المخطوطات العربية.. إرث مفرّق تنقذه التكنولوجيا

"حضارة".. برنامج ابتكره فلسطينيون للقراءة والمقارنة بين المخطوطات اليدوية إلكترونياً

"حضارة".. برنامج ابتكره فلسطينيون للقراءة والمقارنة بين المخطوطات اليدوية إلكترونياً

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 23-09-2016 الساعة 16:34
مي خلف


في غرفة محكمة الإغلاق ومضبوطة الحرارة والرطوبة، في "خزانة القرويين" بمدينة فاس بالمغرب، تخضع مجموعة من أقدم مخطوطات العالم لرقابة صارمة، إذ يعد الأثمنَ فيها مخطوط للمصحف الشريف يعود للقرن التاسع، كُتب بالخط الكوفيّ على جلد الجمل.

هذه المكتبة -وهي الأقدم في العالم- تنتظر افتتاحها مجدداً نهاية هذا العام -حسب الغارديان البريطانية- بعد سنوات من الإغلاق لأجل الترميم. ومع اقتراب موعد الاحتفاء بما تحويه هذه المكتبة من ثروة حضارية وتاريخية، تطرح الكثير من الأسئلة حول واقع المخطوطات العربية والإسلامية المتفرقة في مكتبات العالم وعن تحديات وإشكاليات جمعها تحت سقف واحد، وجهود حفظها من الاندثار مع الزمن.

الإرث المتفرق
في كتابه "المخطوطات العربية"، ينفي البروفسور جانوريوس وتكام – أستاذ الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة ليدين الهولندية، الادعاء الشائع والمتداول حول وجود 3 ملايين مخطوط عربي متفرق في مكتبات العالم، منها مليون مطبوع ومكتشف، ومليون مخطوط مكرّر، ومليون ثالث لم يكتشف بعد. فحسب وتكام، لا يمكن حصر عدد المخطوطات العربية في العالم على الإطلاق.

وفي هذا السياق، يقول د. فيصل الحفيان، الكاتب المشارك في كتاب "المخطوطات العربية في المهجر"، الصادر عن "مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية"، إن عدد المكتبات غير العربية التي تحتوي على مخطوطات عربية يصل إلى 350 مكتبة موزعة على أكثر من 21 دولة حول العالم.

ومن ناحيته، يشير وتكام إلى وجود جهود حثيثة لفهرسة المخطوطات الموجودة، ويؤكد أنه على الرغم من عشرات، وربما مئات آلاف، المخطوطات الموجودة في أوروبا، –تحديداً في باريس وأكسفورد وكمبردج وليدين والمتحف البريطاني وبرلين وبرينستون في الولايات المتحدة، فإن الكنز الأثمن والأكبر موجود بين رفوف المكتبات المهجورة في الشرق الأوسط، وتحديداً في مكتبات إسطنبول والقاهرة ودمشق وبغداد وطهران، إضافة إلى مخطوطات أخرى توجد في المكتبات الصغيرة.

وفي الوقت الذي نشر فيه كتابه عام 1982، حيث لم تكن الأدوات التكنولوجية وُجدت بعد لتقديم حلول لفهرسة المخطوطات وحفظها، واتبعت الطرق التقليدية لذلك الهدف، توقع وتكام أن يتم تطوير تقنيات طباعة حديثة تعيد إنتاج نصوص المخطوطات وتسهم في حفظها.

وقبل الحديث عن علاقة المخطوطات –التي هي أكثر أشكال الملفات تقليدية وقدماً، مع التكنولوجيا التي تقدم حلولاً مبتكرة لتحويل هذا الملف التقليدي الورقي إلى آخر رقميّ، من الجدير أن نذكر أبرز المكتبات العالمية والعربية التي تحتوي على كم هائل من المخطوطات العربية والإسلامية وتنشئ مختبرات خاصة لترميم التالف منها، في محاولة لحفظها وإحيائها وإتاحتها للباحثين والمهتمين بنبش التاريخ.

من الطبيعي أن تحتوي جميع المكتبات على نوع ما من المخطوطات العربية أو الإسلامية، سواء تم ذلك عن طريق شرائها أو الحصول عليها مجاناً من متبرعين أو جمعها كغنائم حرب أو الاستيلاء عليها وسرقتها من مكتبات خاصة في وضع سياسي وأمني معقد؛ مثل الحالة الإسرائيلية (من هنا: سرقة الاحتلال للكتب الفلسطينية).


تركيا
وهنا، يذكر أن أبرز الدول التي تضم آلافاً مؤلفة من المخطوطات العربية والإسلامية هي تركيا، فنظراً للسيادة العثمانية على حيز جغرافي واسع من العالم لسنوات طويلة، تضم اليوم مكتبات تركيا إرثاً غزيراً من المخطوطات التي تتوزع على عشرات المكتبات في إسطنبول؛ أبرزها مكتبة "السليمانية" التي تشكّل المخطوطات العربية فيها نسبة 73%، وفقاً لدراسة الباحثة التركية "هوليا ديليك كايا-أوغلو" المنشورة تحت عنوان: "من مكتبة السليمانية العامة إلى مكتبة السليمانية للمخطوطات".

ووفقاً لما اطّلع عليه "الخليج أونلاين" في الموقع الرسمي لوزارة الثقافة والسياحة التركية، فإن المكتبات التركية تحتوي على نحو 300 ألف كتاب مخطوط؛ منها 160 ألفاً باللغة العربية، موزعة على 35 مكتبة تابعة للإدارة العامة للمكتبات. ومن بين هذه المكتبات 13 مكتبة مختصة بالمخطوطات، 7 منها في مدينة إسطنبول التي تضم أكثر من 105 آلاف مخطوط، هذا إلى جانب المكتبات العادية والمتاحف التي تحتوي على مخطوطات.

إلى جانب ذلك، يأتي ترتيب تركيا الأول على الدول التي تضم أكبر عدد من المخطوطات، تليها إيران ومصر والعراق والسعودية والمغرب وسوريا وتونس واليمن وباكستان وأفغانستان والجزائر. كما تحتوي دول الخليج على كم جيد من المخطوطات، خاصة الكويت وقطر والإمارات.

suleymaniye

الترميم... طريقة الحفظ التقليدية

أمام هذا الكم الهائل من المخطوطات تقف تحديات كبيرة، فالكثير منها مهدد بالاندثار إن لم يتم توفير ظروف الحفظ والتخزين المطلوبة. ففي المخازن الرطبة والرفوف المكدسة، تجتمع عوامل طبيعية؛ مثل: درجة الحرارة، والرطوبة، والحشرات، لتتلف هذا الإرث، الذي يكلف ترميمه أموالاً طائلة ووقتاً أطول يصل إلى آلاف السنين.
ومن هنا، وُجدت عدة مشاريع فردية ومؤسساتية تعمل على ترميم المخطوطات، وهي في الغالب تابعة للمكتبات التي تحتويها. وفي هذا السياق، يذكر مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، الواقع في الإمارات، والذي يحتوي على أكثر من 8000 مجلد فيه أكثر من 15 ألف عنوان من مختلف الموضوعات.

وفي شعبة ترميم المخطوطات التابعة للمركز، يقوم المرممون المختصون بتعقيم المخطوطات المصابة ومعالجتها كيميائياً ثم تجليدها بغلاف ملائم للعصر الذي كتبت فيه. وهنا، يذكر الجهد الذي تبذله مكتبة الإسكندرية، وهي أكبر مخازن المخطوطات في العالم العربي، للترميم؛ إذ تمتلك متخصصون عالو المهارة يتولون مهمة ترميم الكتب النادرة والخرائط والوثائق بشكل يدوي. ويسهم مركز جمعة الماجد في عمل الترميم بمكتبة الإسكندرية؛ إذ يزود المعمل بجهاز الترميم الآلي المستخدم للكتب النادرة.

وفي هذا السياق، يذكر، وفقاً لموقع مكتبة الإسكندرية، أنها رممت أكثر من 166 مخطوطة نادرة و67 خريطة قديمة و1102 من الكتب النادرة، إضافة إلى 32 لوحة هندسية، منذ إنشاء المعمل عام 1996.


في ألمانيا وهارفارد.. مشاريع ضخمة لحفظ إرث المسلمين

على الصعيد الدولي، ووسط الكم الهائل من المخطوطات والمخاوف من اندثارها، يبرز أضخم مشروعين لأرشفة ورقمنة (أو دجتلة) المخطوطات العربية والإسلامية، الأول في جامعة لايبزيك الألمانية التي دمجت لأول مرة بين الكتابة العربية والتقنيات الألمانية والإنجليزية للكتابة الصوتية.

في مشروعهم الاستثنائي المدعوم من "الجمعية الألمانية للبحث العلمي"، يقوم طاقم البحث برقمنة المخطوطات العربية والتركية والفارسية التي حصلت عليها الجامعة، لفتح باب التعرف على علم الاستشراق واللغة والآداب والعلوم الإسلامية والتي تتفاوت في القدم؛ فمنها ما يعود للقرن التاسع الميلادي، ومنها ما هو أحدث، إذ يعود للقرن الثامن عشر. وحسب ما اطّلع عليه "الخليج أونلاين" في الموقع التابع للمشروع، تعود نشأة غالبية المخطوطات لدول الخليج واليمن وإيران.

وفي المكتبة نفسها، يقوم فريق خاص ببحث ورقمنة المخطوطات الخاصة بمكتبة عائلة الرفاعي السورية التي تضم 488 مجلداً فيه 3200 مخطوطة توارثها آل رفاعي جيلاً بعد جيل حتى القرن التاسع عشر. وحسبما ذكر بالموقع الخاص بالمشروع، فقد تم شراء محتويات المكتبة عام 1853 من مالكها، بهدف الوصول لمعلومات وتشكيل صورة أوسع عن التاريخ والثقافة والرواية العربية.

rifayia

أما المشروع الثاني، فتقوم عليه جامعة هارفارد بتمويل كامل من الأمير السعودي الوليد بن طلال، وأطلق عليه "مشروع التراث الإسلامي"، وهو أرشيف إلكتروني يضم ما يقارب الـ400 مخطوط كتاب عربي في الطب والجغرافيا وعلم الفلك والأدب وعلم الحديث، أي ما مجمله 35 ألف صفحة مكتوبة بخط اليد. وفي إطار المشروع، قامت الجامعة بأرشفة وفهرسة المخطوطات وفقاً لاسم الكاتب ووضعها في متناول يد العالم عبر شبكة الإنترنت مجاناً. (للمزيد عن أرشيف هارفارد للمخطوطات الإسلامية)


IHP

حضارة.. هل يستبدل الحاسوب المؤرخين؟

بعد 3 عقود تقريباً من حديث وتكام عن ضرورة تطوير تقنيات الطباعة لحفظ المخطوطات وأرشفتها، يأتي برنامج "حضارة"، وهو حصيلة جهود حثيثة ومسيرة طويلة من الأبحاث والدراسات التي قام بها باحثون فلسطينيون في علم الحاسوب لإضافة حل نوعيّ مبتكر بالكامل لخدمة الإرث العربي والإسلامي، وذلك بزيادة منالية المخطوطات وتسهيل الوصول إليها والبحث فيها.

ففي إطار رسالة الدكتوراه في علوم الحاسوب التي أجراها د. عبد القادر عاصي في جامعة "بئر السبع" بالداخل الفلسطيني المحتل، قام هو وفريق من الباحثين، بإشراف د. رائد صعابنة وبمشاركة د. محمد يحيى، بابتكار برنامج حاسوب أطلقوا عليه اسم "حضارة"، يقوم بالتعرّف بشكل آلي على المخطوطات المؤرشفة وتحديد هوية كاتبها، وذلك وفقاً لمميزات محددة لدى الكتّاب في أسلوب الكتابة والخط.

hadara

في حديث للدكتور عاصي، صاحب براءة الاختراع في مجاله، مع "الخليج أونلاين"، قال إن أهمية البرنامج تكمن في قدرته على كشف زيف الكثير من المخطوطات المؤرشفة رقمياً. فإذا نسب –، على سبيل المثال، مخطوط معيّن إلى البخاري، سيكشف البرنامج عن صحة ذلك من عدمه؛ كونه قادراً على التعرف على أسلوب كتابة البخاري وخطّه، ومن هنا تتجنب الأجيال تداول وثائق خاطئة.

وفي إطار بحثه، قام عاصي بتمكين "حضارة" من تمييز هوامش المخطوط من المتن، وزوده بالقدرة على تحديد السطور. وبالحديث عن العلاقة بين المؤرخين ومحقّقي المخطوطات والبرنامج المحوسب، والمخاوف التي يطرحها المؤرخون من استبدال التكنولوجيا لدورهم بالكامل، يقول عاصي إن دور "حضارة" هو أداة مكمّلة لخبرة الإنسان ولن يستبدل أو يستثني العامل البشري من دائرة التحقيق.

مكة المكرمة