رواية "فتاة مفقودة" لـ"جيليان فلين" تستحيل فيلماً سينمائياً

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 30-12-2014 الساعة 12:41
إسطنبول - الخليج أونلاين


من الصعب تصوّر استحالة تفاصيل كانت تبهرك في علاقتك مع الشخص الآخر، إلى مسببات لتنغيص حياتك، حين تصبح الشخصية القوية التي جذبتك بها مصدر غيظك، كتسلّط يكتم على أنفاسك؛ ذلك ما حاولت الروائية الأمريكية الشهيرة جيليان فلين اكتشافه في روايتها "فتاة مفقودة"، التي استحالت إلى فيلم سينمائي أخّاذ بالعنوان ذاته، لتعكس تصوراً قاسياً لديناميكية وسيكولوجية العلاقات حين تمتد فترة طويلة المدى، وكأن النهاية الحتمية للعلاقات هي الفناء.

الشقاء، الكذب، الشك، الإيحاء، تلك كلمات تعبر عن الفيلم الدرامي الأخير، وهو من إخراج دايفيد فيشر، لأكتوبر/تشرين الأول 2014، الذي يحمل بعداً نفسياً عميقاً، يزيد من تلك الإثارة التي يشعر بها المشاهد؛ إذ يستفيق الأستاذ الجامعي نيك دان ذات صباح، ليكتشف اختفاء زوجته آيمي، واتهام الآخرين له بقتلها، ويعزز تسليط الإعلام الضوء على القضية من اهتمام الرأي العام بها؛ لكونها حدثت في بلدة صغيرة ينتظر سكانها أي حدث لالتقاط تفاصيله والإسراف في التكهن بشأنه.

نجح المخرج فيشر في اختيار الممثلين؛ إذ استطاع بين أفليك تجسيد شخصية نيك دان المربكة للآخرين باحتفاظه بمرحه وقدرته على الابتسام بأريحية، على الرغم من اختفاء زوجته، ما يتسبب في تشكك المحيط به، وقد تمكن أفليك من نقل تجربته بملاحقة وسائل الإعلام له والتلصص على حياته الشخصية.

أما الشخصية الأهم فقامت بها الممثلة روزمند بايك بتجسيد دور آيمي المرأة التي أخفت شقاءها وحنقها، ما تسبب في مبالغتها في تجريم الآخر، والتخطيط للإيقاع به حين بلغ صبرها النفاد.

تدريجياً تتحور من امرأة مثالية تزرع ابتسامة دائمة على وجهها؛ إلى أخرى فاقدة للسيطرة على أعصابها.

تصل جمالية الفيلم إلى ذروتها في منتصفه، حين يلحظ المشاهد الصورة المغايرة لتصوراته التي ابتدأت بتجريم واتهام لنيك، ليكتشف جانباً آخر أكثر مكراً لما حدث، فيستحيل ذلك التجريم إلى شفقة.

من خلال حديث نيك ومذكرات آيمي، يتجسد التباين في النظرة تجاه العلاقة بينهما؛ فهو يصفها بالمرأة الباردة الانعزالية ذات الشخصية الاستعلائية على الآخرين، وهي تصفه بالعنيف الذي يهدد حياتها فتضطر إلى شراء مسدس للشعور بالأمان.

استخدم المخرج اللقطات الاسترجاعية لعرض الأحداث المفصلية في علاقتهما منذ بدايتها؛ وألواناً قاتمة في التصوير، وثياباً داكنة تتفاوت ما بين الرمادي والأسود لتعكس الحالة النفسية السوداوية لنيك وآيمي، بالأخص نتيجة للأزمة الاقتصادية التي تسببت في بطالة كل منهما، وأضرمت التوتر بينهما، والشعور بأن كل شخص يجثم على أنفاس الآخر.

أبدع كل من المخرج فيشر والممثلة بايك في التغيير من مظهر شخصية آيمي، إذ كلما زاد ما بداخلها شراهة لإيذاء ما حولها وإضرام الكراهية، ظهر ذلك على محياها لتختفي جاذبيتها وتستحيل إلى دمامة وبدانة، لا تختفي تلك الحالة إلا حين تستجدي نيك وتستعيده تحت مخالبها؛ تلك المشاهد تتعلق بذاكرة المشاهد بصورة مخيفة.

يكمن التميز في فيلم "فتاة مفقودة"، في تجسيد الواقع بصورتين متباينتين؛ إحداهما هي الأقرب للواقع، ما يتسبب في إرباك الآخرين، ما بين جيران وأهل ومحققين في القضية، لينبعث التشكك ومحاولة تخمين ما يحدث، وإن كان المنتصر هو القادر على إقناع الآخرين بقضيته، واستعطافهم لتأييده ومحاكمة الآخر.

يبحث الفيلم في قدرة المرأة على ممارسة سلطتها الأنثوية واستعطاف الآخرين لها بسبب قدرته على استضعافها، في مجتمع يحمي حقوقها، ما قد يجعل الرجل مضطهداً في حالات خاصة كما أصاب نيك؛ إذ وقع ضحية امرأة ذكية، وقارئة نهمة، تمكث في البيت بتفرّغ تام، وتخصص جلّ وقتها للتخطيط التخريبي، والإيقاع بالرجل الذي برع بجرحها وإهمالها. وإن كان جميع الأطراف قد برعوا في الكذب والمواراة، وإيحاء الآخرين بما يخالف وضعهم الفعلي.

ما يقلق في مشاهدة أحداث كهذه، هو رؤية تلك التقلبات النفسية والأحقاد الدفينة لشخص بدا هادئاً وديعاً، فتراكم ما بداخله حتى ولّد انفجاراً مريعاً، وهو ما قد لا يظهر في ظروف عادية أخرى. هناك سبر لتلك الأعماق بشكل بديع، والأهم من ذلك إخفاؤها بحرص منيع، للظهور أمام الآخرين بمثالية مسرفة، وكأن ما يهم هو نظرة الآخرين لتلك العلاقة، وليس ما يغلي داخلها. وكأن النجاح في تخليد رؤية معينة هو ما يهم، بغض النظر عن مدى اقترابها من الحقيقة.

مكة المكرمة
عاجل

الكويت | مجلس الوزراء: إقرار يوم غد الخميس عطلة في البلاد بسبب حالة الطقس