لحماية نفسها حتى لو اضطرت إلى دك بيروت.

أما في حروبها ضد غزة، فطمست الحقيقة كليةً، واهتمت بإبراز تكسير بعض الجدران في بيوت المستوطنين قرب غزة، والمعاناة النفسية التي لاقاها أطفالهم وآثار بعض الدماء للمجروحين، أما في داخل غزة، فكان النسيان من نصيب الأطفال، فلا مواقع ولا مدارس ولا حياة.

- إيران وذراعها الإعلامية

لا يتورع الإعلام الإيراني عن الكذب والتضليل ومخالفة الحقائق بشكل فج، بهدف توجيه رسالة سياسية معينة، بصرف النظر عن تدني ما يعرضه، ضارباً كل القيم والأعراف المهنية والأخلاقية عرض الحائط.

خبراء أشاروا إلى أن إعلاميي إيران يعتبرون أن تزويرهم وتضليلهم ليس خطأ، بل يعتبرونه مطلباً سياسياً ودينياً أحياناً، تحت منطق "الغاية تبرر الوسيلة"، وما دام أن وسيلتهم سوف توصلهم إلى الغاية المنشودة، فلا حرج في كونها كذباً وتضليلاً، بل ذهب بعضهم إلى أبشع من ذلك، لدرجة أنه بات يحتقر متابعيه ويستخف بعقولهم، حتى أصبح من السهل قيادتهم في أي اتجاه.

والمتابع لتغطيات الإعلام الإيراني لأحداث لبنان والعراق وسوريا والبحرين واليمن، يجد أنها تعتمد على بث صور وفبركة أخبار كثيرة، في الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن حرصها على تشويه الخصوم، لدرجة بات تشويه التاريخ مسلكاً رئيسياً وصولاً لهدفها.

فعلى سبيل المثال، عمد الإعلام الإيراني إلى تشويه "عاصفة الحزم"، وقام بنشر صور قديمة لأطفال ونساء من سوريا والعراق، مدعياً أنها لضحايا قصف التحالف، كما ذكرت وكالة فارس أن اللجان الشعبية التابعة للحوثيين يواصلون العمل ليل نهار لانتشال الضحايا من النساء والأطفال، بعد استهداف مساكنهم، وسط نداءات لإغاثتهم باعتبارهم ضحايا.

وفي محاولة أخرى للتضليل، بث الإعلام اليمني الواقع تحت سيطرة الحوثيين أن مضادات أرضية تمكنت من إسقاط طائرتين سعوديتين فوق أجواء العاصمة صنعاء، كما دأب ناشطو مواقع التواصل الاجتماعي للحوثيين على بث الأخبار الكاذبة كقولهم إن إيران أرسلت صواريخ نووية وهي في طريقها إلى الرياض الآن، بالإضافة لنجاح الحوثيين في إسقاط طائرة إماراتية، وهكذا...

مكة المكرمة