شهد الراوي لـ"الخليج أونلاين": الرواية حريتي و"ساعة بغداد" البداية

تؤمن الراوي أن الجمال أقوى من القبح وأن الوطن أحلى من الشتات

تؤمن الراوي أن الجمال أقوى من القبح وأن الوطن أحلى من الشتات

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 08-10-2016 الساعة 11:15
دبي- خاص الخليج أونلاين


كنخلة عراقية سامقة تتهادى على ضفة دجلة، هي شهد الراوي، الشابة العراقية التي طالما كانت خيمة تجمع ما تفرّق من شتات العراقيين، عبر كلماتها التي تنساب كموجة فراتية داعبت أحلام العراقيين وهي تحدّثهم عن "نومة السطوح"، وبدايات "المدرسة"، وهي تتغزل بابن العراق "شحلو إنت"، حتى كانت لسان حال الكثيرين يوم أن كانت تلك الكلمات البسيطة وباللهجة العراقية المحببة تطوف بين ملايين قرّاءها عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

سمّاها البعض شاعرة، وسمّاها آخرون أسماء أخرى، غير أنها ما كانت إلا هي، الشابة العفوية التي تكتب ما تحب، وتحاول أن تلملم شعث وطن تناثر بكلمات، تعيدهم إلى سيرتهم الأولى، يوم أن كانوا عراقيين وكفى.
نجحت -ربما- وربما كان حجم الشتات والتفرق أكبر من كلماتها، كلمات الحب والشجن والذكريات الجميلة، غير أنها ما استسلمت؛ لأنها تؤمن أن الجمال أقوى من القبح، وأن الوطن أحلى من الشتات، وأن العيون التي كحلت صباحاتها بندى بغداد لا يمكن لها أن تخون، وإن طارت، فإن مصيرها أن تعود لعشها، للوطن.

شهد الراوي، أصدرت قبل أيام أول رواية طويلة حملت عنوان "ساعة بغداد"، بعد عام ونصف العام من الغوص في عوالم السرد الجميلة، تتحدث في أول لقاء لها بعد صدور روايتها لـ"الخليج أونلاين"، لتفتح "صندقجة" أفكارها وأحلامها عبر هذا الحوار:

-ساعة بغداد أول رواية لشهد الراوي الشاعرة، لماذا لجأت إلى الرواية؟
في حقيقة الأمر لم أكن يوماً ما "شاعرة"، وكتابة قصيدة أو قصيدتين ليست كافية لكي يصبح الإنسان بعدها شاعراً، كلنا تقريباً جرّبنا يوماً ما كتابة الشعر، لكن الشعر الحقيقي صعب المنال، ويحتاج إلى موهبة حقيقية، ويأتي بعد تجارب جديّة وعميقة حتى يمكنك الوصول إليه، لم أكن "شاعرة"، أنا كنت في بدايتي أتلمّس طريقي لاكتشاف نفسي، والبدايات تجعلك ترى الفاكهة ناضجة ودانية وتغريك بالتورّط، عندما أتذكّر هذه البدايات الآن أضحك؛ لأنني كنت أسمع احتدام الكلمات في أعماقي، ولا أعرف كيف أتيح لها إمكانية التعبير عن نفسها.
وتابعت: الشعر من وجهة نظر المبتدئين هو الثمرة المغرية التي يعتقدونها سهلة المنال، رغم أنه أصعب فنون الأدب وأكثرها تعقيداً. جرّبت كتابة القصائد، هذا صحيح، كما جرّب ذلك أغلبنا، لكنني لم أعثر على نفسي بداخلها، كانت الرواية تنتظرني في نهاية طريق التجارب والاكتشافات الشخصية، تجلس هناك في العتمة وتنادي علي، وسلكت طريقي الوعرة باتجاهها، لقد عثرت على شهد في هذا الجنس الأدبي الذي هو المعادل الكتابي للحياة كلها. كم كان الكون سهلاً في نظر الطفلة شهد وهي تجرّب دون خوف وارتباك.

أمام كتابة الرواية تخلّيت عن الارتباك وبقي الخوف، الحرية مخيفة، ولكن بدونها يختفي الأمل.

-اليوم نقول شهد الراوي الشاعرة أم الروائية؟ أين وجدت نفسك أكثر؟
في الرواية، كانت شهد تراقب الحياة بدقة وتمحيص وتحليل واستدراك، ثم مزجت هذه المقادير مع قليل من الخيال والسحر، إن الرواية رغم أنها الجنس الأدبي الذي يتطلب نفساً طويلاً في الأدب، لكنها الوحيدة التي تعبّر عن حريتي في أن أحكي، ربما قيود الرواية الخفية أصعب بكثير من قيود الشعر الظاهرة؛ كالوزن والقافية والإيقاع الداخلي والشكلي، فحين تركب حياة أخرى ابتكرتها بقياسات دقيقة ومسافات محسوبة فأنت تتورط مع كل جملة وكل عبارة، غير أن حرية (التركيب) هذه جعلتني أشعر بهواء منعش يهب من أعماقي، ولعل مفهوم الحرية هنا لا يخضع لما هو متعارف عليه، إنها حرية العبث بالتفاصيل التي لا تخضع إلى المفاهيم العامة، وتستجيب فقط لدوافع خفية.

-لو ننتقل إلى تفاصيل السرد في ساعة بغداد، إلى أي مدارس السرد أنت أقرب؟
لا أنتمي إلى أي مدرسة، باعتقادي ساعة بغداد كتبت بأسلوب سردي ينتمي لها، لا أعرف شيئاً عن المدارس السردية، هذا شيء يعرفه النقاد، أعرف شيئاً واحداً هو السرد، السرد الذي كتبت به ساعة بغداد، الذي ولد كتطور طبيعي لإيقاع داخلي وجدت نفسي مرغمة عليه، منذ أول سطر وجدت نفسي أستمع إلى صوت داخلي يأتيني من البعيد، من الذكرى ربما، ثم تطورت اللغة من لغة طفلة في بداية القصة إلى لغة مراهقة، ثم إلى امرأة ناضجة تحصي الفقدانات التي مرت عليها وتعيد إنتاجها.

-الرواية العراقية بعد 2003 سجلت حضوراً لافتاً في عالم السرد العربي، برأيك هل ستجد ساعة بغداد حظها بين هذا العدد الكبير من الروايات العراقية؟
بصراحة لا أعرف، هذا ما سيحدده القرّاء، بالإضافة إلى أن ساعة بغداد ليست عملاً روائياً ملحمياً، إنها رواية حديثة بالمعنى الأدبي للحداثة. تنتمي برأيي إلى جيل قدم تواً من زمن الهاتف الأرضي، ووجد نفسه منخرطاً بامتياز بعالم السوشيال ميديا، وتطبيقات الهواتف الذكية، هذا الخليط يجب أن يخلق نوعاً جديداً من الأدب، ربما يكون هجيناً، إلا أنه في نهاية الأمر يبقى ممثلاً لإحساس جديد.

اقرأ أيضاً:
رواية "أنا ونامق سبنسر" قصة الموت فرط الاغتراب والشوق للعراق

-ماذا يمثل لك الملجأ بالرواية؟ هل له رمزية أخرى غير التي يعرفها القارئ؟
هذا ما سيحدده القارئ، فأنا لست مسؤولة عن التأويل هنا، أنا أنهيت مهمتي في الكتابة، وأترك لكم أن تحددوا؛ هل الملجأ لا يمثل شيئاً سوى أنه مجرد ملجأ، أم أنه الحاجة إلى الأمان حتى لو كان على حساب حريتك.. حرية ألا تموت من القصف؟

-هل يمكن أن تسهم الرواية في حفظ ذاكرة الأمكنة؟ ربما هي محاولة جريئة ومحفوفة بالمخاطر منك؟
كل شيء يحدث الآن، كل منتجات التكنلوجيا والعدسات التي أتاحتها، مع التوقيت والخرائط التي تحدد لحظة ومكان وجودنا على هذا الكوكب، كذلك تفعل الفنون والأغاني والألعاب في نسختها الذكية، هي محاولة جميلة لحفظ الأمكنة والذاكرة، هي مستودع وصندوق أخّاذ لمحاولة حفظ الماضي وتلميعه إن كان بحاجة إلى ذلك، لأن الماضي هو الجزء الوحيد المركون في حياتك الذي يشعرك بالأمان، فقد حدث فيه كل ما يمكن أن يحدث، فإن استطاعت (ساعة بغداد) أن تسهم بحفظ هذه الأمكنة فهذا شيء جميل يحسب لها.

-السرد النسوي في العراق خاصة والعربي عامة كان غارقاً بالتفاصيل، إلى أي حد احتفت ساعة بغداد بالتفاصيل؟
ماذا تعني بالسرد النسوي؟ هناك رواية مرة يكتبها رجل، ومرة تكتبها امرأة، فهي في نهاية الأمر رواية. (ساعة بغداد) تمر على التفاصيل من بعيد، تلتقط حركة أو حركتين وتمضي، زمن التفاصيل في الرواية أصبح عبئاً على القارئ من وجهة نظري؛ لأن التطور الذهني الذي حدث للإنسان التكنلوجي الحديث جعل هذا القارئ مشاهداً ومراقباً نهماً للأحداث المتسارعة عبر الميديا ومواقع التواصل الاجتماعي، وتطورت قدرته على الإتيان بكل ما يحدث من إشارة أو إشارتين، لن تجد في روايتي الشرح التفصيلي المشوق أو الممل، ستجد حركة أو حركتين يفعلها بطل ما في الرواية، بمعنى أن الحدث هو المهم عندي، والمكان هو بيئة هذا الحدث، ويجري تسليط الضوء عليه بقدر البناء وليس أكثر، لقد حاولت ذلك ولا أدري كم وفّقت فيه.

-الرواية أنثى، غير أنها سلمت قيادها لرجل، فبرز روائيون، وليس روائيات، هل يكمن أن تعيد شهد الراوي توصيف الرواية بعد ساعة بغداد؟
لا أعرف للرواية جنساً، في الأدب العالمي والعربي وحتى العراقي، هناك روائيات لا يقل مستواهن عن مستوى أهم الروائيين، وكاتبة مثلي تكتب أول رواية في حياتها ليس من حقها ادعاء أي شيء من هذا القبيل، أنا واثقة من تجربتي، ولكنني في الوقت نفسه أمتلك من التواضع ما يجعلني أعرف موقعي جيداً على الخارطة، أمامي طريق طويلة وشاقة، وهذا كل ما يهمني.

مكة المكرمة