منتخب الجزائر.. الأبطال غير المتوجين

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 15-08-2014 الساعة 19:53
وجيه سمّان


حين نتحدث عن أن كرة القدم توحد الشعوب، فإن هذا الأمر يكون صحيحاً، خاصة حينما يلعب المنتخب الجزائري، وفي بطولة كأس العالم.

صاح العرب جميعاً بلكنة جزائرية: 1 2 3 فيفا لالجيري، مع كل لمسة للاعب جزائري في المونديال، وكل لقطة جميلة، وكل هدف سجله محاربو الصحراء في العرس العالمي.

فلم يكن هذا المنتخب منتخباً خاصاً ببلد واحد فقط، بل مثل أمة كاملة، قامت معه، وفرحت معه، حزنت لخروجه، ثم افتخرت به أيما فخار.

دخل الخضر المونديال البرازيلي بعد تقديمهم أداء عادياً في المونديال السابق، وكانت التوقعات منخفضة السقف، خاصة بعد الأداء المخيب في كأس أمم أفريقيا 2013 والخروج من دور المجموعات. وبعد العاصفة المطالبة برأس وحيد خليلوزيتش، أعاد الاتحاد الثقة بالمدرب البوسني، الأمر الذي دفع المدرب إلى تحديد أخطائه والعمل على تصحيحها، فقدم مونديالاً ممتازاً على جميع المقاييس في 2014.

رحل وحيد عن الدكة الجزائرية، بعدما شكر المنتخب والقائمين عليه، وشكر الرئيس الجزائري والجماهير الجزائرية على دعمهما الكبير له، فقال في أحد تصريحاته: لقد تأثرت بثقة الشعب، رائع أن تجعل الشعب سعيداً، هذا ليس له ثمن، إنه يساوي ذهب العالم.

صاحبت مغادرة وحيد للقيادة الفنية للمنتخب الجزائري اتهامات من الصحافة الجزائرية له بأنه يبحث عن المال، في حين برر البوسني خروجه بالبحث عن تجربة رياضية جديدة تثير اهتمامه، بعدما نجح في مهمته مع الخضر، فانتقل لتدريب نادي طرابزون سبور التركي الذي سبق له تدريبه من قبل في منتصف العقد السابق.

وقاد صاحب الـ62 عاماً المنتخب الجزائري في 21 مباراة رسمية، فاز في 12 منها، وتعادل في ست أخرى، وخسر ثلاثة فقط، وسجل معه المنتخب واحداً وثلاثين هدفاً، في حين تلقت شباك الخضر خلال فترة قيادته 18 هدفاً.

دخل المنتخب الجزائري المونديال بتشكيلة قوية شهدت مشاركة كثير من اللاعبين ممن سبق لهم تمثيل الجزائر في مونديال 2010، وكانت أولى مباريات الخضر في المونديال البرازيلي أمام بلجيكا، وشهدت تقدماً عربياً بهدف سفيان فيغولي من ضربة جزاء، لكن الخضر لم يستطيعوا المحافظة على هذه الأفضلية، فتلقت شباكهم هدفين متتاليين، ليخرجوا خاسرين من المعركة الأولى 1-2.

وقبل المباراة التالية طالب الجزائريون المدرب بتغيير أسلوب اللعب، خاصة بعد التحفظ غير المبرر الذي شهدته المباراة الأولى أمام بلجيكا، وتواترت أخبار أن رئيس الاتحاد محمد روراوة تدخل في تحديد بعض الأسماء التي ستلعب أمام كوريا الجنوبية، مثل عبد المؤمن جابو وياسين براهيمي.

وأثمرت هذه المطالبات بشدة بعدما تغلب المنتخب الجزائري على نظيره الكوري الجنوبي بأربعة أهداف لاثنين، في المباراة التي شهدت أرقاماً قياسية بعد تسجيل كل من إسلام سليماني ورفيق حليش وعبد المؤمن جابو وياسين براهيمي أهداف اللقاء، فكانت الأهداف الأربعة هي الأعلى التي يسجلها فريق إفريقي وعربي في مباراة واحدة في كأس العالم.

وفي المباراة الأخيرة بدور المجموعات دخل المنتخب الجزائري ومعه دعوات الملايين من المشجعين العرب وصلواتهم لتحقيق النتيجة المطلوبة أمام الدب الروسي، إذ كان المنتخب مطالباً بتحقيق الفوز أو التعادل، مع ارتباط نتيجة هذه المباراة باللقاء الذي كان يجرى في الوقت نفسه بين كوريا الجنوبية وبلجيكا، فكان للخضر ما أرادوا، إذ تعادلوا مع أبناء فابيو كابيلو بهدف لمثله، وسجل للخضر في تلك المباراة المهاجم إسلام سليماني.

وبعد تحقيقهم للمركز الثاني في المجموعة، صعد الجزائريون إلى دور الستة عشر للمرة الأولى في تاريخ المنتخب العربي، فكانت الفرحة عارمة، والأمل كبيراً في تحقيق نتيجة جيدة وثأرية أمام الألمان، خاصة بعد المؤامرة الشهيرة التي تعرض لها المنتخب الجزائري في مونديال 82.

ظهر محاربو الصحراء بشكل مميز في تلك المباراة، وأقلقوا المدرب الألماني لوف كثيراً، واضطروا المانشافت إلى لعب أشواط إضافية، لكنهم لم يستطيعوا مجاراة الماكينات الألمانية بلياقتهم البدنية، فسقطوا في اختبار الأوقات الصعبة، بعدما تلقت شباك رايس مبولحي هدفاً من المهاجم شورله، سبب تراخياً دفاعياً جزائرياً بعد التركيز على الهجوم بحثاً عن هدف التعادل، الأمر الذي أوجد فراغات في الخطوط الخلفية استغلها أوزيل بنجاح عند تسجيله هدف ألمانيا الثاني، ليأتي الهدف الجزائري أخيراً بقدم عبد المؤمن جابو وبصناعة فيغولي، لكنه لم يكن كافياً لتعديل النتيجة.

خرج المنتخب من المونديال، لكنه عزز موقعه داخل قلوب المشجعين الجزائريين والعرب جميعاً، بعد أن قدم أفضل مشاركة جزائرية في كأس العالم؛ إذ شارك مونديالياً في ثلاث مناسبات سابقة (1982، 1986، 2010) خرج من جميعها بنهاية الدور الأول. وساعدت الأهداف التي سجلها في وضع المنتخب الجزائري على قمة المنتخبات العربية المشاركة في كأس العالم من ناحية الإنجازات والإحصاءات.

شهد المونديال البرازيلي الاعتماد على أكثر من لاعب في المراكز المتنوعة بداخل التشكيلة الأساسية للمنتخب الجزائري؛ فبخلاف رايس مبولحي الذي لعب أساسياً في كل مباريات البطولة، ومعه رفيق حليش وسفيان فيغولي، لعب للخضر في هذا المونديال عيسى ماندي ومجيد بوقرة وفوزي غلام وسفير تايدر وكارل مجاني ونبيل بن طالب ورياض محرز والعربي سوداني ومدحي لحسن وإسلام سليماني ونبيل غيلاس والسعيد بلكالام وجمال الدين مصباح وياسين براهيمي وعبد المؤمن جابو وحسان يبدة.

وبهذا يكون وحيد خليلوزيتش قد استفاد من خدمات 19 لاعباً مختلفاً في أثناء البطولة، في حين لم يلعب مباريات هذا المونديال كل من الحارسين الاحتياطيين محمد الأمين زماموش وسدريك سي محمد، بالإضافة إلى المدافع بن طيبة والمخضرم مهدي مصطفى.

يرحل البوسني عن رأس القيادة الفنية لمحاربي الصحراء، ليترك إرثه الكبير على المدرب الفرنسي كريستيان غورغوف الذي شاهد مباريات المنتخب في البرازيل، فبعد أن وافق المكتب الفيدرالي للاتحاد الجزائري عليه، وقع عقداً وُضِعَ فيه الوصول إلى دور نصف النهائي في أمم أفريقيا 2015 بالمغرب هدفاً رئيسياً، ليمتد العقد في حال تم تحقيق ذلك إلى كأس العالم 2018.

ويحذر النجم الجزائري رابح ماجر من رفع سقف التوقعات التي يُطَالَبُ بها المدرب الجديد، مشيراً إلى أن زيادة الضغط عليه ليست بالأمر الجيد، إذ إن كرة القدم ليست بالعلم الدقيق.

وكان المكتب الفيدرالي وافق كذلك على تعيين يزيد منصوري في منصب المشرف العام للمنتخب خلفاً لعبد الحفيظ تاسفاوت، واحتفظ بمدرب الحراس بلحاجي حسان، على أن يتم تعيين بقية الأفراد المساعدين لكريستيان غورغوف لاحقاً.

اللاعبون الجزائريون الذين صاموا رمضان على الرغم من مواجهتهم لمنتخبات قوية بدنياً، استقبلوا من قبل شعبهم وكرموا من قبل قيادتهم فور عودتهم إلى وطنهم الجزائر؛ فمدح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة اللاعبين وقال إن منتخب بلاده صدق الوعد وأثبت براعته في لعب كرة القدم.

هذا كان حديثنا عن المنتخب بشكل عام.. نخصص حديثنا قليلاً عن اللاعبين على الصعيد الفردي.

إذ نجح نادي الفجيرة الإماراتي بالفوز بخدمات كابتن المنتخب الجزائري مجيد بوقرة، الذي كان يعتقد بإمكانية تقديم مونديال أفضل بالنسبة للخضر. المدافع الجزائري المخضرم انتهى عقده الاحترافي مع نادي لخويا القطري بنهاية الموسم الرياضي السابق، ولم يكن مستعجلاً في تحديد وجهته القادمة، على الرغم من رغبة عدة أندية إنكليزية منها ديربي كاونتي وكريستال بالاس وليستر سيتي بالتعاقد معه، لينضم إلى النادي الإماراتي في انتقال عزاه الكثيرون إلى المال، ومن المحتمل أن يلحق به في الفجيرة زميله بالمنتخب حسان يبدة.

وكان المدافع رفيق حليش، الكابتن الثاني للمنتخب الجزائري وصاحب الـ27 ربيعاً، قد وقع عقداً مع نادي قطر القطري بعد انتهاء عقده السابق مع فريق أكاديميكا البرتغالي، في حين جدد نادي سبورتينغ ليشبونة عقد اللاعب إسلام سليماني ورفع قيمة العقد لـ30 مليون يورو، بعد أن رفع راتب اللاعب الذي تألق في المونديال، لينقطع الطريق أمام نادي ليستر سيتي، الذي يلعب له رياض محرز، بعد أن قدم عرضاً بـ10 ملايين يورو لضم سليماني.

وفي البرتغال أيضاً، أعار نادي بورتو اللاعب الجزائري نبيل غيلاس لنادي سبورتينغ براغا، في حين انتقل ياسين براهيمي إلى نادي بورتو بعد أن رغبت عدة أندية أوروبية في التعاقد معه؛ منها إيفرتون وتوتنهام الإنكليزيين، وأتليتكو مدريد وإشبيلية وفالنسيا الإسبانية.

وكرمت مديرية الشباب والرياضة لولاية تيزي وزو المدافع السعيد بلكالام بمبلغ 50 ألف يورو، اللاعب التحق الآن بمدربه وحيد خليلوزيتش في نادي طرابزون سبور التركي في عقد احترافي لمدة عام واحد.

وأوضح عبد المؤمن جابو أن مغادرته لناديه الإفريقي التونسي غير مؤكدة، اللاعب تلقى سيارة بورش هدية لهدفه في الدقائق الأخيرة أمام ألمانيا، وتم تكريمه من قبل ناديه الأم وفاق سطيف لما قدمه في المونديال الأخير.

الغريب أن حارس المنتخب لم ينتقل لنادٍ أوروبي، على الرغم من تنافس عدة أندية أوروبية على التعاقد معه، إلا أنه فضل خوض تجربة جديدة مع نادي فيلادلفيا يونيون الأمريكي، في عقد يربطه بالنادي لمدة ثلاث سنوات.

هناك كثير ممن يعملون من أجل المنتخب الجزائري؛ المدرب، اللاعبون، التقنيون المختلفون، وهناك أيضاً محمد روراوة رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم، الذي يجتهد كثيراً في إقناع اللاعبين المولودين في أوروبا الذين يحملون أصولاً جزائرية، باللعب لمنتخب بلادهم الأم.

الأمر الذي يفتح جدلاً سيظل مستمراً بين عشاق المنتخب الجزائري، حول من له أولوية الاستدعاء لتمثيل الخضر في المناسبات الرسمية؛ بين من يفضل اللاعبين المحليين، ويعلل ذلك بعشقهم للقميص ولعبهم بروح عالية ومعرفة الجماهير بهم، وبين من يفضل المحترفين في الأندية الأوروبية خصوصاً، لما يتمتعون به من موهبة وتفكير كروي، وأيضاً للحماس الذي شهدوه منهم في تمثيل محاربي الصحراء خلال البطولات الماضية.

هذا الأمر انعكس على محبة المشجعين للاعبين الذين حققوا إنجاز التأهل لدور الستة عشر من المونديال، فعلى الرغم من التأهل مرتين متتاليتين للعرس العالمي، لم تصل تشكيلة اللاعبين هذه للمكانة نفسها التي تحظى بها تلك المتأهلة لمونديالي 82 و86 في قلوب مشجعي الخضر، ويعزو كثيرون ذلك إلى عدم احتكاك المشجعين كثيراً باللاعبين؛ إذ إنهم لا ينشطون في الدوري المحلي.

ومن المهم معرفة أن هناك كثيراً من اللاعبين الشباب الذين تتم محاولة إقناعهم باللعب للجزائر، ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر، نجم وسط ميدان ليون الفرنسي نبيل فقير صاحب الـ 21 ربيعاً.

يذكر أن المنتخب الجزائري ألغى ودية كان من المزمع لعبها مع نظيره المصري؛ وذلك نظراً لما يجري على الأراضي الفلسطينية وغزة تحديداً، وفي لفتة جميلة قام الاتحاد الجزائري ولاعبو منتخب الجزائر بمنح مبلغ 100 ألف دولار لصالح غزة المقاومة.

من المفترض أن يجتمع لاعبو المنتخب مع مدربهم الجديد قريباً، حيث تخوض الجزائر الرابعة والعشرين على سلم منتخبات الفيفا بـ872، تصفيات أمم أفريقيا 2015 في المجموعة الثانية، مع منتخبات إثيوبيا ومالي ومالاوي، إذ ستلعب مع إثيوبيا ومالي ذهاباً في الخامس والعاشر من سبتمبر/أيلول القادم، وستلعب مع مالاوي ذهاباً وإياباً في العاشر والخامس عشر من أكتوبر/تشرين الأول، لتواجه إثيوبيا ثم مالي إياباً في 14 و19 نوفمبر/تشرين الثاني.

مكة المكرمة