أزمة الطائرة تكشف.. منهج "القديس فلاديمير" يحكم روسيا

بروز الخطاب الروسي "الديني" على خطابات بوتين

بروز الخطاب الروسي "الديني" على خطابات بوتين

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 04-12-2015 الساعة 16:14
قتادة الطائي - الخليج أونلاين


شهران اثنان تحديداً، فصلا بين إسقاط أنقرة الطائرة الروسية، وافتتاح مسجد موسكو الكبير بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، الذي عكس انفتاحاً روسياً مشبوهاً على الإسلام، الذي اعتبره "الديانة العالمية العظيمة التي يشوهها داعش".

مضت أعوام عدة على ربط "التشدد الديني" بالإرهاب والتطرف، وانحصر المصطلح طيلة الأعوام الماضية في الجماعات "الإسلامية" التي ترفضها دول العالم الإسلامية مجتمعة، ويبتعد أي حديث عالمي عن الإرهاب بربطه بديانات أخرى.

ولم تكن محاربة "القاعدة" أو تنظيم "الدولة" التي تقودها دول العالم الكبرى وتعاني منها دول الشرق الأوسط، قد انطلقت لنصرة دين والقضاء على آخر، وهو ما يعكس الاتفاق على مصطلح الإرهاب وتصنيفاته.

المصطلح المبرِّر لمحاربة جماعاته، اختفى طيلة العقود الماضية عن الحروب بين الدول، فلم تكن الحربان العالميتان قد انطلقتا من دوافع "الإرهاب" أو محاربة الفكر المتطرف، إذا ما استبعدنا احتلال فلسطين ودوافع اليهود التي أيدتها معظم الدول الكبرى آنذاك؛ لأغراض سياسية.

- "الدين" يحرك روسيا عسكرياً

"بوتين يتقرب من الله برأس أردوغان"؛ هكذا فسرت وسائل الإعلام الروسية تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال رسالته السنوية التي وجهها إلى الجمعية الفدرالية، أمس الخميس، حين قال: "الله ربما وحده فقط يعلم لماذا فعلوا ذلك. وعلى ما يبدو فإن الله قرر معاقبة الزمرة الحاكمة في تركيا، حارماً إياها من التفكير العقلاني والمنطق".

اتهام الرئيس الذي اختاره بوتين من بين عشرات رؤساء الدول الإسلامية لافتتاح مسجد موسكو، أظهر وجه بوتين الآخر حين اعتبره وجهاً إسلامياً لا يعكس سوى الإرهاب، بل اعتبر تعزيز الاسلام في تركيا تهمة لقيادتها.

فلم يكن إسقاط تركيا للطائرة الروسية الشهر الماضي، نقطة موسكو الوحيدة لربط سياستها بالدين، حيث بدأت لغتها تلك منذ بدء غاراتها على مواقع تقول إنها لتنظيم "الدولة" في سوريا منذ نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، فيما تقول واشنطن وعواصم غربية أخرى إنها تستهدف المعارضة السورية (ذات الميول الإسلامية المعتدلة).

فبعد يوم من الغارات الروسية، أسمت الكنيسة الروسية تدخل موسكو في سوريا بـ "الحرب المقدسة"، ونقلت وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء عن رئيس قسم الشؤون العامة فسيفولود تشابلن، أن "القتال ضد الإرهاب هو معركة مقدسة اليوم، وربما تكون بلادنا هي القوة الأكثر نشاطاً في العالم التي تقاتله".

وقال بطريرك الكنيسة الروسية كيريل (عادة ما يؤيد الكرملين في الشؤون السياسية)، إن بلاده "اتخذت قراراً مسؤولاً باستخدام القوة العسكرية لحماية الشعب السوري من المعاناة التي يلحقها بهم الإرهابيون".

وتقول وكالة الصحافة الفرنسية، إن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية استعادت نفوذها بعد الاتحاد السوفييتي، وأقامت علاقات وثيقة مع الحكومة رغم الفصل الرسمي بينهما، في إشارة لاستعادة التأثير الديني على قرارات موسكو السياسية.

من جهته، استغل بوتين حادث الطائرة أيضاً بربطه بشكل أو بآخر بالدين، رغم خلوه من أي علاقة، حيث صرح قائلاً: "المشكلة لا تكمن في المأساة التي وقعت، بل هي أعمق من ذلك بكثير. نحن شاهدون، ولسنا بمفردنا، بل العالم بأسره شاهد على ذلك. القيادة التركية الحالية، تنتهج طوال سنين، وبشكل هادف، سياسة داخلية "لأسلمة" بلادها، ودعم التيار الإسلامي المتطرف فيها".

ادعى بوتين أن بلاده تعكف على "دعم الإسلام ولن نتوقف عن ذلك، إلا أن الأمر الذي أعنيه يتعلق بدعم التيار الراديكالي، وهو الأمر الذي يخلق في حد ذاته وسطاً وأجواء غير ملائمة لا تظهر للوهلة الأولى".

تصريحات بوتين أراد من خلالها التأكيد أن "أسلمة تركيا" ستؤدي إلى أنه "لا نستطيع استبعاد وقوع حوادث أخرى. ومن الممكن أن يتعرض مواطنونا الموجودون في تركيا للخطر. وعلى وزارة الخارجية أن تحذرهم".

ونحو دعم فكرة "الإسلام المتطرف" في قيادة تركيا؛ لربطه بالإرهاب، جاء الاتهام الروسي من بوتين أمس الخميس، قائلاً إن أعوان من وصفهم بـ"الإرهابيين" في تركيا يتحملون مسؤولية ما جرى، مشيراً إلى أن "الإرهابيين" يحصلون على أموال من تركيا مقابل النفط ويستخدمونها لتدبير هجمات مسلحة، في إشارة لاتهامه أنقرة بشراء نفط "الدولة" والتجارة معها، وهو الاتهام الذي رده الرئيس التركي على موسكو.

- الثأر الروسي من حروب القرم

يعتبر مختصون إقحام الدين في تصريحات الأزمات السياسية الأخيرة بين أنقرة وموسكو، إشارة إلى بقاء النزعة الدينية في الانتقام، من وقوف الدولة العثمانية التي يتغنى بها أردوغان، بوجه توسع القيصر الروسي تاريخياً.

حيث وقعت الحروب الروسية العثمانية بين القرنين السادس عشر والعشرين. وانتصر العثمانيون في معظمها حتى نهاية القرن السابع عشر بعدما أنهكت السلطنة العثمانية، إلى القرن العشرين الذي شهد انهيار الدولة العثماينة وروسيا القيصرية.

وكانت حرب القرم هي الخيار المناسب أمام القيصر نيقولا الأول (1825 – 1855) لتحقيق أطماعه في الدولة العثمانية.

ونشبت أبرز حروب القرم التاريخية في عام 1853 واستمرت لعامين، وكانت سياسية بصبغة دينية، تمثلت في النزاع بين الكاثوليك الفرنسيين، والأرثوذكس الروس حول حيازة الأماكن المقدسة في فلسطين، وحين انتهت المفاوضات الروسية العثمانية في الوصول إلى حل يقبله الروس، اجتازت القوات الروسية الحد الفاصل بين الحدود العثمانية والروسية، واحتلت الأفلاق والبغدان (مولدافيا وولاشيا)، ولم تُجدِ محاولات الوساطة الأوروبية لحل الخلاف بالطرق السلمية، فأعلنت الدولة العثمانية هي الأخرى الحرب على روسيا.

وقد كانت الحروب في الأساس مسعى لوقف الأطماع الروسية في القرم العثمانية، ولرغبة روسية في السيطرة على البحر الأسود وممراته (البوسفور والدردنيل) نحو مياه المتوسط الدافئة.

وفي أزمة القرم عام 2014، تذرع بوتين بعد صراع كان في ظاهره "سياسياً"، بالقول "إن القرم هو المكان الذي تعمَّد فيه الأمير القديس فلاديمير (أسس بذور المسيحية الأرثوذكسية في روسيا)، قبل أن يعمِّد الروس كلهم بعد ذلك".

وأضاف: "نحن نرى كيف أن دولاً يوروأطلسية سارت على طريق التخلي عن جذورها، بما في ذلك عن القيم المسيحية (الدول الأوروبية المعارضة لسيطرة روسيا على القرم وتدخلاتها في أوكرانيا)، التي تشكل أساس الحضارة الغربية؛ فهي تنكر المبادئ الأخلاقية وأي هوية تقليدية: قومية، ثقافية، دينية بل وجنسية". محذراً من أن ذلك "طريق مباشرة إلى الانحلال".

مكة المكرمة