تعصب للتاريخ والأهرام.. آخر صيحات الخلاف بين مصر والسودان

كلا البلدين يزعم أن أهرامه أقدم من أهرام الآخر

كلا البلدين يزعم أن أهرامه أقدم من أهرام الآخر

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 21-03-2017 الساعة 19:23
يوسف حسني - الخليج أونلاين


تكاد السلطات المصرية لا تخرج من خلاف مع دولة عربية، حتى يُدخلها إعلامها في أزمة مع أخرى، ضارباً بالراوبط التاريخية والجغرافية والاجتماعية عرض الحائط، وتحول بفعل ذلك إلى وسيلة لسنَّ الألسنة على جيران مصر عرباً كانوا أو أفارقة.

آخر حلقة من حلقات مسلسل الأزمات التي يثيرها الإعلام المصري، هي تلك الدائرة حالياً على أشدها بين القاهرة والخرطوم، والتي وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة من التصعيد بين مثقفي وإعلاميي البلدين؛ بعدما شحذ كل منهما همَّته واستجلب كتب التاريخ المنسيَّة ليثبت أنه الأولى بالحضارة الفرعونية من أخيه.

خلاف بدأ لمجرد أن الشيخة موزا بنت ناصر، والدة أمير قطر، زارت أهرام السودان في مسعى قطري لدعم السياحة السودانية والترويج لها، وهي زيارة أثارت غضب إعلاميين موالين للرئيس عبد الفتاح السيسي، ودفعتهم لشن هجمة على السودان وأهرامه؛ بل وحضارته برمتها، حتى إن أحد هؤلاء الإعلاميين وصف أهرام السودان بأنها مجرد "مثلثات جبن"، بالنظر إلى أهرام مصر.

الخلافات بين القاهرة والخرطوم ليست وليدة اليوم؛ فسجل الخلاف بين البلدين ممتد لسنوات كثيرة مضت، وهي ما تلبث أن تنبعث من الرماد على أقل كلمة، ففضلاً عن النزاع على أسبقية بناء الأهرام والتباري في إثبات ما إن كانت حضارة الفراعنة بدأت من الجنوب (السودان) وامتدت شمالاً (مصر)، أم العكس، فهناك خلافات على مياه النيل وأخرى على منطقة حلايب وشلاتين التي يدَّعيها كل طرف لنفسه.

- خلاف على التاريخ:

غير أن الخلاف هذه المرة اتخذ طابعاً مختلفاً؛ إذ بدا أن المَعدة السياسية المصرية لم تهضم الحضور القطري في السودان، ما دفع إعلامييها للتقيؤ بكل ما يكنونه للسودان وحضارته من استخفاف، وصل إلى حد الازدراء بنظر بعض السودانيين.

زيارة الأميرة القطرية لم تكن لإشعال أزمة بين بلدين، تعودا إشعال الأزمات على أبسط الأمور رغم الأواصر التاريخية والتماس الجغرافي والانصهار الاجتماعي بينهما، وإنما كانت في إطار جولة تقوم بها بوصفها عضو المجموعة المدافعة عن أهداف التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة.

وخلال زيارتها التي استمرت ثلاثة أيام، والتقت خلالها الرئيس السوداني عمر البشير، زارت الشيخة موزا بنت ناصر مناطق أثرية؛ من بينها أهرام البجراوية شمالي السودان.

ورغم أنها أعلنت خلال الزيارة دعم تعليم 600 ألف طفل سوداني والعمل على توفير مليون فرصة عمل للشباب السوداني، فإن صورة الشيخة موزا أمام أهرام البجراوية شمالي السودان، كانت أكثر ما أثار غضبة مؤيدي النظام في مصر، ودفعتهم لشن حرب ضروس على جيرانهم الجنوبيين الذين لم يدخروا هم أيضاً جهداً في مقارعة المصريين بطريقتهم نفسها.

وعلى خلفية هذه الزيارة، شهدت برامج في قنوات تلفازية مصرية ومواقع للتواصل الاجتماعي، تعليقات رأت وسائل إعلام سودانية أنها تناولت الحضارة السودانية وضيوف الخرطوم بشيء من "التقليل والإهانة".

واستنكر وزير الإعلام، المتحدث باسم الحكومة السودانية، أحمد بلال عثمان، الأحد 19 مارس/آذار 2017، ما قال إنها "تعليقات تسيء إلى الآثار والحضارة السودانية". ووصف تلك التعليقات بـ"المهينة للسودان وأصدقائه"، مشدداً على أنهم سيتعاملون معها "بكل جدية وحسم".

اقرأ أيضاً:

مؤسسة قطرية تساهم في تعليم 600 ألف طفل سوداني

- تمويل قطري للسودان:

ومنذ عام 2013، تمول قطر مشروع "أهرام السودان" لحماية الآثار السودانية، بتكلفة 135 مليون دولار. وقد بحث وزير السياحة والآثار السوداني، محمد أبو زيد، الثلاثاء 21 مارس/ آذار 2017، مع سفير قطر في الخرطوم، راشد بن عبد الرحمن النعيمي، مراحل تنفيذ مشروع ترميم الآثار السودانية، الذي تموله الدوحة.

ويتجاوز عدد الأهرام في السودان الـ300 هرم، وفق باحثين ومختصين، بينهم عالم الآثار السويسري، شارل بوني، الذي ينقب في المناطق الأثرية بالسودان منذ عام 1965.

وذكرت الوكالة السودانية الرسمية للأنباء، أن الطرفين "ناقشا مراحل سير المشروع، إضافة إلى تطوير العلاقة بينهما، خاصة في مجال السياحة والآثار".

كما أشاد الوزير السوداني بـ"دعم قطر المقدر إلى مشروع ترميم الآثار السودانية". وهناك حديث سوداني عن تمويل قطري لمد طرق برية وخطوط سكك حديدية تربط المواقع الأثرية السودانية بعضها ببعض، إضافة إلى دعم حركة الفنادق والمطارات والنقل.

ولم يقف الأمر عند تباري المثقفين من كلا البلدين في إثبات بنوة الحضارة الفرعونية إلى أجداده، وحسب؛ فقد أخرجت الحكومة السودانية قضية حلايب وشلاتين مجدداً من على رفوف ذكرياتها، معلنة تشكيل لجنة لإنهاء الوجود المصري في هذه المنطقة.

ولمن لا يعرف، فإن منطقة حلايب تقع على الطرف الأفريقي للبحر الأحمر، وتبلغ مساحتها 20 و580 كم مربعاً. وتضم المنطقة، التي تتبع مصر سياسياً وإدارياً، ثلاث بلدات كبرى؛ هي: "حلايب" و"أبو رماد" و"شلاتين"، وهي محل نزاع حدودي بين مصر والسودان.

وفي أبريل/نيسان الماضي، رفضت القاهرة طلب الخرطوم التفاوض المباشر حول حلايب وشلاتين، أو اللجوء إلى التحكيم الدولي، الذي يتطلب موافقة الدولتين المتنازعتين.

وإضافة إلى الخلاف بشأن تبعية المثلث الحدودي، البالغة مساحته 22 ألف كيلومتر مربع، ويطل على ساحل البحر الأحمر، تسود بين الخرطوم والقاهرة أزمة مخفيَّة منذ إطاحة الجيش المصري، بمحمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً، في 3 يوليو/تموز 2013.

- تلاسن وتهدئة:

وزير الإعلام السوداني، قال: إن "أهرام البجراوية أقدم من أهرام الجيزة (غربي القاهرة) بألفي عام، وإن فرعون موسى (الذي حكم مصر) هو أحد الفراعنة السودانيين، وهو ما سنعمل على توضيحه للعالم".

هذا الحديث السوداني رد عليه وزير الآثار المصري الأسبق وعالم الآثار المعروف، زاهي حواس، بقوله للوزير السوداني: "مش عايز أغلط فيك"، قبل أن يوضح أن أهرام شمالي السودان تمتد لألفي وخمسمئة عام، بينما يعود عمر نظيرتها المصرية إلى خمسة آلاف عام، وفق ما قاله لفضائية إل تي سي (L.T.C) المصرية، الثلاثاء.

وفيما بدت أنها محاولة لتضييق هوة الخلاف، أصدرت وزارة الخارجية المصرية ونظيرتها السودانية، بياناً، في وقت سابقٍ الثلاثاء 21 مارس/ آذار، أكد التعامل بـ"حكمة" مع محاولات "الوقيعة" بين البلدين، بالإضافة إلى رفض "التجاوزات" الأخيرة، وعقد لقاء وزاري خلال النصف الأول من شهر أبريل/نيسان المقبل.

وجاء البيان بعدما بحث وزير الخارجية المصري سامح شكري مع نظيره السوداني إبراهيم غندور، في اتصال هاتفي، سبل تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين وضبط "وسائل الإعلام غير المسؤولة". وقد اتفق الوزيران على "رفضهما الكامل للتجاوزات غير المقبولة أو الإساءة إلى أي من الدولتين أو الشعبين الشقيقين تحت أي ظرف من الظروف ومهما كانت الأسباب أو المبررات"، بحسب البيان.

وتاريخياً، فإن مصر والسودان كانتا دولة واحدة خاضعة لحكم واحد عقوداً طويلة، قبل أن يتم فصلهما عقب ثورة يوليو/تموز 1952. ويرتبط شعبا البلدين تاريخياً وثقافياً واجتماعياً على نحو واسع يصعب معه فص بعضهما عن بعض، لا سيما أن هناك مصاهرات تمتد لمئات السنين، وروابط قبلية تعود لقرون طويلة، فضلاً عن وجود سوداني كبير في مصر، والعكس.

وجغرافياً، يعتبر البلدان جسماً واحداً يفصله خط إداري، لم يفلح طيلة عقود في فصل الأواصر الاجتماعية والقافية، كما أن هذا الجسد الواحد المقسم إلى بلدين يتغذى، منذ الأزل، على شريان واحد هو نهر النيل، وهو الأمر الذي ترك الأثر الكبير على علاقة البلدين عبر التاريخ.

مكة المكرمة