المدارس.. نمط تعليمي لا يُظن وجوده في تركيا!

لجأت مدارس تعليم الدين إلى النشاط السري في إحدى المراحل متخفية تحت اسم "دورات القرآن"

لجأت مدارس تعليم الدين إلى النشاط السري في إحدى المراحل متخفية تحت اسم "دورات القرآن"

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 17-12-2014 الساعة 16:53
إسطنبول - عبد القادر محمد علي - الخليج أونلاين


عالم دون شهادة، وطالب علم لا يسعى إليها!

متقن لعلوم العربية أكثر من العرب لكنه لا يستطيع الكلام بها!

تلميذ يثني الركب سنوات بين يدي أستاذه في زمن التعليم بالإنترنت!

كل هذه ملامح لما يعرف في تركيا بالمدارس (Medrese). وهي نمط عريق في التعليم تعود أولى نماذجه إلى المدرسة النظامية الشهيرة في بغداد، وقد انتشرت في تركيا في زمن ألب أرسلان السلجوقي (1029-1072م)، وقامت هذه المدارس خلال مئات متتابعة من السنوات بدور كبير في تخريج العلماء الذين كانوا نسغاً متجدداً في عروق الإمبراطورية العثمانية، ومكوناً مؤثراً بامتياز في الدولة والمجتمع. وقد كانت هذه المدارس متنوعة الاختصاصات العلمية والشرعية، لكن دورها انحصر فيما بعد في تعليم اللغة العربية والعلوم الشرعية.

وتعرضت هذه المؤسسة التعليمية لتقلبات متعددة، رفعاً وخفضاً، ثم دفناً إن جاز التعبير؛ ففي القرون الأولى من عمر الإمبراطورية العثمانية عاشت هذه المدارس عصرها الذهبي وكانت القناة التعليمية الوحيدة في البلاد، وفي عهد التنظيمات (القرن التاسع عشر) ومع انفتاح الدولة العثمانية على العالم الغربي، والجمود الذي أصاب هذه المدارس منهاجاً وعلوماً وطريقة دراسة، بدأت مكانتها في التراجع واعتمدت الدولة نوعاً جديداً من المدارس الحديثة سُميت (المكتب Mekteb)، إلى أن جاءت الجمهورية فعصفت بها فيما عصفت به من كل ما كان له صلة بالدين والثقافة الشرقية في البلاد، سعياً وراء بناء دولة قومية تركية علمانية معاصرة، بحسب رؤية مؤسسيها لكل ذلك، وتم إغلاق هذه المدارس بدءاً من مارس/آذار 1924.

وقد لجأت هذه المدارس حينها إلى النشاط السري، متخفية تحت اسم (دورات القرآن) التي سمحت بها الدولة في الصيف، وعامدة إلى السرية المطلقة شتاء، وقد ظل ذلك حالها لما يساوي ثمانية عقود، يقول الطالب بشير إيرجين (21 سنة) ممن درس في هذه المدارس: "كنا في الشتاء نخبىء الكتب تحت ملابسنا، ونخرج من المسجد واحداً واحداً خوفاً من أن يلفت خروجنا الجماعي الانتباه".

وقبل بضع سنوات فقط، ومع تسلم حزب العدالة والتنمية زمام السلطة في البلاد، سُمح لها من جديد بالعودة إلى النشاط العلني.

المنهج ونظام الدراسة

منهج الدراسة اعتمد منذ البدء على تقسيم العلوم أقساماً ثلاثة:

الجزئيات: والمقصود بها علوم الحساب والرياضيات والهندسة والفلسفة، ومنذ القرن السادس عشر أزيلت هذه العلوم بشكل فعلي من مناهج الدراسة بزعم أنها مخالفة للعقيدة. وكان هذا من الأخطاء التي أدت إلى تراجع مكانة هذه المدارس عند القائمين على الدولة؛ لأنها لم تعد تفي بسد حاجات المجتمع، كما بادر الراغبون في تلقي تلك العلوم إلى الإحجام عن الانتساب إليها.

علوم الآلة: وتتضمن النحو والصرف والعقيدة والبلاغة والمنطق.

العلوم العليا: وتتضمن الفقه والتفسير والحديث. وبعد أن أعدمت الدولة عدداً كبيراً من العلماء والأئمة، ولا سيما في شرق البلاد، انخفض المستوى التعليمي لدروس الحديث والتفسير، وإن بقي تدريس الفقه الشافعي في الشرق متمتعاً بسويته السابقة، وكذلك تدريس اللغة العربية.

المتون

والجدير بالذكر هنا، أن جميع الكتب التي يدرسها الطالب هي مجموعة من المتون والشروح والحواشي التقليدية التي تعود إلى مئات خلت من السنين، ويتعصب بعض أساتذة تلك المدارس فلا يقبل بدخول الكتب المعاصرة إلى نظامه التعليمي.

ليس لهذه المدرسة عدد محدد من السنوات الدراسية، بل تستمر الدراسة إلى غاية إتمام الطالب للكتب المطلوب إتقانها. ومنذ البداية يقوم التلميذ باختيار شيخ ليقرأ عليه درساً ما، فإن وافق الشيخ فإنه يلقي عليه الدرس وحدهما أو برفقة عدد محدود من الطلاب، وليس للدروس موعد محدد وتعقد بالاتفاق بين الأستاذ والطالب، وينتظر الطالب حتى يناديه الأستاذ فيقوم إليه، ويشرح الأستاذ المتون العلمية كلمة كلمة للتلميذ أو التلاميذ، طالباً منه أن يقرأ قدراً ما، ثم يشرع في الشرح.

وفي المراحل الدنيا يبدأ الطالب بدراسة الكتب التي تتضمن أصول المسائل في العلم وإتقانها وحفظها، فإذا انتهى منها، انتقل إلى مرحلة أعلى يجول فيها في تفرعات العلم ومسائله التفصيلية، ويذكر الأستاذ عبد الله بارداك من أساتذة تلك المدارس "أن عدد الكتب المطلوب إتقانها يقارب 25، وللوصول إلى مرحلة الإتقان هذه يجب على الطالب قراءة أضعاف هذا العدد من شروح هذه الكتب".

والتعلم هنا يعتمد على حفظ المتون القديمة بشكل كبير، ومن المشهور عن هذه المدارس أن الطلاب يقومون بالحفظ وهم يمشون جيئة وذهاباً داخل المسجد من بعد صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، ومن بعد العصر إلى انتهاء الطالب من حفظ الواجب عليه.

التصوف

وللتصوف دور كبير في هذه المدارس التي تتبع طرقاً صوفية متعددة، وتُقام في بعضها أسبوعياً حلقات ذكر في يوم العطلة، الذي يبدأ من عصر الخميس إلى عصر يوم الجمعة، وفي بعض آخر تقام حلقات ذكر كل يوم .

والطلاب في هذه المدارس ينامون في غرف ملحقة بالمساجد، وليس لبدء التعلم فيها سن معين، وقد كان الطلاب يأتونها سابقاً أطفالاً، وفي السنوات الأخيرة ارتفع المعدل العمري للطلاب المبتدئين فيها، إلى الثانية عشرة أو أكثر، نتيجة لانتشار التعليم الإجباري في المرحلة الابتدائية، ونتيجة لسبب جوهري آخر وهو أن الدولة لا تعترف بشهادة هذه المدارس ولذا فالمتخرج منها لا يستطيع الالتحاق بعمل في الدولة، فيضطر إلى متابعة الدراسة النظامية بجانب المدرسة، لكي يستطيع الدخول إلى امتحان الإمامة الذي لا يستطيع التسجيل فيه دون شهادة ثانوية.

والامتحانات هنا شفهية، يسأل فيها الطالب عن الكتاب الذي درسه، وعندما يبلغ الطالب درجة التخرج يعقد له امتحان مشهود، يسأل فيه كبار الأساتذة الطالب عن دقائق العلوم التي درسها كلها، فإن اجتاز هذا الامتحان احتفل به أهله ومحبوه احتفالاً عظيماً، وينتقل إلى مرحلة (الملا) حيث يؤذن له بعد ذلك بتعليم ما درس، أو بفتح مدرسة إن توفرت له إمكانية ذلك. ويتمتع خريجو تلك المدارس بمكانة هامة في المجتمع ولا سيما في شرق البلاد، كما أن العلاقة بين الطلاب والأساتذة تقوم على تبجيل كبير من الأولين للآخرين.

وممّا تتميز به هذه المدارس أن الطلاب الكبار فيها يقومون بتدريس الطلاب الأصغر سناً، بتوجيه من الأساتذة، مما يشحذ معلومات الطالب، ويكسبه دربة على التدريس، كما أنه يسمح بنشوء علاقات بين أجيال المدرسة المتعددة.

أماكن انتشارها وانعقاد دروسها

أكثر ما تنتشر هذه المدارس بشكلها التقليدي في شرق تركيا، وتنعقد حلقاتها في المساجد أو في غرف تابعة لها، حيث يتحلق الطلاب حول شيخهم وهو يشرح مسائل العلم الذي يدرسونه، وإن اعتمدت بعض المدارس حديثاً نظام الصفوف ذات المقاعد الخشبية المعروف.

التمويل

لا تنفق الدولة على هذه المدارس، إلا إن كانت تحت اسم دورات القرآن، وتعتمد هذه المدارس في تمويلها على الأوقاف الأهلية، وعلى ما يجود به أهل المنطقة المقامة فيها، كما أن هذه المدارس تتبع في الغالب شيخاً ينفق عليها، وأحياناً يقوم أحد الأغنياء بإنشاء مدرسة يتكفل بها وبطلابها.

المحاسن والمآخذ

لهذه المدارس إيجابيات كبيرة؛ منها أنها قامت بدور تعليمي هام في المناطق التي حُرمت من التعليم ولا سيما في شرق تركيا، كما كان لها دورها في الإشعاع الديني والعرفاني في مواجهة موجات عاتية من العلمانية المتطرفة التي اجتاحت البلاد، وبالإضافة إلى هذا، فإن نمط التدريس التقليدي كان يمكن الدارسين فيها من إتقان العلوم التي يتلقونها، إلى الدرجة التي قد تصعب المقارنة فيها بين خريجي هذه المدارس وخريجي كليات الإلهيات (الشريعة).

لكن هذا النمط التقليدي أبعد عن الطلاب الاطلاع على أي علم خارج عن علوم اللغة والشريعة، بل قد تجد خريج هذه المدرسة متمكناً من أحد المذاهب؛ الشافعي في شرق تركيا والحنفي في غربها، مع إلمام يسير ببقية المذاهب، بالإضافة إلى انعدام روح الحوار والتساؤل في الدروس والاعتماد على الحفظ والاستذكار، وفيما يخص اللغة العربية؛ فإن الطلاب يدرسون أمهات كتب العربية ويحيطون بكثير من دقائقها، لكنهم لا يكادون يقيمون جملة عربية لغياب الممارسة اللغوية والمحادثة.

وأهم ما يؤخذ على هذه المدارس تعصبها الشديد للمنهج القديم، وانغلاقها على المذهب الفقهي الواحد، وتمنعها على أي محاولة لتطويرها أو عصرنتها.

مكة المكرمة