جاسوسة صنعت حدود العراق.. بغداد تستقبل "بيل" سينمائياً

بيل كانت اختارت فيصل بن الحسين ليكون ملكاً للعراق

بيل كانت اختارت فيصل بن الحسين ليكون ملكاً للعراق

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 04-04-2018 الساعة 11:16
بغداد - الخليج أونلاين (خاص)


يحصد الفلم الوثائقي "رسائل من بغداد"، الذي يعرض في العاصمة العراقية، إعجاباً شديداً من قبل الجمهور العراقي، إذ يتحدث الفيلم البريطاني عن تاريخ تأسيس الدولة العراقية، وتشكيل حدود البلاد في مطلع القرن العشرين.

الفيلم الذي يتحدث عن غيرترود بيل، الكاتبة والمستكشفة والجاسوسة والضابطة السياسية البريطانية التي ساعدت في تشكيل معالم العراق الحديث، شهد أول عرض له في البلاد يوم الاثنين (2 أبريل 2018) بالعاصمة بغداد، وقوبل بتصفيق حار من الجمهور المؤلف من أكاديميين ودبلوماسيين وصحفيين وغيرهم.

ث1

يعرض الفيلم لقطات لم تشاهد من قبل للعراق وهو يتحول إلى دولة جديدة قبل نحو قرن من الزمن. واستعان السيناريو بالكامل برسائل بيل ووثائق رسمية، وسردته الممثلة البريطانية تيلدا سوينتون.

ويسلط الفيلم أيضاً بعض الضوء على التحديات التي يواجهها العراق في الوقت الراهن مع خروجه من حرب مع تنظيم الدولة، وسعي البلاد لتحقيق المصالحة بين الشيعية من جهة والسنة والكرد من جهة أخرى.

ووفقاً لوكالة رويترز، قالت سابين كراينبول، التي شاركت في إخراج الفيلم مع زيفا أويلباوم قبل العرض: "المشاهد العراقي سينغمس في تجربة بصرية عن ماض مشترك، وسيخرج بانطباع عن بغداد متعددة ثقافياً ونابضة بالحياة في أوائل القرن العشرين".

وبدأ عرض الفيلم عام 2016، واختير للعرض في مهرجان لندن السينمائي، ونال جائزة الجمهور في مهرجان بيروت السينمائي الدولي.

ونظمت وزارة الثقافة العراقية عرض الفيلم في بغداد ومناطق أخرى بالعراق، ويتزامن عرضه مع الذكرى المئة والخمسين لميلاد بيل.

ويشرح الفيلم قرارات مهمة اتخذتها بيل بصفتها ضابطة سياسية في الإدارة الاستعمارية البريطانية، التي كانت تحكم العراق بعد الحرب العالمية الأولى.

ومن بين هذه القرارات قرار ضم الموصل التي تسكنها أغلبية سنية والمناطق الكردية في الشمال إلى الدولة العراقية التي كان يشكلها البريطانيون، بالإضافة لقرار اختيار فيصل بن الحسين من الأسرة الهاشمية العربية السنية ملكاً للبلاد.

ث2

ورسمت بيل حدود العراق استناداً إلى معرفتها بالتجمعات السكانية المحلية، التي مرت عليها بصفتها مستكشفة، عندما كانت شبه الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين لا تزال تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية.

ويعرض الفيلم مشاهد من حياتها اليومية في بغداد، بالإضافة إلى حياة أُسر وشخصيات من المجتمع اليهودي المزدهر آنذاك.

وحول حياة غيرترود بيل ودورها في العراق، قالت المخرجة زيفا أويلباوم: إن بيل كانت "من المدافعات عن التنوع، ووقعت في حب الثقافة المختلفة التي صادفتها. كان العراق في عهدها متنوعاً للغاية وكانت بغداد مدينة نابضة بالحياة. نشعر بأن هذه رسالة مهمة للغاية اليوم".

- من هي غيرترود بيل؟

شكّلت غيرترود بيل فعلياً الشرق الأوسط الجديد، ورسمت حدود العراق، وبذلت كلّ ما لديها من علم ومهارات وحنكة لوضع النظام السياسي في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، إذ تدخلت بتشكيل نظام الملكية الدستورية في العراق، وتنصيب الملك فيصل حاكماً له، بالتنسيق مع الاستعمار البريطاني الذي اتخذ "مكتب القاهرة" مكاناً للتخطيط.

ث4

حول شخصيتها تقول ليورا لوكيتز في كتابها "السعي في الشرق الأوسط: غيرترود بيل وتكوين العراق الحديث": إن بيل "كانت صديقة ومصدر ثقة الملك الجديد فيصل، ومحركاً أساسياً لرسم حدود الدولة وتأسيس الملكية الدستورية هناك، إضافة للبرلمان ومرافق الخدمات المدنية والنظام القضائي".

وتعتبر بيل أهم امرأة في منظومة الاستعمار البريطاني وفي المنطقة العربية في مطلع القرن العشرين؛ حيث كانت أحد الخبراء الـ39 الذين دعاهم وينستون تشرتشل لمؤتمر القاهرة عام 1921 للتشاور معهم حول مخطط تقسيم الشرق الأوسط في فترة انهيار الإمبراطورية العثمانية، ورسم حدود الدولة القومية.

فبعد أن كانت أول خريجة بامتياز من جامعة أكسفورد قسم التاريخ، أدارت بيل ظهرها للعالم الأرستقراطي الذي ترعرعت فيه بإنجلترا حيث عاشت مع عائلتها النخبوية، لتجوب العالم وصحاريه بصفتها مستكشفة وباحثة في الآثار ومستشرقة.

وبعد أن جابت أرجاء العالم اتجهت بيل لبلاد الفرس، في رحلة مع عمّتها ماري، التي كان زوجها سفيراً إنجليزياً هناك.

وكانت طهران بوابة بيل للمشرق؛ فخلال ترحالها الطويل تعلمت لغات عدة، منها العربية والفارسية والتركية، وأتقنتها بشكل كبير؛ أدت بها لسبر أغوار الحضارة العربية والعادات والثقافة، والتغلغل في داخل المجتمع المشرقي، وجمع المعلومات حوله من أحاديث الناس، النساء خاصة.

في هذا الصدد ترى المؤرخة والكاتبة لوكيتز أن سيرة بيل ظُلمت تاريخياً، مبينة أن "المؤرخين الكبار كانوا رجالاً، ولم يأخذوا بيل على محمل الجد لكونها امرأة".

عقود طويلة قبل تأسيس الحركة النسوية في الغرب، كان طابع حياة وعمل غيرترود بيل يثير التساؤلات أحياناً والإعجاب في كلّ الأحوال، إذ كان الحيز العام في السياسة خاصة مخصصاً للرجال بشكل كامل.

HU055445

وكانت غيرترود المرأة الوحيدة بين الخبراء الذين استعان بهم تشرشل لتشكيل الدول القومية، وترسيم الحدود، وهو ما يثير التساؤلات حول مساهمة بيل– بشكل واعٍ أو غير واعٍ- بالتراكم المستمر الذي أثر لاحقاً على دور المرأة في الحيز العام.

وفي هذا السياق تقول لوكيتز: إن "غيرترود قد تكون هي تجلّي النسوية المبكر، أو نسوية لأجل نفسها (...) فقد نسيت أن النساء المنتميات لطبقة اجتماعية أقل من مكانتها، لم تكن ستتوفر لهن الظروف لتحقيق ما حققته هي".

ث5

وتضيف أن بيل لم تتحدَّ أو تنتقد النظام الأبوي في السلطة والمجتمع، بل عملت من خلاله.

لم يكتب المؤرخون عن غيرترود كثيراً، إلا أنه بعد عقود من التجاهل وجدت الكاتبة والباحثة ليورا لوكيتز كنزاً ثرياً، وهو كتابات ومذكرات أهم امرأة في الإمبراطورية البريطانية.

واعتماداً على ما تكشفه الأوراق من تفاصيل حياتها الشخصية، وتقلباتها النفسية، ودورها السياسي، ألفت لوكيتز كتابها وهو السيرة الذاتية الشاملة لحياة بيل.

غيرترود التي استثناها التاريخ، وانتحرت بعد معاناتها من اكتئاب حاد، ساعدت على ترسيم الحدود في الشرق الأوسط، وإقامة متحف العراق الذي ضم آثاراً لحضارات البلاد المختلفة التي تعود لآلاف السنين.

وما يحسب لها موقفها المخالف للإنجليز فيما يخص فلسطين والحركة الصهيونية، فقد وجد بين أوراقها رسالة لعائلتها تبدي رفضها لوجود دولة لليهود بالمنطقة العربية.

وتقول في رسالتها: "أنا أكره الإعلان الصهيوني للسيد بلفور، ففي رأيي ليس هناك إمكانية لتطبيق الأمر. تلك البلاد غير ملائمة لطموح اليهود؛ فهي أرض فقيرة لا يمكن تطويرها، وثلثا سكانها من العرب المسلمين الذين لا يحبون اليهود، هذا مخطط اصطناعي أتمنى له ألا ينجح".

مكة المكرمة