اللغة العربية تصنع فرص العمل في "البازار" التركي

توجه الأتراك إلى تعلم اللغة العربية لغايات لا تتعلق بالعلوم الإسلامية

توجه الأتراك إلى تعلم اللغة العربية لغايات لا تتعلق بالعلوم الإسلامية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 11-05-2016 الساعة 09:05
إسطنبول - الخليج أونلاين


قاد حزب العدالة والتنمية منذ تسنمه السلطة في تركيا 2002 انعطافة كبيرة في السياسة الخارجية للبلاد، إذ ولى وجهه الشرق الأوسط والعالم العربي في عملية انفتاح كبرى متعددة الأبعاد سياسياً واقتصادياً وثقافياً.

ومثل التبادل التجاري واحداً من أهم المجالات لتنام ملحوظ للعلاقات العربية التركية، وقد بين وزير الاقتصاد التركي، نهاد زيبكجي، خلال كلمته في الاجتماع الثاني لوزراء الاقتصاد والتجارة والاستثمار للدول الأعضاء في الجامعة العربية وتركيا المنعقد بالكويت 22 أبريل/ نيسان 2015، ارتفاع التبادل التجاري بين بلاده والدول العربية بنسبة 300% خلال العقد الماضي، مشيراً إلى أن الصادرات التركية للدول العربية تمثل 25% تقريباً من إجمالي صادراتها للعالم في العام 2014.

وبالطبع كان لا بد لمثل هذا النشاط أن يولد فرص عمل جديدة تتعلق بضرورة وجود وسيط يتحدث العربية والتركية بين طرفي السوق؛ وقد صار من الملاحظ توجه عديد من الأتراك إلى تعلم اللغة العربية لغايات لا تتعلق بالعلوم الإسلامية، كما هو سائد تاريخياً، بل لأهداف ترتبط بسوق العمل المشترك، لا سيما في قطاعات الترجمة والسياحة والعقارات والتصدير والاستيراد والبيع في الأسواق التي يرتادها السائحون العرب.

- التعليم يواكب السوق

اللغة العربية موجودة تاريخياً في النسيج الثقافي التركي، وتحتل مكانة هامة في الوجدان الجماعي لأبناء الأناضول نتيجة عوامل مختلفة أبرزها الدين الإسلامي. ورغم تأسيس الجمهورية التي أدارت ظهرها تماماً للشرق الأوسط بكل ما فيه، فإن حب العربية والسعي لتعلمها اتخذ أشكالاً مختلفة في تركيا، لكنه يشهد الآن عصره الذهبي مع تعدد قنواته.

ويؤكد عبد القادر بدلة، أستاذ اللغة العربية في "أكاديمية إسطنبول" أكبر معاهد تعليم اللغة العربية في المدينة، أن "العربية الآن أصبحت متاحة في كل مراحل التدريس في البلاد؛ فمنذ هذا العام وضعت لغة اختيارية في المدارس الابتدائية والمتوسطة، وهي إجبارية في الثانويات الشرعية وفي كليات الإلهيات".

وقد أكد د.أحمد خليل، أستاذ اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة سلجوق في مدينة قونية التركية، في تصريحه لـ"الخليج أونلاين" أن ثمة تغيراً في الدوافع وراء تعلم العربية "تاريخياً كان السائد تعلم العربية من أجل الانتفاع بها في مجالات العلوم الشرعية، غير أن السنوات الأخيرة شهدت اتجاهاً متزايداً من الطلاب نحو تعلم العربية للاستفادة منها في منشطَين مغايرين: لتعليم العربية في المدارس بعد التخرج ، وللدخول في سوق العمل التجاري. وفي حين تغلب الرغبة في التعليم على الإناث، فإن نزعة الذكور إلى النشاط التجاري ملحوظة أيضاً".

ومواكبة لهذا الإقبال بيّن د.خليل أن مناهج الكلية تحاول تهيئة الطلاب من خلال دروس لمواد كلغة التجارة، والمراسلات التجارية، في حين يحاول القائمون على أكاديمية إسطنبول التركيز على ما يخص اللغة المستخدمة في التعاملات في السوق وفقاً للأستاذ بدلة.

وفي رده على سؤال لـ"الخليج أونلاين" عن إمكانية تحديد أعداد للطلاب وفق أهدافهم من الدراسة، قال د.خليل: "الأمر المؤكد هو الزيادة الكبيرة والإقبال على تعلم العربية، والحماسة الشديدة لإنهاء الدراسة في أقصر وقت ممكن للحاق بفرص العمل المتوافرة، ومع ذلك لا يمكن تحديد الأعداد وفق الرغبات، لكن نتيجة تجربة سنوات من الاحتكاك اليومي مع الطلاب أستطيع القول إن الغالبية العظمى من الطلاب، في كلية الآداب، يتطلعون إلى استخدام العربية في سوق العمل".

- الإتقان والعامية من عقبات الطريق

ورغم أنه تلقى مبادئ اللغة العربية في مدارس الإمام الخطيب لكن انفتاح تركيا على الشرق الأوسط والعالم العربي وازدياد الشركات التركية العاملة في العالم العربي، بالإضافة إلى وفود أعداد ضخمة من السائحين العرب إلى تركيا، كل هذه كانت دوافع حفزت نور الدين جيلان، كما صرح لـ"الخليج أونلاين"، على تطوير لغته العربية ومحاولة الارتقاء بها للمنافسة في سوق العمل "رغم صعوبتها الشديدة، واستحالة إتقانها بشكل كامل" كما وصفها.

الصعوبة الكبرى التي يواجهها التركي "المستعرب" حال دخوله سوق العمل هي العامية التي تخالف كل ما تعلمه في المدرسة أو المعهد، وفق ما صرح لـ"الخليج أونلاين" نور الدين جيلان الذي يشرف على 20 موظفاً عربياً في قسم خدمة العملاء باللغة العربية في الخطوط الجوية التركية، "واجهت مشكلة العامية منذ البداية في محاولة التفاهم مع الموظفين العرب في القسم"، أما الحل الذي استطاع به تجاوز هذه العقبة فوصفه قائلاً: "وبعد شهور طويلة تعلمت العامية وأصبح التعامل بيننا أيسر بكثير". وهذه الصعوبة لم يعان منها بشكل كبير تورغوت شيمشك المنحدر من أصول عربية من مدينة ماردين القريبة من الجزيرة السورية، والذي يعمل مترجماً في أحد المستشفيات فيما يدرج ضمن السياحة العلاجية، "أستطيع التفاهم مع المرضى القادمين من العراق، لكن يبقى هذا الحل جزئياً لأن المرضى يأتون من دول أخرى أيضاً كليبيا ودول الخليج العربي".

- العرب ينافسوننا!

يرى جيلان أن تطور العلاقات التركية العربية في العقد الأخير كان مفيداً لبلاده بشكل كبير؛ وهو ما دعاه إلى أن يتمنى "انتهاء الاضطرابات في العالم العربي لأنها أفقدتنا أسواقاً أساسية لتركيا كالسوق المصري والعراقي والليبي والسوري بالطبع"، ولا سيما أن تدهور الأحوال في الأخير دفع بملايين العرب إلى تركيا ممّا انعكس على المنافسة في سوق العمل، فالعرب، وفقاً لجيلان، "يستطيعون القيام ببعض الأعمال التي لا نستطيع القيام بها" ولا سيما التي تستلزم الاحتكاك المباشر مع الزبون العربي ضارباً المثل بقطاع خدمة العملاء الذي يعمل فيه، وفي حين أن عرب تركيا كانوا المنفردين بسوق الوساطة فإن مجيء العرب شكل منافسة حقيقية لهم، ولا سيما أن نشاطهم بدأ يتكثف في مجالات كالسياحة والعقارات، بالإضافة إلى ظروفهم التي تضطرهم إلى القبول بشروط وظيفية أدنى مما يقبله التركي عادة من ناحية الأجر مثلاً.

أما تورغوت شيمشك فيرى أن هذه الاضطرابات أفادت جزئياً قطاع السياحة الصحية الذي يعمل فيه "يأتينا مصابون في الحروب، ولا سيما من ليبيا، يطلبون العلاج في تركيا، ونقوم بالترجمة لهم، أما النسبة الكبرى من المرضى فتكون عادة من العراق".

ومن المتوقع أن تزداد الحاجة إلى متقني العربية في السوق التركية، ولا سيما أن المؤشرات الاقتصادية تؤكد أن مزيداً من الازدهار ستعيشه التبادلات التجارية بين المنطقتين، فوفقاً لما ذكره وزير الاقتصاد التركي، نهاد زيبكجي، العام الفائت، فإن "حجم التبادل التجاري بين تركيا والدول العربية بلغ 53 مليار دولار في نهاية 2014"، متوقعاً أن يصل إلى 70 مليار دولار في الربع الأول من العام القادم.

مكة المكرمة